 كلما شاهدنا مسلسلاً تلفزيونياً يحمل اسمه، كلما قرأنا له أو عنه، تذكرنا والده الأمين القدوة فكراً والتزاماً ومناقب، أنيس فاخوري. أما من أشرنا إليه فهو ابنه الأديب والكاتب المسرحي المعروف شكري فاخوري.
يحكى الكثير عن الأمين أنيس فاخوري مذ تعرّف إلى الحزب في أوائل الثلاثينات، فالتزامه وتوليه للمسؤوليات المحلية والمركزية وصولاً إلى عضوية المجلس الأعلى، مرافقته لسعاده في الكثير من جولاته قبل مغادرته الوطن عام 1938 ثم بعد عودته عام 1947، إلى دراساته ومقالاته في المدرحية وغيرها، إلى كتابه المرجع "نسف الأضاليل مرحلة أساسية في إزالة إسرائيل"، إلى إتقانه فن الطباعة والزنكوغراف والرسم، إلى اعتقاله في سجني الرّمل والقلعة فمعتقل المية ومية وانتقاله مع رفقاء، منهم الأمين جبران جريج والرفيق زكريا لبابيدي إلى سجن قلعة راشيا الوادي حيث قاموا بدور هام إزاء المعتقلين السياسيين ممن اعتبروا "رجال الإستقلال" عام 1943.
كتب عنه الأمين جبران جريج في مؤلّفه "من الجعبة".
منحه سعاده رتبة الأمانة وكان عضواً في أول مجلس أعلى للحزب عام 1937، تعرّض للسجن مراراً أيام الإنتداب الفرنسي وتولّى مسؤوليات أساسية في فترة الملاحقات بعد مغادرة سعادة الوطن عام 1938 أظهر فيها جرأته وعزيمته وتحمّله للأعباء والمسؤوليات بجدارة وصلابة المؤمن. في هذه المرحلة الغنية من تاريخنا الحزبي التي انتهت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية يحتلّ الأمين أنيس صفحة مشرقة مضيئة. يقول عنه الأمين عبد الله قبرصي في مقابلة له: " يجب أن نفي هذا الأمين المناضل الجبار حقّه، ونؤلّف عنه الكتب وتوضع عنه الدراسات لأنّه لم يكن قومياً اجتماعياً عاديّاً، إنّه من نخبة ساهموا في تأسيس الحزب، وهو يصلح قدوة لكلّ القوميين الإجتماعيين ولكلّ المواطنين. فقد كان رجل ثقافة ورجل علم ورجل أخلاق".
قضى الأمين أنيس فاخوري في الكويت عام 1979 إثر حادث سيارة ليبقى في تاريخ حزبه صفحة مضيئة وفي ذاكرة رفقائه حيّاً. ينبض بمآثره وبما جسّده طيلة التزامه الحزبي من فضائل النهضة.
- وفي الجزء الثاني من مؤلفه "عبد الله قبرصي يتذكّر" يقول الأمين قبرصي:
" كأن ما كفانا شهداء، يسقطون برصاص الغدر والظلم والعدوان، على سائر الجبهات، حتى يتآمر علينا القدر مع أعداء الأمة والإنسان، فإذا السيارات عدونا الآخر قتلت في ما مضى رئيس المجلس الأعلى القائد المناضل الأمين فؤاد أبو عجرم، وتقتل تباعاً مدى أشهر أمينين آخرين، من قياديينا البررة، هما الأمين كامل أبو كامل والأمين أنيس فاخوري، الذي قضى إثر حادث سيارة في آخر الأسبوع قبل المنصرم!...
" لم أكن في الوطن يوم مات الأمين كامل أبو كامل فما تسنى لي أن أذرف دمعة على قبره ولا أن أكتب كلمة في تأبينه، إلا أنّ صورة وجهه البديع الصافي، وتاريخ نضاله الطويل، لا تبرح خيالي، بل إني أشعر كلما استحضرت هذه الصورة أن نوعاً من البركة يحلّ عليّ، فالرّجل كان تجسيداً للإخاء والمحبة للقضية ولرفقائه. كما كان في مطلع حياته أحد قادة حزبنا، متى طلبناه وجدناه، في الأيام الصعبة أو الأيام السهلة. أما الأمين أنيس فاخوري، فهو صورة أخرى لرحابة الصدر والوفاء، وإلى ذلك فهو من كبار كتابنا ومفكرينا، فعندما كان لسبب من الأسباب لا يعمل في الإدارة، كان يوجّه مداركه وذهنه وثقافته لإغناء تراثنا الفكري بالمؤلفات الثمينة.
لقد كان أول المستوعبين بيننا للمدرحية كنظرة فلسفية للحياة – وكتب فيها بإشراف الزعيم نفسه صفحات مشرقات(1).
" كما كان من ذوي الخيال الواسع والبصيرة النافذة، فقد تكشّف له بالتأمل والتصوّر والإختراق، وجه سوريانا بعد خمسة وعشرين عاماً من تسلمنا الأحكام فيها. الحالمون أحياناً يصنعون التاريخ... حلموا أحلاماً كبيرة فحولوها إلى حقائق كبيرة. لقد كان أنيس فاخوري في مخطوطته التي لم تُنشر بعد عن سوريا بعد خمسة وعشرين عاماً – يحلم كيف أن هذا الوطن الجميل سيصبح لو تحققت النهضة القومية الإجتماعية قدوة للأوطان ومثالاً... بل فردوس الله على الأرض، رقياً وازدهاراً ونظاماً ونظافة وأخلاقاً.
" أما كتابه "نسف الاضاليل" عن التوراة واليهود، فهو على نمط كتاب الأديب جورج كنعان والأديب اليازجي ورفيقنا فيصل النفوري دحض صارخ معزز بالآيات والتحليل العلمي لكلّ افتراءات اليهود وكلّ ادّعاءاتهم ومزاعمهم في أرض الميعاد، وإثبات مدوٍّ بأنّ توراتهم قد نُسخت وعُطّلت بالإنجيل المقدّس الذي نسميه العهد الجديد، وأنّ المسيحية هي ضدّ إعادة أي حكم زمني لليهود على أرض فلسطين.
لقد تعب النضال من أنيس فاخوري وما تعب. ففي كلّ الميادين، وفي كلّ الحقول، وفي كلّ مكان من الوطن أَمّه أو أقام فيه، كان العامل الصّامت، كان القلب الكبير المتدفّق خيراً، والعقل الهادئ المرن المبدع، كما كان اليد السخيّة والنّفس الأبية.
" القامة الفارعة والجسم الممتلئ – قامة جبار وجسم جبار، كانت تحمل – مع صلابتها وإيمانها وعطائها نفس طفل. لقد كان أنيس فاخوري في طهارته البالغة حد الملائكية، طفلاً جباراً. أجل؛ هذا الذي استحق أن يكون نائباً للزعيم فترة من الزمن بين سنة 1936-1937 كان طفلاً جباراً وبالوقت نفسه مناضلاً وعالماً وأديباً. ما رأيته يضحك إلا نادراً. ظروفنا العصيبة، الملاحقات المستمرة، الإستشهاد المستمر، ما كانت تفسح لنا في المجال أن نضحك كثيراً وإن كان من حقنا أن نضحك لنجد القوة على حمل صليبنا المضني ونسير في درب الجلجلة التي لا نزال عليها نسير. لقد رأيته غالباً يبكي.
" بكى أنيس فاخوري وهو يشهق عندما حدثت المعجزة وتمت وحدة الحزب بعد انقسامه المحزن. بكى دون أن يستطيع إيقاف دموعه المتدفقة عفواً لأنه كان عطشاناً إلى الوحدة، فكان حدوثها يوم عرس في نفسه، يوم لقاء مع أمانيه وأشواقه!
" بكى أنيس فاخوري في اجتماع الأمناء المركزيين وهو يستجيرهم، يتوسّل إليهم أن ينهوا حالة الإنشقاق ويستعيدوا تلاحم الصفوف المثالي، الذي كان طابعنا وكنا فيه القدوة الحية للأحزاب والأمم! ..
" وبكى أنيس فاخوري على كلّ رفيق وشهيد، عرفه أم لم يعرفه. كما بكى على الذين كان يعرفهم بكاءً مرّاً. بعيني شاهدته يشهق في مقبرة الشهداء في حرش بيروت على قبر مناضلنا التاريخي زكريا اللبابيدي الذي كان علينا – لو أنّ دستورنا يسمح – بأن نمنحه رتبة الأمانة بعد الوفاة!
أجلّ تعبيراً عن فرحه كان أنيس فاخوري يبكي، وتعبيراً عن ألمه وحزنه وفجيعته كان يبكي... الرجل كان بحراً من الدّموع لا ينضب!
" ونحن الذين رافقناه منذ الفجر، منذ طلعت تباشيره في النهضة، شاباً وكهلاً. ماذا نستطيع أن نعمل ونحن نتذكره ... هل نبكي؟
لو كانت لنا عيناه، لو كانت لنا عفويته، لو كانت لنا براءته، لكان من حقه علينا أن نبكيه مدراراً...
إلا أننا في هذه الأيام القاسية، هذه الأيام التي تحوّل فيها قلب الإنسان إلى حجر، التي تفرض علينا أن نظل بلباس الميدان، مدرعين اليقظة والصبر والشجاعة والوضوح، لا يمكننا أن نضعف ولا أن نلين حتى أمام فقد أعزّ رفقائنا وأمنائنا البررة.
" إننا نقف صامتين خاشعين يدنا على الزناد لمقاتلة أعداء الأمة والإنسان، اليهود وعملائهم، أولئك الذين كرّس أنيس فاخوري جزءاً كبيراً من حياته ليقاتلهم بالفكر واللسان، سواء بمحاضراته ومؤلفاته أو في النضال تحت راية الزوبعة الحمراء، في كلّ ساحة وميدان.
هناك حقيقة تكاد تكون أزلية، أنّ فكر بعض الناس – مثل الأمين أنيس فاخوري – لا يُقدّر ولا ينتشر إلا بعد موته. وإنّ صوت الموتى أقوى من صوت الأحياء وأفعل، وإنّ كلمتهم نافذة وهم وراء حدود الحياة من كلمتهم وهم في ساحاتها الفسيحة.
" لقد أهدانا الأمين أنيس فاخوري كتابه "نسف الأضاليل" مرحلة أساسية في إزالة إسرائيل في مطالع السبعينات، وكان مخطوطة، فقرأناه ودرسناه وأثنينا عليه وباركناه، ثم نسيناه. والآن بعد وفاة الأمين العزيز أنيس، وبعد أن استمعنا إلى محاضرة الدكتور حسني حداد في ندوة الخريجين العرب بيروت وهو يشدّد على أنّ العطف الأميركي المسيحي على اليهود انطلاقاً من التوراة، هو شريك في القرار السياسي بتأييدهم وتبنيهم من قبل أميركا، نشعر كيف أن رفيقنا الكبير قدّم مساهمة ثمينة لإعلامنا والإعلام العربي بوجه عام، لدحض افتراءات الصهاينة وأكاذيبهم وأضاليلهم، بأنهم شعب الله المختار، فيها يثبت هو أنهم الشعب المرذول الملعون الذي فتحت له أبواب الخلاص فلم يلجها، وآثرَ أن يبقى في الجمود والظلمة.
" إليك يا أمين أنيس، وأنت الآن وراء حدود الحياة، تقديرنا لك ومحبّتنا لك ولوعتنا على فراقك، بانتظار أن يفهم الناس حزبنا ويفهموك بالتالي أكثر، فتصبح أفكارك وآراؤك الطعام الدسم على مائدة الإعلام العربي في حربنا الإعلامية ضد "اسرائيل"، هنا في لبنان أولاً، ثم في العالم العربي الذي فرض علينا "اسرائيل" ظلماً وعدواناً.
إليك أيها الأمين العهد الذي نكرر: لن نلقي السّلاح إلا مع آخر شهقة حية، كما فعلت ".
*
بدوري عرفته جيداً، أحببته جيّداً وأكبرت فيه مزايا ابن النهضة، وتلميذ سعادة الحقيقي. في أوائل السبعينات، وكنت أتولى مسؤولية عميد المالية قررنا إقامة معرض للحرف الفنيّة في بيت الطلبة، أذكر أن الرفيق اسامة حديب قدّم رسوماً رائعة، وغيره من فروع ورفقاء قدّموا منتوجات حرفية متنوعة.
يومئذٍ قررنا إعادة طبع صور متنوعة لحضرة الزعيم، ورسم عرزاله الذي كان رسمه الرفيق الفنان مصطفى فروخ.
كانت حضرة الأمينة الأولى تحتفظ باللوحة الأساسية، الوحيدة، في منزلها في ساقية الجنزير (منزل الأمينة أليسار سعاده أبو ناصيف حالياً).
زرتها والأمين أنيس، البارع في فنّ الزنكوغراف والطباعة. لم تكن الأمينة الأولى لتقبل أن تسلّم اللوحة لأحد. أما، والأمين أنيس يطلبها، فقد استجابت، ثقةً منها به ولمعرفتها الكبيرة بكلّ تاريخه الحزبي النّاصع، الّرائع، المميّز.
طبعنا كمية من لوحة العرزال(2) نفذت كلها، ومعها كلّ صور سعادة ورسوم الرّفيق أسامة حديب وطبعنا كمية أخرى من العرزال والصور والرسوم في حجم صغير (كارت بوستال) نفذت بدورها.
عام 1974 اقترنت من الرفيقة إخلاص نواف حردان. لم ندعُ أحداً إلى العرس العائلي بسبب وفاة قريبة لنا من آل بطرس. كثيرون حضروا من تلقاء أنفسهم. كان من بينهم الأمين أنيس، وأمناء ورفقاء ما زالوا يسكنون أعماقي وذاكرتي وحبي الكبير.
*
"نسف الأضاليل"
طالما سعى الأمين أنيس إلى أن تتمّ ترجمة كتابه القيّم "نسف الاضاليل" إلى لغات أجنبية. فمضمونه موجّه للمسيحيين الغرب الذين تعمل اليهودية إلى تشويه إيمانهم المسيحي، ونسف إنجيلهم، وإحلال "التوراة" كتاباً مقدّساً وحيداً لهم و "العهد القديم" هو المرجع.
مع الأسف لم يتحقق سعي الأمين أنيس، ولم تتم طباعة كتابه مرة جديدة (بعد الطبعتين عام 1974 وعام 1983)، وهو، كما الكثير من المؤلفات التي تفضح تهويد المسيحية، لم تُنقل إلى لغات أجنبية فتصل إلى الغرب المسيحي السائر بخُطى حثيثة إلى الصهينة(3) وهذا أمر مناط بالأساس بالكنائس المشرقية التي عليها أن تحمل رسالة المسيح إلى الغرب، فلا تترك المجال للدعاوات المشوّهة للمسيحية.
*
ثانياً للزعيم
يورد الأمين جبران جريج في مجلّداته الأربعة "في الجعبة" الكثير عن الأمين أنيس فاخوري منذ انتمائه ونشاطه الحزبي وتوليه المسؤوليات، مقالة منها بعنوان "المرسوم المهرّب" (الصفحة 203 من الجزء الثالث) ننقلها بالنص الحرفي:
"المرسوم المهرب"
" ذهب المحامي الشيخ ابراهيم المنذر لمقابلة الزعيم في سجن الرّمل وقعدنا ننتظر رجوعه في منزله. ما أن أطلّ، عند عودته، من الباب حتى أدركنا أنّ وراءه خبراً هاماً. لم يخب ظننا. مد يده إلى جيبه وناول أنيس فاخوري ورقة مطويّة بإتقان وقال له: "تفضل يا نائب الزعيم".
فلش أنيس الورقة وتطلّع فيها بإمعان ثم ناداني وحوّلها لي لأقرأها وإذ هي مرسوم بتعيين أنيس فاخوري نائب زعيم، له كلّ الصلاحيات الإدارية التنفيذية إلا السياسية".
ويبطل هذا المرسوم كلّ تكليف سابق وفيه بند خاص بالسيدات أنهنّ غير مكلّفات ولا صلاحيّة إدارية لأية منهن.
شكرنا الشيخ ابراهيم على صنيعه وانصرفنا إلى غرفتنا في الفندق نتشاور بما يجب أن تكون عليه خطوتنا التالية فهناك التبليغ وتشكيل هيئة تنفيذية للأعمال الإدارية وتأمين المال للسجناء وعائلاتهم وعددهم وفير وموجودون في غير سجن الرّمل، سجن بعبدا مثلاً. إنّ المسؤولية كبيرة والخطر جسيم ولكن ألم نكن من القائلين: "وإذا الواجب يدعو" فهيّ إلى العمل وإلى النضال، إلى التنفيذ، لنكون عند حسن ثقة الزّعيم بنا وثقتنا بأنفسنا ثانيا.
شكّل نائب الزعيم هيئة تنفيذية من مفوضين، كنت فيها مفوضاً للمالية، قاسم حاطوم للداخلية، اميل خوري حرب للإذاعة وفريد مبارك الذي كان عميداً قبل الإعتقال، وكنّا نعقد جلساتنا في منزل الرفيق جميل شكر الله الكائن عند طلعة محطة جنبلاط ".
*
الأمين أنيس فاخوري: طرابلس
توفي في حادث سيارة سنة 1979 في الكويت. رجل ثقافة ورجل علم ورجل اخلاق. هو من أركان مؤسسي هذا الحزب. سجلنا عليه فقط مأخذاً إذ كتب إلى الزعيم رسالة يسأله فيها عن مبلغ قبضه الزعيم من حكومة الأحدب بمناسبة انتخابات 1947. في هذا المكتوب نوع من الشّك في أمانة نعمة ثابت وعضوية تسعة أعضاء أذكر منهم فخري معلوف وأديب قدورة وغيرهم.
اجتمعنا وحاكمنا أنيس فاخوري وحكمناه ستة أشهر فصل من الحزب نفّذها بشكل لا يتصوره العقل. هو امتنع عن الإتصال بالحزب وبأعضائه فعاقب نفسه بنفسه. هو نفّذ الفصل بأمانة غريبة. ثم راجعت نشرات الحزب منذ أن أصبح حزباً معروفاً تجد من مقالات عقائدية دقيقة ومصاغة بقالب علمي بقلم أنيس فاخوري.
من جهة ثانية أستطيع أن أؤكد أنّ أنيس فاخوري ومصطفى المقدم أولاً هما اللذان أسسا الحزب في طرابلس والشمال.
كان أنيس فاخوري قد فتح مكتباً في طرابلس يمارس فيه بعض القضايا الفكرية. هو فنان رسام وبالوقت نفسه جامعة كان يتعاطى جميع الأمور الفكرية والإدارية بشكل مميّز.
أنا عرفته 1930/1931 واستمرّت علاقتنا الرفاقية في السجون والمعتقلات. كان أنيس فاخوري معنا في سجن الرمل، والقلعة، والمية ومية. في المية ومية أذكر واقعة هامة جداً. واقعتين.. الأولى: كان أنيس فاخوري في المعتقل وشاهد أحد السجان يعتدي على رفيق ضعيف فهجم عليه وضربه ونال جزاءه، وكان مع الأمين جبران جريج في سجن القلعة في راشيّا الوادي يتّصلان (بأبطال الإستقلال) " رياض الصلح وعبد الحميد كرامي وكميل شمعون..." وينقلان إليهم ما يجري في الخارج، وكلّ هذا مدوّن بشكل دقيق في كتاب الأمين جبران جريج "الإستقلال في أيام راشيّا"
يجب أن نفي هذا الأمين المناضل الجبار حقه، وتؤلّف الكتب وتوضع عنه الدّراسات لأنه لم يكن قوميّاً اجتماعياً عاديّاً، إنه من نخبة المؤسسين الذين سجلوا في تاريخ حياتهم مواقف ودراسات ستبقى إلى أبد الآبدين.
- الزعيم أعطاه رتبة الأمانة.
- أهم ما يجب أن يُسجّل عنه أن له ولداً كان اسمه سعادة فأصبح اليوم اسمه شكري سعاده فاخوري. هو اليوم من صانعي الأفلام في تلفزيون لبنان .
أنيس فاخوري من الأسماء الخالدة في الحزب السوري القومي الإجتماعي بنضاله وعلمه وإدارته. كان مسؤولاً عن الحزب في الشمال ثم أصبح عضواً في المجلس الأعلى عندما استشهد المعلّم ونحن في الشام. انتخبناه برئاسة الأمين فؤاد أبو عجرم. أخته وأخيه وكلّ من حوله أدخلهم الحزب، وكان همه الأوّل نشر هذا الحزب وتوسّعه وانتصاره. باختصار؛ أنيس فاخوري يصلح قدوة لكلّ القوميين ولكلّ المواطنين، إنّه من الأوائل، وهو من المؤسسين عندما قرر الزعيم إنشاء المجلس الأعلى بموجب المادة العاشرة من الدستور 1937.
أنيس فاخوري كان بين أعضاء هذا المجلس.
*
مرتكز اعلامي في حربنا مع "إسرائيل"
نشرت مجلة "البناء" في عددها رقم 878 تاريخ 28/06/1997 هذا المقال للامين أنيس فاخوري، وكان كتبه يوم السبت في 14 آب 1971 بتوقيع "غضوب خزاف" الذي كان يعتمده في معظم دراساته الفكرية.
وقد جاء هذا المقال بعنوان "مرتكز اعلامي هام نسيناه طويلا، يجب أن يدخل في تكتيك الاستراتيجية الجديدة في حربنا مع إسرائيل". وهنا نص المقال:
في احدى مقالاته الأسبوعية التي يتكلم فيها بصراحة، ذكر الأستاذ هيكل تحت عنوان "نحو استراتيجية عربية جديدة" ان أبرز الدواعي الملحة لوضع هذه الاستراتيجية الجديدة هو:
"ان الامة العربية تدرك الآن _ ولا بد لها ان تدرك _ أنها جميعها وبغير استثناء، أمام خطر استعماري داهم، يختلف تماما عن أي نوع ظهر من أنواع الاستعمار قبلاً، استعمار لا يجيء بأسطول أو جيش من وراء البحر، وهو على استعداد اذا زادت التكاليف عليه، أن يجلو ويرحل. ولكنه استعمار متمركز على قطعة من الأرض العربية يدعيها لنفسه ملكاً لا ينازعه فيه أحد، وهو يتخذ هذه القطعة من الأرض قاعدة لحركة مستمرة على ثلاث خطوات في كل الاتجاهات المحيطة به: غزو.. احتلال... استيطان! وليس هناك سبيل _ كما ظهر وتأكد _الى حل سلمي معه، بل هو مجهز الى أبعد حد لأن ينتصر، أو مستعد الى اقصى حد أن ينتحر، وإذن فليس هناك بديل عن الصراع الى نهايته ".
هذا الكلام صحيح مئة بالمئة وفيه وصف ينطبق على الواقع الذي يعانيه العالم العربي منذ سنة 1948، ولقد كانت أولى بوادر هذا الواقع المرير قد نبتت سنة 1917 بعد أن كانت البذور قد غرست قبل ذلك بكثير...
ولو اقتصر الأمر في ادعاء ملكية الأرض على الصهيونية فقط لكان الامر غاية في السهولة، اذ ان اليهود الصهيونيين _ ولا نكون متجنين على الحقيقة اذا قلنا أن كل يهودي تقريباً هو صهيوني _ يقاربون العشرين مليوناً في العالم، وهم لو بقوا وحدهم من غير مساندة لكانت الجيوش العربية قد محت دولة "إسرائيل" منذ اول يوم أعلنت فيه. غير أن الواقع مختلف جداً عن هذا التمني، فالعالم الغربي المسيحي كان كله تقريباً وراء ادعاء هذه الملكية من قبل الصهيونيين.....
فما هو سبب هذا الادعاء ومرتكزاته؟ وما هو سبب المساندة لدعم هذا الادعاء ؟
وفي الإجابة على هذين السؤالين يمكن السر الذي جعل الخطط الصهيونية، منذ أيام هرتزل، تسير في خط متصاعد من النجاح.
السبب الأساسي
أن جميع الأبحاث التي صدرت في العالم العربي عن موضوع "إسرائيل" والصهيونية وعن الهزائم العربية، كانت تعالج الأمر من زوايا كبرى ثلاث يمكن تلخيصها بما يلي:
1. النفوذ الصهيوني المسيطر على النقد والصناعة ووسائل الاعلام في اكثر دول العالم.
2. الامبريالية الغربية، وخاصة الأميركية الطامعة في ثروات العرب والساعية الى استغلالهم متوسلة في ذلك الكيان "الإسرائيلي" المدعوم منها دعماً مطلقاً.
3. التخلف التكنولوجي والإعلامي في الدول العربية بالنسبة للتقدم "الإسرائيلي" في هذين الحقلين.
ومع صوابية الرؤية من هذه الزوايا الكبرى ووجاهتها، فإنه يبقى هناك سبب رئيسي آخر لم يتناوله الباحثون
بعد، كما يجب أن يتناولوه، وان كان البعض قد أشار اليه إشارة عابرة وكأنه موضوع ثانوي...
ان هذا السبب الأساسي يعود الى ما ورد في التوراة عن ارض كنعان الموعودة لبني "إسرائيل". ولو وقف الامر عند هذا الحد واقتصر على اليهود فقط لما كان هذا السبب خطيراً لهذه الدرجة... ولكن الامر الواقع يختلف كثيراً عن تمنياتنا الساذجة، فالامر لم يقتصر على اليهود فقط بل امتد حتى شمل ما يقارب الألف مليون مسيحي الذين يرون اليوم أن هذا الوعد هو مكتسب لبني "إسرائيل" ويجب عليهم أن يؤيدوا اليهود في هذا الادعاء... ومن هنا كانت خطورة هذا السبب، ومن هذا الباب العريض اطلت الصهيونية على العالم المسيحي في الغرب عند مطلع القرن العشرين، فلاقت التعاطف الروحي والدعم المعنوي في خطواتها الأولى... وبعد ذلك اخذت الصهيونية (بما لديها من إمكانيات اليهود الأثرياء المتغلغلين في مختلف المرافق الحيوية في الغرب) تمد جذورها الى هنا وهناك وتربط مصير الدولة المقترحة آنذاك، بمصير مصالح الغرب، بريطانيا أولاً وأميركا مؤخراً، الى ان وصلنا الى ما وصلنا اليه من نكسات وهزائم متتالية....
لقد كانت التوراة السبب المباشر في خلق الخلفية الذهنية المتعاطفة والداعمة لخلق دولة "إسرائيل" على أرض فلسطين، وقد اهمل الاعلام العربي بحث ودراسة هذه النقطة اهمالاً تاماً... وما زال للآن مهملاً هذه الناحية.
إن المنطلق الأساسي لقيام "إسرائيل" كان التوراة، ونحن في دفاعنا عن حقنا المشروع قد تجاهلنا بحث صحة هذا المنطلق الأساسي الذي حولته الصهيونية، بأساليبها الملتوية المضللة الى "حقيقة" ترسخت في أذهان الغرب المسيحي.
التضليل اليهودي كان السبب لهذا التعاطف
إنكم تناضلون من اجل فكرة عظيمة" هذا ما قاله لويد جورج لوايزمن الصهيوني قبيل اصدار وعد بلفور.
والغرب، كل الغرب، ومنذ مطلع هذا القرن الى الآن، لا يرى أنه يرتكب إثما في مساندته دولة "إسرائيل" لأنه لا يزال يعتقد أنه ساهم ولا يزال يساهم في سبيل "تحقيق هذه الفكرة العظيمة"... والغرب، بقطع النظر عن اثر التغلغل الصهيوني الاقتصادي والإعلامي فيه، لا يزال يعجب لماذا يحارب العرب "إسرائيل" ويستغرب لماذا لا يرون في قيامها "انتصاراً للفكرة العظيمة" ويلوم العرب لعدم تساهلهم في قبول "إسرائيل" بينهم..
انه التزام ذهني له شبه قوة العقيدة في نفوس الغربيين، ولكنه غرس ونما وترعرع بواسطة الاضاليل اليهودية المتصهينة التي تمكنت من اجتياح الغرب منذ مطلع القرن العشرين، إذ أن الوضع لم يكن كذلك في القرن الماضي وما قبله، عندما كانت العقيدة المسيحية صافية أصيلة بعيدة عن التلوثات اليهودية المتصهينة.
لقد كان تفسير النبوءات التوراتية عند كل الطوائف المسيحية تقريبا معاكساً لأي خط يهودي يقول برجوع اليهود الى أرض فلسطين كإتمام لهذه النبوءات، ما عدا أقلية ضئيلة كانت اليهودية قد كسبتها الى جانبها بسبب التحريف والتضليل.
وكانت كل الكتب اللاهوتية والتفسيرية تسير في الخط المعاكس لآمال اليهود، وهاكم ما جاء في كتاب "القواعد السنية في تفسير الاسفار الإلهية" وهو احد الكتب اللاهوتية التي كانت الارسالية الأميركية تصدرها في بيروت في القرن الماضي، وهو مطبوع سنة 1880 وقد جاء في الفصل الخامس عشر منه شروح تتعلق بالنبوءات وتفسيرها الصحيح مع عرض لمختلف الآراء حول تلك التفاسير، ونجد فيه ما يلي:
"... لكن من تطرف في تفسيرها الحرفي وتصور اشارتها الى رجوع اليهود الى فلسطين لأجل بناء أورشليم والهيكل ثانية وتقسيم الأرض بين اسباط "إسرائيل" القديمة وتجديد طقوسهم الدينية، وكل ذلك تحت ولاية المسيح رأساً، الذي على زعمهم سيأتي لهذه الغاية ويجلس على كرسيه في اورشليم ويجمع حوله الامة اليهودية ويقربها إليه دون سائر المؤمنين، وكل ذلك اتماماً لتلك النبوءات، فيضل سواء السبيل، لأن ذلك التفسير بعيد وليس ما يؤيده في العهد الجديد، بل هو مخالف لروح الإنجيل وناشىء عن سوء التصرف في تفسير مقاصد الله".
إن هذا التفسير المسيحي الصحيح المعاكس للاهواء اليهودية المتصهينة كان في القرن الماضي هو الخط السائد في الكنيسة المسيحية على اختلاف مذاهبها وعلى الأصح كانت الكنيسة كلها منذ أيام الرسل ترى الحقيقة في هذا التفسير الصحيح. غير أن الصهيونية افسدت بأضاليلها هذا الصفاء المسيحي وطمست بأموالها هذه التفاسير الأصيلة واعطت بدلاً منها التفاسير الخاطئة المضللة الرامية الى اغراق الفكر المسيحي الغربي بالتيار الصهيوني الذي نتج عنه الالتزام الذهني بمساندة دولة "إسرائيل" وكأن هذه المساندة هي فرض ديني لتحقيق "الفكرة العظيمة".
الخطأ منذ بداية المعركة
عندما بدأت المعركة الفعلية مع الصهيونية اثر اعلان وعد بلفور سنة 1917 لم يرتفع صوت واحد على ما أعلم، ليدحض التفاسير اليهودية المضللة التي كانت قد سيطرت على عقول الساسة البريطانيين وحملتهم على رؤية انشاء الدولة اليهودية على ارض فلسطين وكأنها "نضال من أجل فكرة عظيمة".
لقد وجم رجال الدين والمفكرون في الشرق العربي تجاه تلك الاضاليل، ولربما اعتبروها هم أيضاً "امراً مقدساً وتحقيقاً لإرادة الله ونضالا من أجل فكرة عظيمة" وما زالوا واجمين الى الآن...
ولرب معترض يقول، ولماذا تتجاهل أبحاث "الندوة العالمية من اجل فلسطين" وهل نسيت "النداء الى الوجدان المسيحي" الذي أصدره بطاركة الطوائف المسيحية في الشرق الأوسط.
فأجيب بأن النداء الذي صدر في العاشر من أيار لهذه السنة يشجب فقط عملية تهويد القدس، وقد وصم البطاركة الاجلاء هذه العملية التهويدية بأنها اجتثاث للحضارة الإنسانية، ولكنهم غفلوا مرة ثانية عن عملية تهويد المسيحية المستمرة منذ أكثر من سبعين سنة، والتي كانت نتيجتها قيام دولة "إسرائيل"!!..
أمأ أبحاث الندوة التي نشطت في السنين الأخيرة فليس فيها الوضوح الكافي والدحض الأساسي للأضاليل المؤديان الى المناداة بأن "رجوع اليهود الى فلسطين هو امر مخالف لإرادة الله وللتعاليم المسيحية".
ان الصهيونية بدأت تطالب بأرض "إسرائيل" استناداً الى التفاسير المضللة لنبوءات التوراة، حيث كانت الصهيونية قد حشت عقول البريطانيين وساستهم بهذه الاضاليل حتى اصبحوا مهيأين لقبول المطلب الصهيوني وكأنه مطلب حق وبديهي، ولذلك اصدروا وعد بلفور..
وكان علينا منذ ذلك الحين أن ندحض تلك الأضاليل بالدراسات والتفاسير الصوابية الواضحة. ولكننا لسوء الحظ وجمنا ووقفنا، مع من وقف من بقية شعوب العالم. ننظر الى تلك التفاسير وكأنها هي الصواب وتمثل حقيقة ازلية مقدسة، مع أن المرتكزات المضادة لها والتي تدحضها دحضاً أساسياً متوفرة في التوراة نفسها وفي الانجيل، وكان علينا أن ندحض التضليل بالحجة الدامغة، والبرهان الكاذب بالبرهان الصادق، حتى نقتلع من عقول البريطانيين وبقية الشعوب الغربية امتناعهم بحق اليهود في ملكية أرض فلسطين.
ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل آنذاك، ويبدو أن اكثرية اللاهوتيين والمفكرين من الناطقين بالضاد كانوا من المتأثرين بالتضليل اليهودي المتصهين ومنساقين في تياره الفكري الديني غير آبهين بخطر قيام دولة يهودية على أرض فلسطين، وكذلك لم يكن الشعور القومي والولاء لأرض الوطن قد تبلورا بعد في ذلك العهد الرازح تحت كابوس الطغيان العثماني.
لقد كان علينا ان ندحض الاضاليل الدينية الزائفة بالحقائق الدينية الواضحة التي تجتث الزيف من الأساس وتقضي على التضليل.
كان علينا أن نفهم البريطانيين منذ ذلك الوقت، إن ما ظنوه "نضالاً من أجل فكرة عظيمة" ما هو إلا تزييف لإرادة الله وتشويه في تفسير آيات التوراة، وتضليل مقصود للفكر المسيحي الأصيل.
ولكن ما فاتنا القيام به منذ نصف قرن، لا يجب أن نتقاعس عن القيام به اليوم في هذا الظرف...
واستراتيجية الحرب الجديدة التي يراها الأستاذ هيكل امراً لا مناص منه والتي لا يزال ينادي بها الحزب السوري القومي الاجتماعي منذ حوالي أربعين سنة، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذا التكتيك الإعلامي الجديد الذي اهملناه اهمالاً كلياً منذ نشوء المشكلة .
فالغرب أساساً، يساند "إسرائيل" بسبب الخلفية الذهنية الدينية (المضللة) التي تلزمه بهذه المساعدة، وذلك بقطع النظر عما نشأ من روابط مصلحية أخرى بين "إسرائيل" والاستعمار الغربي المتجدد (وهنا لا يجب أن ننسى أن للغرب أيضاً مصالح اقتصادية كبرى، أكبر من مصالحه مع "إسرائيل" في العالم العربي).
وهذه الخلفية الذهنية نشأت بفعل التضليل والتزييف اللذين قامت بهما اليهودية المتصهينة خلال أعوام طويلة.
وغسل دماغ الغرب من جرثومة هذه الاضاليل الدينية التي تحولت الى قناعة شبه وجدانية. أمر ممكن وللوصول الى تلك الغاية يترتب علينا أن نسلك الطريق المنطقي الصحيح الذي يقودنا الى حتمية القيام بحملة إعلامية قوية في الغرب للكشف عن هذه الاضاليل ولإرجاع الفكر المسيحي الى أصالته الصافية الخالية أصلا من جرثومة التهويد.
إن التكتيك الإعلامي الجديد في استراتيجية الحرب الجديدة المنتظرة، يجب أن يأخذ هذه النقطة الأساسية بالذات في اعتباره، وإلا فقد نقضي ربع قرن آخر ونحن نرزح تحت دعم للصهيونية يمضي في التصاعد على حساب حقنا.
هوامش
(1) نشر الأمين أنيس فاخوري دراسة بعنوان: "المدرسة القومية الإجتماعية المدرحية والمدرسة الدينية الشخصية الفردية" بتاريخ 14 كانون أول 1947.
(2) أفادنا الرفيق سامي سعد (بوسطن) عندما كان في زيارة إلى الوطن منذ سنوات أنه كان اهتم، بإشراف الأمين أنيس، على فرز ألوان لوحة العرزال. وهو عمل معه مدة طويلة ويسجل له قدوته ومناقبيته ووعيه المميز للعقيدة القومية الإجتماعية.
(3) بتاريخ 03/12/2009 وكنت في مسؤولية عميد شؤون عبر الحدود عممت من كتابه "نسف الأضاليل" سأعممه مرة جديدة لاحقاً.
|