إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

باتريك سيل أو التاريخ كما يشتهيه أهل الفــقيد [2/2]

بدر الحاج - الأخبار

نسخة للطباعة 2010-06-16

الارشيف

«وعد بلفور عربي» للصهاينة

لننتقل من موضوع الحركة الصهيونية وعلاقاتها مع الصلح التي يمكن تلخيصها وفق عرض سي بأن الرجل عرض عليهم اقتراح «وعد بلفور عربي» مقابل الذهب والاتصالات الدولية لمصلحة الوحدة العربية. رفض الصهاينة عرض الذهب والوعود مقابل الأرض، واليوم يرفض أيضاً الصهاينة عرض الأرض مقابل السلام. لكن ماذا عن هذه العروبة الزائفة، عروبة السمسرة التي هي بمثابة قميص عثمان التي كانت ترفع بوجه سعاده بين الحين والآخر، والتي يقول سيل عنها: «وفيما كان العرب سائرين نحو الهزيمة شكك سعاده في عدد من المقالات النازية بالعروبة ووصفها بأنها مبدأ فاشل وأنها مسؤولة عن هزيمة الجيوش العربية في فلسطين» (ص 678). يدعي سيل أن هذا الأمر كان بمثابة طعنة للسيد الصلح. لم يشكك سعاده بالعروبة بل كتب مقالاً بعنوان «العروبة أفلست»، وقال في مقال آخر أيضاً إن «الانعزالية أفلست». وكرر سعاده في أكثر من مقال وخطاب: «إننا حاربنا العروبة الوهمية لنقيم العروبة الواقعية». وأوضح: «في فلسطين أفلست عروبتكم إفلاساً كاملاً باهراً».

كيف يمكن وصف خسارة فلسطين وقبول التقسيم بأنه انتصار؟ أليس هو الإفلاس بعينه لعروبة الملك فاروق، وعروبة الملك عبد الله وغلوب باشا قائد الجيش العربي المظفر، وعروبة نوري السعيد والجيوش العربية المرسلة إلى فلسطين تحت شعار «ماكو أوامر»، ناهيك بالأسلحة الفاسدة؟.

ولا بد، قبل اختتام الحديث عن تشكيك سعاده بالعروبة الذي أثاره سيل، من الإشارة إلى المقاربة التالية التي، باعتقادي، تمثّل خير تمثيل عروبة رياض الصلح والطبقة السياسية في ذلك الزمان. إنها عروبة المناسبات. لقد كان منافس الصلح على رئاسة الوزارة في لبنان خير الدين الأحدب من غلاة الداعين إلى العروبة والوحدة السورية، وعندما جاء به إميل اده عام 1937 إلى رئاسة الحكومة، تعجب أصدقاؤه وسألوه عن سبب تبديل موقفه والتعاون مع اده المعروف بمواقفه المعادية لأي فكرة وحدودية. وكان الجواب، كما يذكر اسكندر رياشي في كتابه «قبل وبعد»: «كنا نعرف خير الدين الأحدب بالأمس عربياً قحّاً، وأحد كبار الحركة الثورية العربية... وإذا بالأستاذ إميل اده يكتشف فجأة أن هناك أيضاً خير الدين الأحدب اللبناني الانفصالي عندما كلفه تأليف وزارته الأولى في كانون الثاني 1936. وكان الأحدب يقول في فطنته الغريبة: «إذا قرر العرب الوحدة، فليس وجودي في سراي لبنان يمنعهم من تحقيقها، وإني سأجد سبيلاً لأن أعود عربياً عند ذلك» (اسكندر رياشي «قبل وبعد»، دمشق، الطبعة الثانية، 2006 ص 151 ـ 152). وهذا بالضبط ما قام به لاحقاً رياض الصلح حين ترأس الحكومة اللبنانية.

سيل وإعدام سعاده

نفذ رياض الصلح وثلاثة آخرون من أركان النظام اللبناني أول إعدام سياسي في تاريخ لبنان، وذلك في غضون ساعات قليلة وبمحاكمة صورية لأنطون سعاده صبيحة الثامن من تموز 1949. ولا بأس من عرض خلفيات عملية القتل هذه ما دام السيد سيل قد أخرج الجريمة إخراجاً تبريرياً مغلوطاً، ملصقاً النعوت والاتهامات بسعاده على الشكل التالي: «سقوط سعاده ضحية أوهامه» (ص 698). و«لم يكن سعاده يمتلك أياً من الصفات التي يتمتع بها السياسيون الناجحون، لم يكن يتسم بالمكر، والبراغماتية، والقدرة على تقييم الأوضاع بواقعية، وروح التسوية». (ص 666 ـ 667).

إذاً، عيب سعاده بالنسبة إلى سيل أنه لم يكن ماكراً. ويصف سيل ما جرى في الجميزة من إحراق لمطبعة جريدة الحزب «الجيل الجديد» واعتداء الكتائب على القوميين الموجودين في المطبعة بأنه مجرد اشتباك بالصدفة، ويكذب حين يدعي أن القوميين شنّوا سلسلة من الهجمات المسلحة في وقت واحد بعد حادثة الجميزة. وسأستعرض في سياق هذا البحث المزيد من التبريرات والأضاليل التي جمعها سيل وصحبه بهدف تسويق عملية القتل. ولكن بالعودة الى ما كتبه سيل عام 1966 في كتابه «الصراع على سورية» يتبين لنا أن وصفه لجريمة قتل سعاده في ذلك الحين يتعارض مع وصفه للجريمة في كتابه الجديد بعدما تقرّب من العائلة. هنا أود أن أنقل ما

كانت التعليمات بتصفية سعادة فور تسلّمه لكن الضابطين المكلَّفَين التنفيذ تمرّدا على الأوامر

ذكره سيل في كتابه الأول للدلالة على التلاعب الذي أقدم عليه. يقول: «حل الحزب في 16 تموز واعتقل أعضاؤه. إن الطبيعة الحقيقية للصفقة التي خان بموجبها الزعيم (حسني الزعيم) سعاده لا تزال غير معروفة. لقد تم التداول في مصادر عدة أن رئيس الوزراء (رياض الصلح) «اشترى» أنطون سعاده من الزعيم وأنه تم الضغط على الديكتاتور السوري لتسليمه. وليس من قبيل الصدفة أنه خلال وقت قصير وقع الزعيم اتفاقاً اقتصادياً مع لبنان منهياً مرحلة طويلة من النزاع». ويضيف «من الممكن الافتراض أن الدول الكبرى لم تكن غير سعيدة بتدمير حركة يمينية متطرفة هددت مصالحهم وكذلك الاستقرار في المنطقة» ص 71 (Patrick Seale: The Struggle for Syria, Oxford University Press, 1966).

وبالعودة الى أحداث تلك الحقبة، يظهر بوضوح أنه تقرر في جلسة مجلس الوزراء برئاسة الصلح يوم 6 حزيران 1949 تصفية سعادة جسدياً. كان موضوع الجلسة الرئيسي نشاطات سعاده وحزبه. وقامت قيامة الصلح وبعض الوزراء وفي طليعتهم محامي التابلاين حبيب أبو شهلا، على سعاده. الجو كان معبّأً ضده وضد حزبه، واتخذ في ذلك الاجتماع قرار «بملاحقة الحزب وسعاده». هذه العبارة وردت حرفياً في الجلسة. ولتسهيل تنفيذ القرار تحمل رياض الصلح المسؤولية وتقرر إنشاء مجلس أمن قومي ترأسه الصلح، كما حدد ليل يوم 12 حزيران 1949 موعداً لبدء المداهمات. كان على سيل الإشارة إلى ذلك لكنه لم يفعل. إن التفاصيل التي سأوردها هنا مستقاة من مخطوطة كتبها أحد المسؤولين القوميين الذين كلفهم سعاده القيام بالاتصالات مع الصلح ورئيس الجمهورية آنذاك بشارة الخوري لتطويق مضاعفات ما جرى في الجميزة. هنا لا بد من الإشارة إلى أن مقررات مجلس الوزراء كانت قد وصلت إلى سعاده من أحد الوزراء الذي اتصل بالقومي المكلف القيام بمفاوضات مع أركان السلطة، إذ قال الوزير ما يأتي: «الليلة البارحة كان عندنا جلسة في مجلس الوزراء وقامت القيامة عليكم من رئيس مجلس الوزراء وبعض الوزراء فوقفت أنا أدافع عنكم فلم أوفق بتهدئة الحالة، وبالنتيجة اتخذ قرار إجمالي بملاحقتكم وإبادة فعلية للحزب. اذهب لعند الزعيم وأخبره بالأمر. وأرى من المناسب أن تتصلوا برياض الصلح وتدخلوا معه بمفاوضات للرجوع عن القرار المتخذ ضدكم». أبلغ سعاده بمعلومات الوزير كما أرسل فريد الصباغ لمقابلة خليل الخوري ابن رئيس الجمهورية الذي اطلع من الصباغ على قرار الحكومة المتخذ بملاحقة الحزب. بعد ساعتين اتصل الخوري بالصباغ وأبلغه «أن رياض الصلح متحمس لملاحقتكم والقضية تتعلق برياض الصلح، ووالدي ليس بيده شيء، والمراجعة يجب أن تكون مع رئيس الوزراء». أطلع الصباغ سعاده على موقف رئيس الجمهورية. وفي مساء التاسع من حزيران قصد سعاده مكاتب جريدة «الجيل الجديد» في الجميزة. وفي ذلك المساء هاجم الكتائبيون المطبعة وأحرقوها وجرحوا سبعة من القوميين بعد مغادرة سعاده مكاتب الجريدة بدقائق. يا للصدفة! كانت الكتائب عام 1949 مخلب قط لجأ النظام اللبناني اليه للتحرش بسعاده، ولعبت الدور نفسه في قتل الفلسطينيين بحادثة بوسطة عين الرمانة في نيسان 1975.

انتقل سعاده بعد وصول خبر الاعتداء على مكاتب الجريدة في الجميزة من منزله في رأس بيروت الى منزل منير الحسيني المشرف على باحة سجن الرمل. ومن هناك أوعز مجدداً بمواصلة الاتصالات مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بهدف تجنب المواجهة مع السلطة، وهو الذي يعرف أن المخطط الذي وضعه رياض الصلح قد بوشر تنفيذه بعد دهم منزله وبدء موجة من الاعتقالات في شتى المناطق.

في تلك الليلة تلقى سعاده اتصالاً من ادمون طوبيا يعلمه أنه «موجود في دار صهره خليل فضول، معنا هنا فخامة رئيس الجمهورية الشيخ بشارة نلعب الورق «بريدج» وحضرة الرئيس تلقّى مخابرة هاتفية من رياض الصلح يدعوه بسرعة ليترأس مجلس الوزراء في القصر الجمهوري، فأجابه رئيس الجمهورية: لماذا هذه السرعة يا دولة الرئيس؟ وكان الجواب: يجب حضورك حالاً لجلسة استثنائية لأن أنطون سعاده أعلن التعبئة العامة في حزبه وقرر القيام بانقلاب في البلاد، لذلك نرجو حضوركم بسرعة».

يضيف ادمون طوبيا: «عندما ترك فخامة الرئيس السماعة توجه نحوي وقال: يا إدمون إن زعيمكم سعاده قرر القيام بانقلاب وتسلّم الحكم. انهض حالاً واطلبه على الهاتف واستعلم منه عن صحة هذا الخبر وقل له ألا يفعل شيئاً من ذلك. عندئذ طلبنا حضرة الزعيم ورجوته أن يطلعني على حقيقة هذا النبأ بالضبط، الأمر الذي نفاه الزعيم جملة وتفصيلاً». وبعد مراجعة ثانية للشيخ خليل الخوري وشرح حقيقة الموقف له ليبلغه الى والده كان الجواب النهائي للخوري: «إن هذه القضية محصورة بمجلس الأمن ومجلس الأمن يترأسه رياض الصلح وعليكم مراجعة رياض».

وكُلِّف نجيب الصايغ الاتصال برياض الصلح والبحث معه لإيجاد طريقة سلمية ولعدم تطور الأمور، وكان الحزب يكلّف الصايغ عادة الاتصال برياض الصلح نظراً لصداقته معه، كما أنه كان منتمياً للحزب وساهم بدور فعال عام 1947 لإلغاء مذكرة التوقيف بحق سعاده. وبعد يومين من الاتصالات المكثفة مع الصلح، اقتنع الأخير بلقاء المندوب الحزبي الذي يشرح بالتفصيل الحديث الذي جرى مع رئيس الحكومة على الوجه الآتي:

«دخلنا بيت رياض الصلح فوجدناه في غرفة النوم، ثم استقبلنا على الفراندا. وبعد جلوسنا فترة وجيزة قال: ماذا تريد هذه المرة؟ قلت له: يا دولة الرئيس جئت لأبحث معكم عن الأسباب التي حملتكم على ملاحقتنا بهذا الشكل الذي لا مبرر له على الإطلاق، ولكي تذكر لي ما هي الذنوب التي ارتكبناها لتحملوا علينا هذه الحملة. إذا كانت حادثة الجميزة السبب يكون عملكم هذا بالمقلوب لأن الواجب يقضي بملاحقة الكتائب لأنهم هم المعتدون علينا واعتداؤهم ظاهر. فضحك وقال: إن قضية الجميزة قضية ثانوية جداً بالنسبة إلى الأشياء التي اكتشفناها عليكم. قضية الجميزة نعتبرها قضية جزئية عادية والتحقيق سيأخذ مجراه واللعبة ستقع على المعتدين، لكن أريد أن أصارحك بشيء له أهمية كبرى، وهو أنه من ستة أشهر ونحن نراقب رفاقكم وزعيمكم عن كثب والنتيجة اتضحت لنا وهي علاقتكم مع دولة أجنبية وعدوة. فقلت له من تقصد بهذه الدولة؟ أجاب: إسرائيل، وعندما تأكدنا ولمسنا لمس اليقين وتثبتت العلاقة الخطرة قررنا ملاحقتكم».

إن دور الصلح واضح في عملية القتل، ولعدم الاستفاضة في المزيد من التفاصيل أقول إن المذكرات والمقابلات التي نشرت، سواء لبشاره الخوري وسامي الصلح وعادل ارسلان وفريد شهاب وحسين الحكيم وخالد العظم ويوسف سالم وفريد صباغ وغيرهم من شهود العيان الكثيرين، تلتقي عند نقطة واحدة وهي ضلوع رياض الصلح في عملية القتل، وخاصة بعدما وقّع على مرسوم الإعدام بوصفه أيضاً وزيراً للعدل، وهذا بالطبع لا يعفي غيره من المسؤولين الذين وقعوا على المرسوم بدءاً برئيس الجمهورية بشارة الخوري ووزير الدفاع مجيد ارسلان. وحده شذّ عن هذه القاعدة زهير عسيران صديق رياض الصلح الذي نفى في مذكراته التي نشرها له غسان تويني أن يكون للصلح علاقة بإعدام سعاده بينما بشّرت جريدته «الهدف» المواطنين بأن سعاده سيُعدم.

ويواصل سيل التعمية واختيار ما يناسبه من أحداث في محاولته الفاشلة لتغطية دور رياض الصلح الحقيقي الذي يلصقه بحسني الزعيم وحده فيقول: تم نقل (سعاده) تحت الحراسة الى الحدود اللبنانية في ليل 6 ـ 7 تموز/يوليو. وهناك سلم الى الأمير فريد شهاب، المدير العام للأمن العام ـ «شرط» أن يقتل في أثناء رحلته الى بيروت. كانت شروط الزعيم أن يقتل سعاده عند «محاولته الهرب» لحماية العقيد دون شك من تهمة الخيانة ولإخفاء تفاصيل أسرار تعاملاته معه» (ص 692). يستند سيل في ما قاله إلى تقرير دبلوماسي بريطاني صادر من بيروت يوم 7 تموز 1949. الواقع أن ما ذكره صحيح ولكن على طريقة لا إله فقط. ما لم يذكره سيل اطّلع عليه بالتأكيد في مصدر سبق أن استند اليه في كتابه، وهو وثائق الأمير فريد شهاب المتعلقة بسعاده والحزب السوري القومي الاجتماعي. يقول الأمير شهاب في مقابلة صحافية أجريت معه: «الساعة الثانية ليلاً وصلت إلى حدود المصنع وكانت وقتها مفتوحة لا وجود لأمن عام أو جمارك. انتظرنا ربع ساعة، عندها وصل 12 أو 15 مخبراً باللباس المدني في سيارات عديدة وكان معهم الزعيم. سلموني إيّاه وسلمته بدوري الى الضابط العسكري الكبير (رفض فريد شهاب البوح باسمه لأن ذلك من موجبات المهنة كما قال) وسرت أنا بسيارتي أمامهم. عندما وصلنا إلى قرب عنجر أشار لي الضابط العسكري الكبير بالتوقف. توقفت فترجل الضابط من سيارته واقترب مني قائلاً: «معي أوامر بتصريفو، شو رأيك؟» أجبته مباشرة وبحدة: «أنا أمانع بشدة، نحن لسنا قَتَلَة، وهذا التصرف ليس تصرفاً سليماً بحق الدولة»، فأجابني على الفور: «أنا كمان من رأيك» (أحمد أصفهاني: «أنطون سعاده والحزب السوري القومي الاجتماعي في أوراق الأمير فريد شهاب»، دار كتب، بيروت 2006، ص 180).

بالطبع كانت أوامر التصفية إلى الضابط الكبير قد أتت من رياض الصلح الذي يبدو أنه فوجئ بما جرى إذ لم يكن ضمن حساباته، لذلك كان الارتباك والدعوة إلى عقد محكمة عسكرية سريعة كانت نتيجتها الإعدام.

عن اتهام سعاده بالعمالة لإسرائيل

كم من الموبقات والخيانات والجرائم ارتكبت باسم فلسطين. رياض الصلح يتهم سعاده ويقتله بتهمة العمالة لإسرائيل بينما صديقه الذي تحالف معه منذ 1933 المطران اغناطيوس مبارك يصرح علناً ويومياً بتأييده لقيام وطن قومي لليهود في فلسطين ويتعامل علناً مع الصهاينة ولا يحرّك بطل الاستقلال ساكناً.

هل كان أمر المطران مبارك خافياً على الصلح؟ الجواب كلا، تصريحاته وخطبه كانت تنشر في الصحف اللبنانية والصهيونية، والفضيحة الكبرى التي تدين الصلح والنظام اللبناني هي ان وزارة الأنباء اللبنانية التي نشرت كتاباً عن مقتل سعاده بعنوان «قضية الحزب القومي» وسُحب لاحقاً من الأسواق، جاء فيه نص الرسالة التي بعث بها منفذ عام عكا محمد جميل يونس إلى سعاده بتاريخ 13 أيار 1949 يقول له فيها: «إن منظمة الفالانج اللبنانية والمطران اغناطيوس مبارك على اتصال ومفاوضة مع إسرائيل لقلب نظام الحكم وإنشاء الوطن المسيحي واضطهاد الفئات (الطوائف) الأخرى. وقد اطلعت على كتب توصية من المطران مبارك لإسرائيل وسأحاول الحصول على نسخ منها». (وزارة الأنباء، قضية الحزب القومي، بيروت 1949، ص 174).

يبدو أن الصلح وحكومته والسيد سيل لم يطّلعوا على هذه الوثيقة، لكن رد سعاده على اتهام الصلح له كان حاسماً، ففي آخر مقابلة صحافية في جريدة «العلم» الدمشقية أجريت معه قبل اغتياله قال: «... إن الوثائق التي في حوزة الحزب تخوّله إبدال التهمة باتهام المتحكمين بالتعامل مع اليهود وبمساعدة الأهداف اليهودية ضد مصلحة لبنان والأمة السورية» (العلم 21 ـ 6 ـ 1949).

الصلح وإسرائيل بعد تأسيسها

إن ارتدادات قيام إسرائيل عام 1948 وجريمة تموز 1949 لاحقت الصلح طيلة ما بقي من حياته. ومن المؤكد أن أطرافاً عرباً وقوى سياسية لبنانية محلية ساهمت بالإطباق على سعاده وتصفيته جسدياً. وسياق الأحداث والتطورات التي سبقت وتلت عملية القتل تؤكد ذلك، سواء من الاتفاقات السرية بين حسني الزعيم وموشي شرتوك أو الاجتماعات بين الصلح وقادة الحركة الصهيونية حتى بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948. وتظهر الوثائق الإسرائيلية حتى تشرين الثاني 1948، أي بعد قيام إسرائيل، أن رياض الصلح كان لا يزال، كما ذكر سيل في الصفحة 743،

لماذا قال وايزمن في مذكراته إن الصلح كان في «مهمّة اتصال سلمي مع اليهود حين اغتيل»؟

يواصل القيام «بمحاولات متكررة على مر السنين للتوصل إلى اتفاق مع الصهاينة، بل عرض حشد الدعم العربي لإقامة كانتون يهودي في كيان عربي واسع!». أخفى السيد سيل عن عمد تلك الاتصالات بين الصلح والصهاينة، بدليل أن سيل استعمل العديد من الوثائق الموجودة في ملف وزارة الخارجية الإسرائيلية والمعنون «رياض الصلح» لكنه لم يشر إلى ما قام به الصلح في باريس في تشرين الأول 1948. سافر رياض الصلح وغيره من الزعماء العرب إلى باريس أوائل تشرين الأول 1948 لمتابعة اجتماعات أعمال اللجنة السياسية حول القضية الفلسطينية التابعة للأمم المتحدة. وفي فندق البريستول بالعاصمة الفرنسية عقد اجتماع بين الصلح ويولندا هامر المسؤولة في الاستخبارات الإسرائيلية، وكانت تنشط في القاهرة وعلى علاقة وطيدة، كما تقول هامر، مع ابن عم رياض، تقي الدين الصلح الذي كان يعمل مساعداً للأمين العام للجامعة العربية. وتضيف هامر في تقريرها المرفوع إلى الحكومة الإسرائيلية أنها نجحت مع رياض في البحث في تفاصيل عملية سلام بين العرب وإسرائيل. (تقرير يولندا هامر بالعبرية مؤرخ 12/11/1948 في المحفوظات الإسرائيلية رقم 70/3771).

وفي تقرير آخر، حديث على انفراد في فندق البريستول بين الصلح وطوبيا أرازي المساعد لإلياهو ساسون والذي كانت للصلح معرفة سابقة به نظراً لوجود أقارب لأرازي في بيروت. استقبل الصلح أرازي «بلطف» كما يقول التقرير، وجرت عملية جس نبض والعمل مع الصلح من أجل سلام بين إسرائيل والمعسكر العربي. (تقريران من إلياهو ساسون بتاريخ 11/11/1948 و12/11/1948، الأرشيف الصهيوني، ملف رقم 70/3771).

إذاً رغم النكبة في فلسطين والتداعيات الرهيبة التي جرّت الويل والتشريد على الشعب الفلسطيني، واصل «بطل الاستقلال العربي» مساعيه السلمية مع العدو. كل ذلك تجاهله سيل.

سيل واغتيال الصلح

لا بأس من الانتقال إلى الحلقة الأخيرة من هذه السيرة وعملية اغتيال رياض الصلح على الطريق إلى مطار عمان عندما كان عائداً إلى بيروت بعد أربعة لقاءات اتسمت بالود بينه وبين من اعتبره الصلح خائناً، أي الملك عبد الله، ولعلّ هذا الأمر الوحيد الذي نوافق الصلح عليه. لن أخوض في التفاصيل والاستنتاجات بشأن لقاءات الصلح مع الملك عبد الله، ولكن أريد فقط أن أفنّد ما ادعاه باتريك سيل وغيره والإشارة إلى ما يأتي:

1 ـ يذكر سيل في أكثر من صفحة من الكتاب أن الصلح كان يعتبر عبد الله خائناً للقضية الفلسطينية وأنه رفض الحديث معه مرات عدة عندما حاول عبد الله الاتصال به، ونتيجة لإلحاح عبد الله عليه بضرورة زيارته لأمر مهم قرر زيارة عمان. بعد الانتهاء من هذا السرد المشوّق يفسر سيل بطريقته البائسة سبب زيارة الصلح إلى عمان قائلاً: «حاول رياض رغم يأسه المتزايد، إنقاذ ما يمكن من حطام القوة والكرامة العربيتين. لم يكن لديه جيش خاص يزج به في المعركة، لكنه حاول جاهداً، مستخدماً دبلوماسيته الشخصية، جمع العرب للقيام بهجوم أخير على الجبهة الفلسطينية بغية استعادة قسم من الأراضي التي انتزعت بسرعة مذهلة» (ص 702). وكانت خطة رياض الصلح في الذهاب إلى عمان تقضي بإقناع الملك بدمج «الفيلق العربي مع الجيش العراقي الذي لم يُهزم بعد، بحيث يتمكنان من استئناف القتال معاً». لقد ذهب رياض الصلح إلى عمان في ظروف سلبية جداً بالنسبة لنفوذه السياسي في لبنان حيث تواصلت تداعيات الزلزال الذي أحدثه قيام دولة إسرائيل، وتعاظم العداء بينه وبين الرئيس بشارة الخوري بحيث فقد سيطرته على الآلية الحكومية وخسر منصب رئاسة الحكومة في شباط 1951. ولم يكن الخلاف بين الخوري والصلح بسبب السيطرة الواسعة لشقيق رئيس البلاد الفاسد الشيخ سليم الخوري الملقب بالسلطان كما يحاول سيل تفسيره، بل إن الصلح كان آخر مَن اعترض على تصرفات «السلطان سليم» بدليل أنه عندما كان يلام على عدم تحركه لوضع حد لتصرفات شقيق الرئيس كان يقول: «إني أفضّل أن يشتغل هؤلاء بالاستثمار وألا يقفوا في صف الاستعمار». (منير تقي الدين، «الجلاء»، دار النهار، بيروت 1997، ص 70، الحاشية الثانية).

2 - إن التبدلات السياسية في دمشق والانقلابات التي أطاحت أصدقاء الصلح من السوريين ومجيء خالد العظم إلى رئاسة الوزارة السورية والقطيعة والكره الشديدين بين الرجلين أسهما أيضاً في دفع الصلح إلى مهمة أخرى مع الملك عبد الله. لقد ذهب الصلح إلى عمان ولم يقع في شرك أعده الملك عبد الله كما يدّعي سيل، فالملك كان يعتبر في قمة الخيانة، وخاصة بعدما نشر المقدم عبد الله التل الضابط في الفيلق العربي بقيادة غلوب باشا في آذار 1950 الوثائق التي تدين عبد الله بالتعاون مع الإسرائيليين ومنع الفيلق العربي من الاشتباك مع الصهاينة. ولكن رغم ذلك ذهب الصلح إلى عمان لا للسعي إلى عمل عسكري عربي مشترك ضد إسرائيل كما افترض سيل الذي فسر اللقاء بين الرجلين «الاستقلاليين» بأنه لأجل فلسطين، وبشّرنا بأنه كان ناجحاً «وخلاصته أن عبد الله طلب مساعدة الصلح لدعم خطة عبد الله عربياً» والقاضية بنوع من الاتحاد والأردن والعراق وكل ذلك في سبيل فلسطين (ص 724). ويكرر سيل رواية أن الصلح أسرّ إلى صحافي كان برفقته بتفاصيل ما دار في لقاءاته مع عبد الله ونجاح مهمته، حتى أنه اتصل بزوجته فرحاً بنتائج اللقاء. لكن السؤال البديهي الذي يعرض نفسه: هل الملك عبد الله بحاجة إلى الصلح وهو في أسوأ وضع سياسي في لبنان لكي يساعده في إقناع العرب؟ على الأرجح أن المحادثات تطرقت إلى إمكان سعي الصلح مع أصدقائه المصريين والسعوديين لتجاوز الاستمرار في إدانة عبد الله لخيانته بعد حرب فلسطين، على أن تعود الجامعة العربية إلى وضع جديد بحيث يتوقف عبد الله عن المطالبة بسوريا الكبرى، المشروع الذي يؤرق المصريين والسعوديين واللبنانيين والسوريين، مقابل الاعتراف بالسيادة الكاملة غير المشروطة للأردن على ما بقي من فلسطين، بما فيها القدس، والدخول في مفاوضات سلام مع إسرائيل، وبذلك يعود الصلح قوياً الى الواجهة اللبنانية. وهذا ما يفسر قول وايزمن في مذكراته إن «الصلح كان في مهمة اتصال سلمي مع اليهود حين اغتيل».

أما عن تفسيرات سيل لمقتل الصلح فهي تعتمد الأسلوب نفسه الذي اعتمده لتفسير أسباب الزيارة. والمشكلة التي واجهها سيل تتلخص في أن الرجلين عبد الله والصلح هما من جماعة بريطانيا. إذاً كيف يمكن تبرير قتل البريطانيين الصلح وهو من الرجال الأوفياء لهم طيلة سنوات عديدة؟ لا بد في هذه الحالة من سيناريو جديد لإسباغ الصفة الوطنية على نهاية «مناضلين من أجل الاستقلال العربي» فكانت فتوى سيل على الشكل الآتي: «ربما نفذ أعضاء الحزب القومي الجريمة، لكن عبد الله وغلوب باشا هما، دون ريب، اللذان وفّرا الوسائل والفرصة لارتكابها» (ص 732). يريدنا سيل أن نعتقد أن بريطانيا التي منح رياض الصلح مندوبها في لبنان الجنرال ادوارد سبيرس «الجنسية اللبنانية وشرف اعتباره مواطناً لبنانياً وأغدق عليه من التكريم ما لم يغدقه على أجنبي» (يوسف سالم «خمسون سنة مع الناس» ص 252) فيما منع جواز السفر عن مواطن لبناني هو أنطون سعاده، كافأت هذا الرجل بالاغتيال!

ننتقل إلى الرواية الثانية التي حاول فيها سيل أيضاً هذه المرة اتهام الإسرائيليين بأن لهم يداً في مصرع الصلح. يتحدث سيل بطريقة تدعو للشفقة ناقلاً عن حفيد رياض الصلح السيد رياض الأسعد أن سبيرو وديع، الذي شارك في قتل الصلح، «هرّبه البريطانيون إلى أميركا اللاتينية عبر إسرائيل» (ص 730). عجباً! كيف وصل هؤلاء إلى هذا الاكتشاف العظيم؟ لا مصدر ولا وثيقة، إنه علم الغيب على ما يبدو. نقول للسيد سيل وصحبه إنه كان عليهم قبل اعتماد هذه التهمة أن يطّلعوا على ما ذكره شقيق سبيرو وديع عن أخيه في مقابلة مع جريدة «الهلال» الأردنية الأسبوعية، وهو الآتي: إن سبيرو وديع نقولا موسى هو من مواليد قرية سمخ في الشمال الفلسطيني عام 1927، استقرت العائلة عام 1933 في الأردن، وكان سبيرو على علاقة جيدة برفيقه محمد أديب الصلاح، وكان هو صاحب سيارة الهدسون التي استعملها مع رفاقه في عملية مصرع الصلح. وإنه بعد مصرع الصلح هرب سبيرو ورفاقه إلى منطقة المحاجر المهجورة التي كانت تقع قبالة مستشفى ماركا العسكري. وفي تلك المنطقة حصلت مواجهة عنيفة مع أفراد الأمن، جرح خلالها محمد وميشال جروحاً خطرة. ويضيف شقيق سبيرو: «قال محمد وميشال لأخي «اهرب أنت ونحن نتصدى للمجابهة»، هذه المواجهة التي قتل فيها ميشال الديك. وحينها التجأ سبيرو إلى بدوي من قبيلة الدعجة يدعى فارس الهزاع الذي أمّن ملجأً لسبيرو مدة خمسة عشر يوماً في مغارة، وفي تلك الأثناء لم تترك قوات الأمن مكاناً إلا بحثت فيه عن سبيرو دون أن تستطيع القبض عليه». ويكمل: «ألقي القبض على والدي وأخي جول، الذي كان ملازماً أول، وسُجنا ما يقارب الأربعين يوماً. وخلال تلك الفترة تمكن سبيرو من الهرب مشياً عن طريق سيل عين غزال ووصل إلى الزرقاء عند صديقه إبراهيم أبو جوده فأودع لديه المسدس الذي استعمله في الاغتيال، وساعده بعض الأصدقاء على الهرب إلى سوريا، عبر الاختباء في صهريج بنزين فارغ. بقي في سوريا ما يقارب العامين، وحصل سبيرو على جواز سفر شخص متوفى يدعى سليم إبراهيم منصور، وتسمى سبيرو باسم صاحب الجواز، وغادر إلى البرازيل حيث عمل بالتجارة وتزوج برازيلية. وزارته شقيقته. وتوفي عام 1978. (الحديث في الموقع التالي: www.alhilal.com.jo/111 ـ invest.htm)

هذا بعض من نماذج التزوير في كتاب السيد سيل. ولكن مهلاً وعذراً للتطويل. إذ أريد أن ألفت نظر سيل قبل اتهام البريطانيين أو الإسرائيليين بعلاقتهم بقتل الصلح، إلى ما كتبه هو شخصياً في الصفحة 621 من كتابه لنرى من كان يقدم المعلومات ويتبجح بقتل أبناء بلده ومحاربة الشيوعيين أمام السفير البريطاني في بيروت. يقول سيل: «عندما أصبح ـ الصلح ـ رئيساً للوزراء، أخذ ينظر إلى الحزب ـ الحزب الشيوعي ـ كقوة مثيرة للفوضى. في 18 تشرين الثاني 1947، على سبيل المثال، عندما هاجم متظاهرون في زحلة مخزناً للقمح احتجاجاً على نقص الطحين، استدعى رياض الجيش وأطلق الجنود النار على الحشود، فقتل ثلاثة أشخاص وجرح العديد غيرهم. دافع رياض عن نفسه في مجلس الوزراء، ودان الشيوعيين لأنهم حرّضوا على الاضطرابات... وقرر اتخاذ تدابير قاسية ضد الحزب، كما أبلغ إلى السفير البريطاني في بيروت، وليم هوستن بوزوال، في أوائل سنة 1948 أنه أقفل المقر الرئيسي للحزب الشيوعي، وجمعية الصداقة اللبنانية ـ السوفياتية، ونقابات العمال التي يقودها الشيوعيون برئاسة مصطفى العريس، الذي كان يعتبر محرضاً على الاضطرابات المتكررة».

ما علاقة السفير البريطاني بهذا الموضوع؟ سؤال بريء، والأدهى من ذلك أن سيل برر تصرف الصلح الديموقراطي جداً بقوله: «من الواضح أن قيام رياض الصلح باتخاذ مثل هذه التدابير القمعية غير المعهودة، يظهر تأثّره بمناخ الحرب الباردة في ذلك الوقت» (ص 621).

الخلاصة

إن جميع الاستشهادات التي أشرت إليها هي موثقة ومن مصادرها، ولم أعتمد أسلوب التأويل واختراع الحكايات كما اعتمد سيل. والموضوع بالنسبة لي ليس أن ينشر سيل أو غيره كتباً أو مقالات مدفوعة الأجر، إنما الأمر الأساسي هو أن تاريخنا، الحديث منه على الأقل، يجب ألا تكون كتابته وقفاً على كَتَبَة يتقاضون المال لقاء نصوص مزوّرة. هل التاريخ العربي بحاجة إلى أشخاص مثل باتريك سيل وبرنارد لويس وفؤاد زكريا وتوماس فريدمان وفؤاد عجمي وغيرهم ليحددوا لنا كيف يكون النضال من أجل حريتنا؟ للأسف عملية غسل دماغ الناس وتصوير الجريمة بأنها فضيلة والخيانة بأنها نضال، عملية مستمرة. ولكن على أية حال، أقول للسيد سيل الذي نشر عام 1992 كتاباً عن أبو نضال قائد فتح ـ المجلس الثوري بعنوان «أبو نضال بندقية للإيجار»: اسمح لي أن أستعير منك العنوان لأقول «باتريك سيل قلم للإيجار»، وآمل أن تقبل ذلك، وأعدك بأنني لن أطلب منك التصفيق.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017