إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

إلى متى يبقى الإعلام الصهيوني مُسيطراً على عقول المؤمنين عامةً والمسيحيين خاصة؟

وجدي المصري - البناء

نسخة للطباعة 2016-02-12

الارشيف

لم يعُد خافياً على أحد دور الإعلام في ربح المعارك عسكريّة كانت، أم سياسيّة، أم اجتماعيّة، أم اقتصاديّة. هذا السلاح استخدمه اليهود منذ القدم حتى إذا تأسّست الحركة الصهيونيّة الحديثة تمّ التركيز عليه كأقوى سلاحٍ لربح معركتهم الوجوديّة في مواجهة العالم أجمع. ولم يعُد بخافٍ أيضاً على أصحاب العقول النيّرة بأنّ المؤامرة اليهوديّة على بلادنا وشعبنا بدأت منذ ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة، عندما توطّنت في بلاد كنعان، قبائل بربريّة مجهولة الحسب والنسب كانت تحارب في ذلك الزمن إلى جانب الملك الذي يكون سخيّاً بالدفع أكثر من غيره، حتى إذا ما قويت شوكتها استأثرت ببعض مناطق فلسطين وحاولت تقليد العادات الحضارية للكنعانيّين فأسست مملكةً صغيرة تحت اسم «إسرائيل» لم تعمّر أكثر من مئة سنة. نقرأ في سفر القضاة الإصحاح الثامن عشر ما يلي: «وفي تلك الأيام حين لم يكن ملك في إسرائيل…»، وبقي الأمر كذلك حتى عهد القاضي صموئيل الذي اختار شاول ليكون ملكاً في «إسرائيل»: «وقال صموئيل لكلّ إسرائيل ها أنذا قد سمعتُ لصوتكم في كلّ ما قلتم لي وملّكتُ عليكم ملكاً والآن هوذا الملك يمشي أمامكم…» صموئيل الأول 1:12. وكان صموئيل عندما اختار شاول لكي يكون ملكاً قلّد عادات شعوب تلك المنطقة: «فأخذ صموئيل قنينة الدهن وصبّ على رأسه شاول وقبّله وقال أليسَ لأنّ الربّ مسحكَ على ميراثه رئيساً» صموئيل الأول 1:10. فعملية المسح كان يقوم بها الكاهن كفعل مباركةٍ للرجل الذي سيصبح ملكاً. وبما أنّ اليهود كانوا وما زالوا يعتقدون وينتظرون قدوم المسيح المخلّص، فهذا يعني أنّ المسيح بنظرهم لم يأتِ بعد. يقول الحاخام عوفاديا يوسف: «سيأتي المسيح الصادق ويبث الرعب فيهم. إننا نثق بالقدّوس بأنه سيرسل لنا مسيحاً لا يخاف من أحد، وسيقوم بإرسال كلّ هؤلاء العرب إلى جهنّم. كلّ أمم الأرض ستصرخ، وستتجنّد الأمم المتحدة. بريحِ شفتيه يدمّرهم جميعاً».

هذا هو مسيحهم، فأيّة علاقة بين عيسى بن مريم واليهود؟ ومَن أطلق عليه لقب المسيح؟

إذا كان يُطلق على كلّ مَن كان يُمسح بالزيت أو الدهن لقب المسيح، فلماذا أُطلق هذا اللقب على يسوع من دون أن يكون قد تمّ مسحه؟

كان اليهود، كما قلنا ينتظرون قدوم ملك ليخلّصهم من كلّ شعوب المنطقة. ولمّا بدأ يسوع التبشير بتعاليمه الجديدة، اعتقدوا بأنه هو الملك المُنتظر، ولذلك يجب مسحه بالزيت والدهن لتثبيته ملكاً. ولكن عندما أيقن اليهود أنّ يسوع قد بدأ بنقض شريعتهم القائمة على أساس أنهم وحدهم شعب الله الخاص، وعلى الملك الآتي أن يقضي بحدّ السيف على كلّ أعدائهم، بدأت تتغيّر نظرتهم إلى يسوع، وتطوّر هذا التغيّر إلى الحقد عليه وبدء المؤامرة لتصفيته مع تصاعد لهجة يسوع ضد شريعتهم وممارساتهم الطقوسية المتحجّرة، وانزلاقهم إلى المادّيات وابتعادهم عن الروحانيّات. وكان لهم ما أرادوا فتمّ صلب يسوع، وظنّوا أنهم بذلك استطاعوا ليس فقط التخلّص منه، بل القضاء على رسالته أيضاً. لكنّهم تفاجأوا بأنّ تعاليمه بدأت بالانتشار غارسة في قلوب أتباعها إيماناً جديداً لا يقوم على التمايز عن الغير، ولا على أمر الإله بالقتل والتخريب والامتناع عن العمل يوم السبت، وعلى ختان لحم غرلة الذكر العهد الأبدي بين يهوه وإبراهيم. هذا الإيمان كان يرتكز على ثالوث مختلف يقوم على المحبة والتسامح والغفران.

يقول فراس السوّاح في كتابه الوجه الآخر للمسيح ص. 59 ما يلي: «ذلك أنّ مسيح بولس ليس المسيح الذي انتظره اليهود ليحمل الخلاص لهم وحدهم، بل المسيح الكوني الذي افتدى بدمه البشريّة جمعاء…».

وبعد تدوين الأناجيل بدأ اليهود يعملون على تقويض الإيمان الذي أرساه يسوع المختلف الأبعاد عن الإيمان اليهودي. وكانت الخطوة الأولى التي قاموا بها هي البدء بتحوير ما جاء في الأناجيل وإضافة بعض ما يتناسب مع أفكارهم وصولاً إلى التأكيد بأنّ تعاليم يسوع تجد جذورها في التوراة. وتجاوزوا موضوع التعاليم إلى نسب يسوع فأعادوه إلى داود، وبذلك أصبح يسوع بنظرهم يهودياً. ولمّا وجدوا أنّ ذلك لا يكفي حوّروا ما جاء في إنجيل متّى، أو أضافوا إليه الجملة القائلة: «لا تظنّوا أني جئتُ لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئتُ لأنقض بل لأكمل» متّى 17:5. وكان لهم ما أرادوا إذ نشأت الأجيال على قراءة الأناجيل التي تبدأ بإنجيل متّى حيث دُسَّ فيه نسب يسوع والجملة الآنفة وكثير من الأقوال التي كان بعض الرُسُل يستشهدون بها قائلين: «ليتمّ ما جاء في الأنبيا أي التوراة كذا وكذا».

وتوّج اليهود مؤامرتهم عندما أقنعوا الكنيسة في وقتٍ من الأوقات، غير متّفقٍ عليه عند الدارسين، بأن يجمعوا التوراة والأناجيل في كتابٍ واحد أطلقوا عليه اسم «الكتاب المقدّس»، بحيث باتت التوراة تُعرف عند المؤمنين بالعهد القديم والأناجيل بالعهد الجديد.

ولكي نُميط اللثام عن هذه المؤامرة التي أصابت مقتلاً، ليس فقط من الدّين الجديد، بل من عقل المؤمنين الذين باتوا مُلزمين الأخذ بكلّ ما جاء في التوراة على أنه كلام إلهيّ مقدّس دون أن يكون لهم الحق بمناقشة هذه المسلّمات الإلهية المزعومة، مما كان له انعكاس سلبيّ لاحقاً على خسارتنا لفلسطين التي استطاع الصهاينة إقناع العالم بأنّ موافقته على عودة اليهود إليها ما هي إلا استجابة إلى وعود الله لشعب «إسرائيل» الواردة في العهد القديم. ومَن يملك بعد ذلك الجرأة على المناقشة وتبيان الحقائق وصولاً إلى فضح المؤامرة التي ما تزال فصولها مستمرّة إلى الآن وستبقى ما لم نستطع إزاحة الغطاء عن عقول المؤمنين. وأحاول هنا المساهمة بهذه المهمة بشكلٍ متواضع انطلاقاً من نقطتين أساسيّتين: الأولى نسب يسوع، والثانية الجملة الواردة في إنجيل متّى حول عدم نقض الناموس بل الإكمال.

يقول الأب الدكتور يوسف يمّين في كتابه المسيح وُلِد في لبنان لا في اليهودية، ص 192 بأنّ أكثر مفسّري الكتاب المقدّس اليوم «يؤكّدون جازمين أنّ قضية ربط يسوع المسيح بذرّيّة داود الجسدية هي حديثة العهد من التاريخ المسيحي. وهي تعود إلى القرن الرابع للميلاد، لا قبل».

وجاء في كتاب هيروس الكبير للكاتب المهجري نظير زيتون ما يلي: «عمل دُهاة اليهود والمسيحيين لربط العهد الجديد بالعهد القديم وأساطيره لكي يتمكّنوا بعدها من خردقة المعتقدات المسيحية وتهويدها».

وهذا يعني أنّ ما ورد في إنجيلَي متّى ولوقا حول تسلسل ذرّيّة داود وصولاً إلى يسوع هو مجرّد دسّ من قبَل اليهود. ومن جهةٍ أخرى، من حقنا أن نسأل: لماذا خلا إنجيلا مرقس ويوحنّا من هذا النسب؟ لماذا لم يتطرّقا إليه؟ ولماذا لم تعبث بهما أيادي أصحاب النيات السوداء؟ هي أسئلة ستبقى دون أجوبة لتقادم العهد عليها من جهة، ولعدم وجود وثائق دامغة للإجابة عنها. لكننا نستطيع أن نعود إلى الأناجيل نفسها لكي نثبت عدم صحة هذا النسب. المسألة الأولى التي نلاحظها هي أنّ النسبَين بين متّى ولوقا مختلفان جذريّاً، فمن داود إلى يسوع هناك ثلاثة أسماء، فقط لا غير، تتطابق بين جدول متّى وجدول لوقا وهذه الأسماء هي: زربابل، شألتئيل، والياقيم.

وهذا هو يسوع بنفسه يدحض القول بأنه يهودي في إنجيل يوحنا الذي سرد لنا قصّة المرأة السامريّة التي طلب منها يسوع ماء ليشرب فقالت «له المرأة السامريّة كيف تطلب منّي لتشرب وأنت يهودي وأنا امرأة سامريّة. لأنّ اليهود لا يعاملون السامريّين. أجاب يسوع وقال لها لو كنتِ تعلمين عطيّة الله ومَن هو الذي يقول لكِ أعطيني لأشرب لطلبتِ منه فأعطاكٍ ماءً حيّاً» 4: 9-10. فلو كان يسوع يهودياً لكان قال لها: نعم أنا يهودي لكنني أبشّر بتعاليمٍ جديدة ولا أقف عند ظواهر الأمور، لكنّه لم يفعل لأنه ليس فقط لم يكن يهودياً بل لأنه جاء برسالة جديدة ذات مفاهيم جديدة مختلفة عمّا كان يعرفه اليهود، وكنّى عنها بالماء الحيّ، أي أنّ تعاليمه تخلق إنساناً جديداً من شأنه أن يغيّر نمط الحياة الذي كان مفروضاً عليه من قبَل اليهود. كما أنّ متّى في إنجيله يناقض ما كتبه عن نسب المسيح من خلال هذا الحوار بين يسوع وبين الفرّيسيين: «وفيما كان الفرّيسيّون مُجتمعين سألهم يسوع قائلاً ماذا تظنّون في المسيح. إبن مَن هو. قالوا له إبن داود. قال لهم فكيف يدعوه داود بالرّوح ربّاً قائلأً قال الربّ لربّي إجلس عن يميني حتى أضع أعداءكَ موطئاً لقدميك. فإن كان داود يدعوه ربّاً فكيف يكون ابنه» متّى 22: 41 – 45. الأدلّة كثيرة لا تتّسع لها هذه الدراسة حسبنا أن نردّد ما قاله البطريرك زكّا الأول في كلمةٍ ألقاها بمناسبة اليوبيل الألفين لميلاد يسوع بالجسد في كاتدرائية الرسولين مار بطرس ومار بولس في دير مار أفرام للسريان في معرّة صيدنايا – دمشق في 14-9-2000، قال: «وإذا كان العالم كلّه قد احتفل ويحتفل بهذه المناسبة المجيدة، جدير بنا نحن في سورية أن نفعل ذلك بافتخار لأنّ السيّد المسيح كلمة الله الأزلي الذي وُلِد من الآب قبل كلّ الدهور، وُلِد بالجسد قبل عشرين قرناً في سورية. فهو سوريّ قوميّة ونسباً ولغةُ وحضارة، فنحن إليه ننتمي وبه نعتزّ، وهو ينتمي إلينا بالجسد ولن ينجح أعداؤه في سرقته منّا أو في أسره عندهم ولا في تشويه طبيعته ورسالته… وإذا صحّ أن ننسب إلى السيّد المسيح قوميّة أو وطناً أثناء تدبيره الإلهي بالجسد فهو سوريّ آرامي لا غير، قوميّة ونسباً ولغة وحضارة. فقد تكلّم الآرامية السريانية لغة سورية القديمة ووُلِد وعاش بالجسد في فلسطين التي كانت جزءاً لا يتجزّأ من سورية».

الكنيسة الشرقية قالت كلمتها، فإلى متى ستبقى الكنيسة الغربية، والتي تعرف الحقيقة حق المعرفة، إما خوفاً من اليهود أو مراعاةً لمشاعرهم صامتة عن مثل هذه المسألة التي أثّرت تأثيراً سلبياً على الإيمان المسيحي، هذا التأثير الذي تجاوز الإيمان إلى السياسة والحق بالوجود وامتلاك الأرض؟ الموقفان يُبقيان الحقيقة غائبة عن أذهان المؤمنين، ويُفسحان المجال أمام الإعلام الصهيوني للاستمرار ببثّ أكاذيبه وتزوير التاريخ والشريعة في آن. أما إذا قال قائل: «وماذا يُضيركم إذا كان يسوع يهودياً؟ نقول إنّ هذا لن يغيّر شيئاً بحقيقة يسوع الروحانية، والذي أعلن بأنه ليس ملك اليهود، وبأنّ مملكته ليست من هذا العالم، وهذا ردّ آخر بناموسٍ جديد لا يمكن التوفيق بينه وبين الناموس القديم. وها هو يقول للكتبة والفرّيسيين: «ليس أحد يضع رقعة من ثوبٍ جديد على ثوب عتيق. وإلا فالجديد يشقّه والعتيق لا توافقه الرقعة التي من الجديد. وليس أحد يجعل خمرة جديدة في زقاقٍ عتيقة لئلا تشقّ الخمر الجديدة الزقاق… بل يجعلون خمرة جديدة في زقاقٍ جديدة فتُحفظ جميعاً» لوقا 5: 36- 38. فبهذا القول حسم يسوع الجدل وأكّد أنه لا يمكن لرسالته التوافق مع الموسوية، ودعا اليهود إلى ترك الطقوس المتحجّرة والشريعة اليهوهية التي لا تدعو إلا للقتل والتخريب، والإقبال على الشريعة الجديدة بكلّ ما فيها من دعوةٍ للمحبة والتسامح. ومن هنا أقول كيف يتوافق موقف يسوع هذا مع ما ورد في إنجيل متّى من أنه جاء ليُكمل لا لينقض؟

النقض لا الإكمال

ولكي نجيب على هذا السؤال سنتطرّق إلى بعض الأمثلة التي تثبت فعل النقض لا الإكمال. ولكن قبل ذلك علينا أن نتطرّق إلى رأي بعض الدارسين حول هذه الجملة. في كتابه فلسطين أرض الرسالات السماوية يقول روجيه غارودي إنّ مارسيون 144 ميلادية اتّهم المسيحيين بتزوير نصّ الإنجيل الأصلي لمتّى ما جئتُ لأنقض بل لأكمل . وأنّ النص الأصلي الذي أورده متّى هو لم آتِ لأكمل العهد بل لأنقضه وهو اعتمد على ما جاء في إنجيل لوقا ورسائل القديس بولس ويصل إلى نتيجة مفادها أنّ الإنجيل حلّ مكان شريعة موسى. طبعاً شريعة موسى استمرّت مع اليهود الذين تمسكوا بها ورفضوا التعاليم الجديدة التي ما فتئت أن غزت العالم القديم فآمن بها معظم الناس في الوقت الذي بقي فيه أتباع شريعة موسى محدودين. ويقول الأب الدكتور يوسف يمّين في كتابه الذي أشرنا إليه سابقاً: «يسوع المسيح كمّل عمل مَن سبقه، بمعنى أنه واصل هذا العمل وبلغ به إلى الكمال، كما أعلن هو نفسه قائلاً: «ما أتيتُ لأنقض بل لأكمل»، وقد أكمَل فعلاً عمل البشرية جمعاء بشكل عام، وعمل الديانات الشرقية بنوعٍ خاص، وعمل الديانة الكنعانية بنوعٍ أخصّ. ونحن نركّز هنا على عمل الديانة الكنعانية الخاص التي مهّدت هي، وليس اليهودية أبداً، للديانة المسيحية الكونية، وذلك بشكلٍ واضح ومباشر».

هذا الكلام الواضح صحيح وحقيقي، لأنّ يسوع وُلِد وعاش في فلسطين أو جنوب لبنان، وكِلا البلدين في ذلك الوقت كانا من ضمن أرض كنعان، ومن الطبيعي جداً أن يكون قد نشأ على ديانة الكاهن الكنعاني ملكي صادق الذي كان قد اهتدى إلى التوحيد الحقيقي الكوني، قبل موسى وتوحيده الحصري بما يزيد عن ألفيّة ونصف. ودليلنا على ذلك ما جاء في الرسالة إلى العبرانيين حول الكهنة 21:7 «لأنّ أولئكَ بدون قسم قد صاروا كهنة وأمّا هذا فبقسم من القائل له أقسم الربّ ولن يندم، أنتَ كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق». وقبل أسطر يقول الكاتب 11:7 من الرسالة ذاتها: «فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد أن يقوم كاهن آخر يسوع على رتبة ملكي صادق ولا يُقال على رتبة هارون». ألا نفهم من هذا الكلام أنّ كهنوت اللاويين ناقص، والكهنوت الكامل هو كهنوت ملكي صادق كاهن الإله إيل؟ ألا يعني هذا أنّ هارون الذي اختاره يهوه نبيّاً لأخيه موسى هو أقلّ شأناً من ملكي صادق كاهن إيل؟ بل ألا يعني هذا أنّ يسوع جاء ليُكمل ديانة ملكي صادق الكنعانية لا شريعة اليهود الموسوية؟

وإذا ما أكملنا الرحلة مع يسوع لوجدنا بأنه ومع بدء تبشيره بتعاليمه الجديدة قد بدأ عملية النقض للشريعة الموسوية. نقرأ من إنجيل متّى: «الحق أقول لكم إنه لا يترك ههنا حجر على حجر لا يُنقض». 2:24. فهل عنى يسوع بكلامه حجر الهيكل أي هدم البناء الحجري، أم كان يعني هدم أحجار الناموس والشريعة اليهوهية المناقضة لتعاليمه الإنسانية ذات القيم الاجتماعية المثلى؟ هل كان يعني هدم هيكل مغارة اللصوص الذي جعلوه مركز تجارة وصيرفة، أم كان يعني هدم هيكل الجسد وبناء هيكل الروح ليصبح بالفعل بيتاً للصلاة الحقيقية؟

أمّا موعظة الجبل فكلّها نقضٌ لشريعة موسى، وهو في كلّ ما قال كان يشير إلى القائل بصيغة المجهول، فلم يخاطب الناس مرة واحدة قائلاً: قال لكم يهوه أو موسى كذا وكذا أمّا أنا فأقول كذا وكذا. وعلى سبيل المثال نقرأ: «قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل ومَن قتل يكون مستوجب الحكم… قد سمتعم أنه قيل للقدماء لا تزنِ. وقيل مَن طلّق امرأته فليعطِها كتاب طلاق… أيضاً سمعتم أنه قيل عين بعين وسنّ بسنّ… سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوّك… وقبل أن أنقل ردود يسوع أودّ أن أشير بأنّ موسى عندما أطلق الوصايا العشر لم يطلقها لعامة الناس، بل فقط لليهود شعب الله الخاص الذين استفردوا بيهوه إلهاً خاصاً بهم». نقرأ من سفر التثنية ما يلي: «ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم: إسمع يا إسرائيل الفرائض والأحكام التي أتكلّم بها في مسامعكم اليوم… الربّ إلهنا لم يقل إله الكون قطع معنا عهداً… لا يكن لكَ آلهة أخرى أمامي وهذا يعني أنه لم يدعُ جميع الناس للإيمان بشريعته، بل ترك لهم آلهتهم وبالتالي هذا يناقض مفهوم التوحيد ، احفظ يوم السبت لتقدّسه… لأجل ذلك أوصاك الربّ إلهك أن تحفظ يوم السبت… لا تقتل ولا تزنِ ولا تسرق. ولا تشهد على قريبك شهادة زور أمّا على غير قريبك فلا ضير عليك ولا تشتهِ امرأة قريبك وماذا عن نساء غير الأقرباء تثنية 5. فبماذا أجاب يسوع على كلّ هذه الأقوال التي تعتبر أساس الشريعة الموسوية؟ قال: «أما أنا فأقول لكم إنّ كلّ مَن يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم… إنّ كلّ مَن ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه… إنّ مَن طلّق امرأته إلا لعلّة الزنى يجعلها تزني. ومَن يتزوّج مطلّقة فإنه يزني… أما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتّة. بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا… لا تقاوموا الشرّ، بل مَن لطمكَ على خدّكَ الأيمن فحوِّل له الآخر أيضاً… أحبّوا أعداءكم باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم» متّى 5. أليست كلّ كلمة قالها يسوع مسماراً دُقَّ في نعش الشريعة الموسوية؟ وإذا لم يكن ذلك نقضاً فماذا يمكن أن يُسمّى؟ إنّ كلامه جاء أقوى من النقض بل هو هدم لأسس الشريعة الموسوية وقيامة لرسالة اجتماعية إنسانية حضارية قصّر اليهود عن مفاهيمها، لذلك أخفقوا بالتسامي إلى مستواها وبُعدها الكوني وظلّوا منغلقين على تراثهم المتحجّر وما زالوا.

والنقض الأهم جاء لركيزتين أساسيّتين تقوم عليهما الشريعة الموسوية هما: الختان والتوقف عن العمل يوم السبت. أما بالنسبة للختان، وكما ذكرنا في دراسةٍ سابقة فإنّه كان عهداً بين يهوه وإبراهيم، وهذا العهد ملزم ليس فقط لإبراهيم بل لكلّ ذرّيته على مدار الزمن الآتي، وهذا العهد جاء مقروناً بقرارٍ قاطع وهو قتل كلّ ذكر لا يُختن وهو بعمر ثمانية أيام: «وقال الله لإبراهيم وأمّا أنت فتحفظ عهدي. أنت ونسلك من بعدك في أجيالكم… يُختن منكم كلّ ذكر. فتُختنون في لحم غرلتكم. فيكون علامة عهد بيني وبينكم. إبن ثمانية أيام يُختن منكم كلّ ذكر في أجيالكم… فيكون عهدي في لحمكم عهداً أبدياً.. وأما الذكر الأغلف الذي لا يُختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدي» تكوين 17: 9-14. في الأناجيل الأربعة وفي الرسائل ليس هناك من حديثٍ مباشر ليسوع عن الختان، بل هناك شروح من الرُسُل. ففي رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية يقول: «ها أنا بولس أقول لكم إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئاً ولا الغرلة بل الإيمان العامل بالمحبة» 5: 6. ويُنهي رأيه بالختان قائلاً: «لأنه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة بل الخليقة الجديدة»، والخليقة الجديدة تعني التخلي عن الناموس القديم أي الشريعة الموسوية والانتقال إلى الرسالة الجديدة التي وحدها قادرة أن تخلق إنساناً جديداً انطلاقاً من المفاهيم الإنسانية الجديدة. وفي رسالة بولس الرسول إلى أهل روميه يتساءل قائلأً: «إذاً، إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس أفما تحسب غرلته ختاناً» 2: 26، حيث يصل بعد ذلك إلى النتيجة المنطقية فيقول: «ختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان» 2: 29. أليس هذا نقضاً لعهد يهوه مع إبراهيم؟ إنّ كلّ الطقوس الموسوية لا تنمّ عن روحانية بل تتمحور حول الجسد الدنيوي، أمّا يسوع فكلّ كلامه كان عن الروح ومملكتها. ومن هذا المنطلق نفهم قول بولس: «فإنّ الذي هم حسب الجسد فبما للجسد يهتمّون، ولكنّ الذي حسب الروح فبما للروح. لأنّ اهتمام الجسد هو موت، ولكنّ اهتمام الروح هو حياة وسلام. لأنّ اهتمام الجسد هو عداوة الله» من رسالته إلى أهل روميه 8: 5 – 6 . أما في إنجيل توما الذي لم تعتمده الكنيسة كأحد الأناجيل الأساسية المُعترف بها رسمياً فهناك كلام مباشر من يسوع بشأن الختان: «قال له التلاميذ: هل الختان مفيد؟ فقال لهم: لو كان مفيداً لأنجبهم أبوهم من أمهم مختونين. ولكن إذا كان ختاناً حقيقياً بالروح، عندها يكون مفيداً»، أورده فراس السوّاح في كتابه «الوجه الآخر للمسيح».

أما فيما خصّ يوم السبت فنقرأ من سفر الخروج ما يلي: «وكلّم الربّ موسى قائلاً: وأنت تكلّم بني إسرائيل قائلاً سبوتي تحفظونها. فتحفظون السبت لأنه مقدّس لكم. مَن دنّسه يُقتل قتلاً لا مزاج مع يهوه إنّ كلّ مَن صنع فيه عملاً تقطع تلك النفس من بين شعبها. فيحفظ بنو إسرائيل السبت ليضعوا السبت في أجيالهم عهداً أبدياً» خروج 31: 14 – 16. «وأما اليوم السابع ففيه يكون لكم سبت عطلة مقدّس للربّ. كلّ مَن يعمل فيه عملاً يُقتل» خروج 35: 2. إنها ثقافة القتل، مَن لا يُختن، حتى ولو كان ابن عشرة أيام، يُقتل، ومَن يعمل السبت يُقتل حتى ولو كان فقيراً يعمل لكي يُعيل عائلته. فكيف واجه يسوع هذا القرار الإرهابي؟ عندما عيّر الفرّيسيّون يسوع بأنّ تلاميذه يقطفون السنابل لكي يأكلوا عندما شعروا بالجوع، وكان ذلك يوم سبت، بادرهم قائلاً: إنّ ابن الانسان هو ربّ السبت أيضاً» متّى 12: 8. هو قرار روحاني بمواجهة قرار جسدي. أما في إنجيل مرقس فنقرأ: «ثم قال لهم السبت إنما جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت». وعندما سأله الفرّيسيّون: هل يحلّ الإبراء في السبوت؟ بعد أن رأوه يشفي إنساناً يبست يده وكان ذلك يوم سبت، قال: «يحلّ فعل الخير في السبوت» متّى 12: 12. أما إذا قال قائل ماذا يثبت أنّ يسوع قد قال هذه العبارات انطلاقاً من قولك إنّ بعض التحريف والزيادات قد لحق بالأناجيل، أجيب بأنه لا قيمة للأقوال إن لم تتحوّل إلى ممارسة، ويسوع قد مارس فعل المحبة والتسامح والغفران بأبهى المظاهر، ألم يقل لصالبيه: اغفر لهم يا أبتِ لأنهم لا يدرون ماذا يعملون. هل سمعنا مثل هذا الكلام من موسى؟ بالطبع لا، لأنّ ما لقّنه إيّاه يهوه كان فعل القتل والتدمير والسرقة، أما يسوع فقد صرخ قائلاً: «إني أريد رحمة لا ذبيحة» متّى 9: 13.

وقبل أن أختم هذه الدراسة المكثّفة التي تلقي الضوء على الاختلاف الجذري بين الشريعة اليهودية وبين التعاليم المسيحية لا بدّ من إثبات الفرق الكبير بين نظرة أحد أنبياء اليهود إلى أنبياء الشعوب الأخرى والأطفال ونظرة يسوع. قال النبي إيليّا لبني إسرائيل: «أمسكوا أنبياء البعل ولا يُفلت منهم رجل. فأمسكوهم فنزل بهم إيليا إلى نهر قيشون وذبحهم هناك» الملوك الأول 18 – 40. «ثم صعد من هناك إلى بيت إيل. وفيما هو صاعد في الطريق إذا بصبيان صغار خرجوا من المدينة وسخروا منه وقالوا له إصعد يا أقرع. إصعد يا أقرع. فالتفت إلى ورائه ونظر إليهم ولعنهم باسم الربّ. فخرجت دُبّتان من الوعر وافترستا منهم اثنين وأربعين ولداً» الملوك الثاني 2: 23 – 24. طبعاً ما من عاقل يصدّق هذه الواقعة، ولكن لا يمكننا إلا أن نشير بأنها تدلّ على نفسية هذا الشعب الإجرامية التي زرعها فيه إلهه وأنبياؤه. ونظرة بسيطة إلى ما قاله وفعله يسوع توضح الفارق الكبير بين النفسيّتين: اليهودية الغارقة في تحجّرها والمُستندة إلى مبادئ القتل، والسورية الإنسانية المتسامية المستندة إلىى المحبة والتسامح. يقول متّى: «فدعا يسوع إليه ولداً وأقامه في وسطهم وقال الحق: أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات» متّى 18: 2 – 10. «حينئذٍ قُدّم إليه أولاد لكي يضع يديه عليهم ويصلّي. فانتهرهم التلاميذ لأنهم كانوا ما زالوا متأثرين بالتعاليم الموسوية . أما يسوع فقال دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأنّ لمثل هؤلاء ملكوت السموات، فوضع يديه عليهم ومضى من هناك» متّى 19: 13- 4 – 15.

هذه أمثلة بسيطة تثبت قطعاً أنّ رسالة يسوع لا تمتّ بأيّة علاقة لليهودية. ولو افترضنا جدلاً بأنه كان يهودياً، فإنه تمرّد على الناموس والشريعة واختطّ طريقاً جديداً كليّ الاختلاف فنسمعه يقول: «لا تظنّوا أني جئتُ لألقي سلاماً على الأرض. ما جئتُ لألقي سلاماً بل سيفاً. فإني جئتُ لأفرّق الإنسان ضدّ أبيه والإبنة ضدّ أمها والكنّة ضدّ حماتها» متّى 10: 34 -35، فهل كان قصد يسوع كقصد يهوه؟ بالطبع لا، لأنه بكلامه هذا إنما أراد أن يقول للناس عليكم أن تتخلّوا عن تمسككم بالشريعة القديمة وتتّبعوا رسالتي الجديدة ففيها خلاصكم، حتى ولو أدّى ذلك إلى خلاف بالرأي في العائلة الواحدة. وهذا يعني أنه قرر نقض الشريعة، شريعة يهوه، متوسّلاً من وراء ذلك خلاص البشرية عبر مفاهيمه الإنسانية الكونية المرتكزة، لا على أسس أرضية، بل على الروح التي تهب الحياة.

فإلى كلّ المؤمنين خاصة المسيحيين منهم أقول، آن الأوان لكي نقرأ بعقولنا لا بإيماننا النمطي المتوارث، فكثيرة هي الأمور التي تؤمنون بها والتي تتناقض مع الإيمان الحقيقي. حبّذا لو نصل إلى الساعة التي تنجلي فيها الحقيقة أمام أعينكم، عندها لا بدّ لكم إلا أن ترددوا مع سعاده قائلين: «ما من عدوٍّ لنا يقاتلنا في ديننا وحقنا وأرضنا إلا اليهود»، عندها، وعندها فقط يمكننا أن نأمل بالخروج من هذا النفق المظلم الذي أدخلتنا فيه المؤامرة اليهودية.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017