إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

للأول من آذار .. تحية ووفاء

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2024-02-28

إقرأ ايضاً


حكاية الامين الجزيل الاحترام عبدالله قبرصي مع الاول من آذار نشرتها مجلة: "البناء – صباح الخير" في عددها 962 تاريخ 06/03/1999، نعيد تعميمها لفائدة ما تضمنته من مآثر يصحّ ان نتعرف عليها وان نقتدي بها ونحياها..

يقول الامين قبرصي: كان الاحتفال بالاول من آذار مصادفة جميلة بالنسبة لي، فقد كنت ابتاع زجاجة مشروب من احد المحلات الكائنة في باب ادريس، حيث التقيت بالمرحومين نعمة تابت ومأمون أياس، يشتريان باقة زهور... سألت نعمة عن السبب، فأجابني: اليوم ليلة اول من آذار وهو عيد مولد الزعيم، رافقتهما الى بيته، ووصلنا الى الكـوخ المؤلف من ثلاثة غـرفة متداخلة (استقبال، مكتب، غـرفة نوم).

ليلتها، بعد مصافحة الزعيم وتقديم الزهور وزجاجة المشروب هدية له ألقيت كلمة ما زلت اذكر منها هذه الكلمات:

"جئنا نعيّد عيد ميلادك هذا المساء، حاملين هذه الباقة من الزهور، واني لأتصور ان هذا العيد المتواضع سيصبح في مقبلات الايام عيداً قومياً، لا يعيد في غرفة ضيقة كهذه الغرفة، بل تعيده البلاد بطولها وعرضها، سوريا الطبيعية، هلالنا السوري الخصيب".

ويتابع الامين قبرصي: "يومها ألقى المعلم كلمة قصيرة، ثم قال: "ان الذين يلبون الدعوة ويدخلون في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي يقسمون يمين الانتماء، وأنا سأقسم يمين الزعامة.

يذكر جورج عبدالمسيح انه كان موجوداً، في ذلك الاحتفال، وأنا لا أذكر تماماً، اذا كان شاركنا تلك الليلة ام لا.

هذه الكلمات التي قلتها في تلك الغرفة المتواضعة، كررتها في بيت اسكندر شاوي سنة 1949 وفي المناسبة عينها وكان بيننا نقيب المحامين يومها جان تيان، وكان الزعيم يحبه ويحترمه، وأذكر اني قلت ايضاً: "اتصور يا زعيمي ان هذا العيد الذي نعيّده هذا المساء، بحضور هذا النخب من الرفقاء والمواطنين قد اضحى عيداً قومياً، واتصورك يا زعيمي على صهوة جوادك تستعرض الجيش القومي الاجتماعي الذي سيزحف، لتحقيق هذه النهضة بالسلاح، اذا لم تتحقق بالقناعات...

وقد ذكر الزعيم في خطابه، الذي اعتبرته فيما بعد وداعياً، لأن الزعيم استشهد ذلك العام، ذكر حكاية اول احتفال اقمناه في رأس بيروت سنة 1935.

في هذه الايام الاخيرة انا منعكف على تأليف كتاب اسميته "رجال واحداث"، كتبت منه حتى الان حوالي ستين صفحة، اربعون منها عن انطون سعاده استذكرت منها ما قلته عندما كنت لاجئاً سياسياً في فنزويلا: ان امثال سعاده يأتون كل ألف سنة مرة، واذا بي اسمع من رفيقنا الراحل المحامي نظمي عزقول(1)، انه ذهب في يوم من ايام سنة 1949، بعد استشهاد المعلم، لزيارة استاذه الرئيس فارس الخوري في دمشق، وصعق عندما قابله الاخير بالبكاء. وسأله عزقول عن السبب فأجاب خوري: انني ابكي انطون سعاده، لأن امثاله يأتون كل الف سنة مرة. وأنا بدوري أعود للتأكيد، وبعد مرور خمسين عاماً على استشهاد الزعيم، ان المواهب والقدرات والابداعات ، وما ألّف وكتب ، وما قال وخطب ، تثبت صحة ما قلته في فنزويلا وما أكده فارس الخوري .

اكاد اقول ان امثال انطون سعاده يأتون من الاساطير ، لأني اكتشف بعد مطالعاتي وهي كثيرة ، ان التاريخ الطويل الذي اطلعت على كثير من فصوله ، لم يأت برجل مثل هذا الرجل ، كان مستخفاً بالموت وساخراً منه ، حتى يسوع المسيح الذي نؤلهه ، نحن المسيحيين ، لم يقف امام الموت مستخفاً ، كما استخف به انطون سعاده عندما قال لجلاديه : " دعوا عيني مفتوحتين " .

وهذا موقف سمعته منه بأذني – عندما كان لي أذنان – في بشامون في حضور رئيسنا السابق المرحوم عبدالله سعاده ، والامير مجيد ارسلان . قال الزعيم يومها في خطاب له : " ان حياتي تساوي عندي " تكة " وحك احد اظافره بالثاني اشارة لتلك " التكة " – لأن الحياة بنظري كلها وقفة عزّ " وكان ذلك على شرفة منزل رفيقنا عادل مسعود الذي لا اعرف عنه اليوم شيئاً .

ليست قصة الاستخفاف بالموت امام الغايات السامية مسألة هينة ، او بسيطة ، فالمرء يكاد من صبحه الى مسائه يفكر في الموت ، ويخشاه ، وانطون سعاده كان في صبحه الى مسائه يفكر في الحياة ، ولم يخشَ الموت لحظة او يفكر به . هذه العبقرية في الفكر والنظام تضاف الى البطولة التي لم اجد لها مثيلاً كلها تجعلني اؤكد ان امثال انطون سعاده يأتون كل ألف سنة مرة .

وفي كتابي الذي أكتبه هذه الايام وآمل ان اتمكن من انهائه ، أذكر اننا متهمون بتأليه انطون سعاده ، نحن لا نؤله الرجل ، ولم نقل في اي يوم انه كان نبياً ، ولكنه بحق مثال انساني نادر ، لقد سمعته في شهر أيار سنة 1935 يلقي خطاباً في منزل احد الاطباء من آل حماده في بعقلين ، وكان الحزب ما يزال سرياً . في اليوم التالي قلت لنعمة ومأمون : " تكلم الزعيم مساء أمس ، كما يتكلم الانبياء " وأخبرتهم ان الزعيم اعطاني نسخة من دستور الحزب للاطلاع عليها ومراجعتها ، وقد كلّفني بتنسيق الدستور واقتراح ما يلزم من اضافة إليه اذا كان لا بد من اضافة ، وقد اضفت مـادة تقول : " لا يتخذ الزعيم اي قرار هام إلا في مجلس العمد ، وبعد ان سمعته اليوم ، اعترف اني اخطأت ، وسأرفع له رسالة ، أقترح فيها شطب هذه العبارة ، واستبدالها بعبارة " الزعيم مصدر السلطات التنفيذية والتشريعية ، وقائد قوات الحزب الأعلى " . فبعد الخطاب الفذ تأكد لي انه يجب عدم تقييد الزعيم بنصوص تكبّل عبقريته وتحدّ من قراراته .

ونعود الى الاول من آذار ، لأول أول آذار ، احتفلنا به ، يومها لم نكن مدفوعين إلا بعامل التقليد ، كان تقليداً غريباً عن عاداتنا ، ان يعيّد الناس من يحبونهم ويحترمونهم بعيد ميلادهم ، هذا الامر لم يكن مألوفاً عندنا ، هذه عادة آتية من الغرب ، ونعمة تابت الذي حمل ثقافة غربية ، من الجامعة الاميركية وتعلّم من جدته ووالديه الذين حملوا ثقافة انكليزية ، هو الذي نبّهنا الى هذا العيد ، واستمر الاحتفال بالعيد من هذه الزاوية ، ولكنه مع الايام تحوّل الى عيد قومي ، عيّدناه يوم كان الزعيم في مغتربه القسري ، وعيّدناه في السجون ، في سجن الرمل ، وسجن القلعة ، بالرغم من الضغوط والتهديد بالعقوبات ، فالاول من آذار بات يعني لنا عيد ميلاد النهضة ، عيد ميلاد مؤسس الوعي القومي .

ومن ذكرياتي مع الاول من آذار لا بد ان اشير الى احتفال سنة 1964 ، يومها توجّهت الى المكسيك من جزيرة كوراساو ، ونزلت ضيفاً على رفيقنا الراحل جليل رحباني ، ودعانا احد اصدقائه لتمضية بعض الوقت في الارياف ، ولبّيـنا الدعوة ، وكان يومها 27 شباط . وفي غيابنا حضّرت منفذية المكسيك للاحتفال بأول آذار في النادي اللبناني ، وطبعت بطاقات دعوة ، ذكرت فيها اني سألقي كلمة ، ومن جملة من دعت سفير لبنان في المكسيك ، آنذاك المرحوم نجيب الدحداح ، وعند تلقيه الدعوة استاء السفير ايّما استياء ، واعتبر الامر تحدياً له ، لأن عبدالله قبرصي محكوم بالاعدام في لبنان بعد المحاولة الانقلابية . فما كان من السفير إلا ان حوّل الدعوة الى وزارة الخارجية المكسيكية طالباً إليها تسليمه القبرصي ليعيده الى بلاده .

استدعاني الامن العام ، واستجوبني ، فاخبرت رئيسه حقيقة الحزب ، وقلت له : لقد قرأت دستور بلادكم جيداً قبل ان أفد الى بلادكم ، وفيه مادة صريحة تنصّ على انه لا يجوز تسليم المحكومين السياسيين ، وأعرف ان بلادكم انتزعت حريتها بقوة السلاح ، وبالثورات ، فجـئت الى ارض الحرية ، أرض كرامة الانسان ، فأطلق الرجل سراحي ، وأقمنا في بيت الرفيق جليل الرحباني احتفالاً كبيراً احتشد فيه القوميون الاجتماعيون مع المواطنين .

لقد ارتاح انطون سعاده الى بادرة القوميين الاجتماعيين ، وارتاح اكثر عندما ذكرت له ان هذا العيد ستعيّده الامة السورية ، وهنا يجب ان اسجل هذا الكلام للقوميين الاجتماعيين والمواطنين وهو اني لم اجد في حياتي انساناً متواضعاً ، لطيفاً ، محباً ، دمثاً ، خفيف الظل مثل انطون سعاده ، فهو لا يعرف الاستكبار ولا الاستعلاء ، ولكنه عندما كان يتصرف بشيء من الجدية والوقار ، فلأن الزعامة ، لا يمكن ان تكون خفيفة كالفراشات ، انها ثقل ، ووقار وهيبة وجدّ .

اليوم على باب الالف الثالث الميلادي لا بد ان نقف وقفة صادقة مع أنفسنا ، لنقول حقيقة الامر ، لقد افشلت كل الحركات السياسية التقليدية ، لكن امتياز عقيدة سعاده وحزبه انه ظل ممسكاً بمناصة الفكر الحيّ ومنسقاً مع العلوم وقضايا الامة التي يتسارع آخرون باتجاه ادارتها ، فالاحداث تعلم الاجيال . وهذه الامة بنظري ونظر المؤمنين بهذه القضية ، ستبقى وستستمر الى ان تصبح حقيقة حيّة ساطعة على الامة السورية كلها ، فالزمن مهما طال ، لن يستطيع ان يلغي النهضة ولا قضيتها ، لأنها قضية علم وواقع ، وليس رواية من نسج خيال او عاطفة ، انها حقيقة بديهية تؤكدها الجغرافيا والتاريخ والانتربولوجيا والعلوم الحديثة ، انها دعوة الامة الى طبيعتها ، ونحن نؤمن ان هذا الهلال السوري الخصيب وحدة جغرافية اقتصادية ، اجتماعية ، ثقافية ، لا يفصل بين كياناتها إلا حواجز مصطنعة ، وهذه مسألة يعرفها الجميع ، وقد أثبت التاريخ واثبتت الوقائع بطلان العقائد التي ناقضتنا بالامر ، ولذلك فقضية الامة السورية هي قضية القرن الجديد ، وهناك مواطنون اصدقاء يؤمنون بالقومية العربية ، وقد قرأت مؤخراً ان الدكتور جورج حبش مؤسس حركة القوميين العرب يقول اخيراً بأربع وحدات عربية (الهلال الخصيب ، المغرب العربي ، وادي النيل والخليج العربي) . وهذه الوحدات تعني اربع امم ، ونحن نقول بأربع أمم ونجمعها في جبهة عربية واحدة . وعندما تتحقق هذه الامم سنسعى على غرار اوروبا الى خلق جبهة عربية واحدة ويمكن ان تتطور وتصبح مع الزمن اتحاداً واحداً .

واذا كان سعاده قد قال في كتابه العلمي " نشوء الامم " : قد يصبح العالم كله أمة واحدة ، فإني أذكر اني كنت اتمشى معه في ضهور الشوير ، عندما قال لي : " اتصوّر يا أمين عبدالله ، ان المريخ مسكون من قبل قوم ، وخطر ببال اولئك القوم ان يحتلوا كوكب الارض ، ومن اجل ان تدافع الارض عن مصيرها ، تتحد بكل شعوبها لمجابهة الخطر الخارجي ، وتصبح الارض وحدة حقيقية واقعة ، لأنها تجابه مصيراً واحداً ... " . وهذا يفسر ان فكرنا فكر علمي واعتقد ان المستقبل للعلم ، ولأننا علميون ، والمستقبل لنا ، ولو بعد مئات السنين ، لا يمكن إلا ان تتحقق هذه الفكرة القائمة على العلم والعقل" .

جليل الرحباني: عرفته عند توليّ لمسؤولية مكتب شؤون عبر الحدود مع عدد من الرفقاء أمثال أنطون شاهين، توفيق الأشقر، وكنت اتيت على ذكرهم في اكثر من مناسبة وهم كانوا من أوائل رفقائنا في المكسيك .






 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2024