إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

القضية (*)

سهيل رستم

نسخة للطباعة 2012-04-19

الارشيف

منذ فكر سعاده في إنشاء الحزب السوري القومي الاجتماعي، حدد القضية التي أنشأه من أجلها وثبتها في مبدأين من مبادئ الحزب الأساسية، ووضحها في خطابات ومقالات عدة، وشدد أن تكون القضية التي يحملها الحزب معبرة عن حاجات الأمة ومصالحها وإرادتها، وأن تكون دافعاً للعمل الجاد لنهضة الأمة وارتقائها، فقال في خطاب أول آذار 1936 – الجزء الرابع من آثاره: " وإن تأسيس قضيتنا القومية في مبادئ الحزب السوري القومي التي كنت حريصاً جداً أن تكون معبّرة عن حاجاتنا ومصالحنا وإرادتنا، أنقذنا من حالة اليأس، وبدّل من حالة التخبط حالة الجلاء والعمل الجدي المنظم ".

وبوضوح القضية لم تعدّ الحركة القومية حركة سياسية فقط، ولا استجابة لأحداث آتية أو مؤقتة، كما أنها لم تعدّ حركة جزئية في المجتمع، بل هي حركة الأمة كلها التي أدركت حقيقة وجودها ومصالحها الكلية، فقال سعاده في خطابه السابق: " فالقضية السورية القومية وضعت حداً للفوضى السياسية والاجتماعية، فلم تعد الحركة القومية مجرد انتفاض على الإرادات الأجنبية، أو حركة جماعة مسيحية أو جماعة إسلامية، بل حركة أمة أدركت مصالحها وحقيقة حياتها فأرادت هذه القضية وعملت لهذه الحقيقة "، وقضية الحزب واضحة في مبادئه التي رافقت تأسيسه، وفي كل قواعد الفكر القومي الاجتماعي ومرتكزاته، وعبّر سعاده عن ذلك في (ذكرى التأسيس الحادية عشرة) عام 1943، الجزء الحادي عشر من آثاره، فقال: " إن أساس قضيتنا هو في عقيدتنا المقدسة – في مبادئنا "، إذ كان سعاده قد ثبت مفهوم القضية الشاملة الأمة كلها، وخصوصية القضية واستقلالها في المبادئ الأساسية للحزب، ونصّ المبدأ الثاني على أن " القضية السورية هي قضية قومية قائمة بنفسها مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى " ونصّ المبدأ الثالث على أن " القضية السورية هي قضية الأمة السورية والوطن السوري " فأخرج القضية من حالة التجزئة أو الانفلات، أو العمومية، ومن مجال التأويلات السياسية، إلى حالة واضحة تخص الأمة السورية، وهي وحدها صاحبة هذه القضية، وفق هذا التحديد فإنه لا يحق لأية جهة أو دولة أن تقرر مسائل تتعلق بالقضية السورية، وبالمجتمع السوري الذي له وحده حق تقرير شؤونه القومية، فالقضية هي قضية كل المجتمع وقضية حياته وارتقائه، فيقول سعاده في (المحاضرة السادسة من كتاب المحاضرات العشر): " القضية هي قضية المجتمع لا قضية الفرد، لكل فرد منهم قضية تختلف عن قضية الفرد الآخر أو الأفراد الآخرين، القضية هي قضية حياة المجتمع ومصير المجتمع، قضية ارتقاء المجموع أو انحطاط المجموع، قضية جمال حياة المجتمع لا قضية جمال حياة الفرد ".

وبالتالي فإن القضية التي تعني كل المجتمع، لا يحق لفرد أو أفراد منه البت فيها أو تعريضها وإخضاعها لمصالح فردية، أو نظرات فردية، وهذه القضية التي يعبر عنها الحزب ليست قضية تتعلق بشؤون آنية أو مؤقتة، أو بشؤون جزئية، إنما هي قضية المجتمع المستمرة إلى آفاق لا تحد، تنمو وترتقي ما دامت الحياة مستمرة في المجتمع، وما دامت ترتقي مطالبه العليا، إذ يقول سعاده في (المحاضرة الأولى من المحاضرات العشر): " إن هذا الحزب يشكل قضية خطرة جداً وهامة جداً هي قضية الآفاق للمجتمع الإنساني الذي نحن منه والذي نكون مجموعه "، كما أوضح سعاده في المحاضرة ذاتها وفي سياق تعرضه للتغيير أن الحزب يعمل ويحارب من أجل قضية واضحة تعني المجتمع وحريته ونظامه وارتقاءه وإنه لا يعمل من أجل أفراد أو جماعات فيه، أو من أجل جزء منه إنما للمجتمع كله بكل مكوناته، فقال: " نحن لم نحارب ولا نحارب من أجل أن تكون لنا ولغيرنا حرية فوضوية تخدم ذات الأفراد المرضى في نفوسهم، بل حاربنا ونحارب من أجل قضية واضحة وإقامة نظام جديد "، ومن ضمن ما تعنيه قضية الحزب، فهي تعنى بالقيم والمثل العليا في المجتمع، وبالمناقب والأخلاق الاجتماعية، إذ يقول سعاده في مقالته (امتطاء الخصوصيات على العموميات) عام 1943، الجزء الحادي عشر من آثاره: " إن قضية النهضة السورية القومية الاجتماعية هي قضية نهوض بالأخلاق والمناقب قبل كل شيء ".

وعندما شكك بعض الرفقاء فيما تعنيه القضية القومية ونظرتها إلى القيم، أوضح لهم سعاده في (المحاضرة الأولى من المحاضرات العشر) أن قضية الحزب فيها كل القيم وكل الحقيقة، فقال: " إن هذه الحقيقة التي لأجلها نجابه كل الأخطار من كل نوع هي حقيقة أن قضيتنا فيها كل الخير وكل الحق وكل الجمال وكل الحقيقة وكل العدل للمجتمع الإنساني " ويتابع في المحاضرة ذاتها، فيقول: " لا بأس أن نكون طغاة على المفاسد لأن قضيتنا ليست إلاّ قضية الحق والخير والجمال وليست هي ما يحتمل أن يكون حقاً أو لا يكون " فالقضاء على المفاسد يعني حتماً إعلاء شأن الفضائل والقيم، ولأن الصراع في المجتمع قائم بين المثالب والمفاسد من جهة، وبين القيم والفضائل والمثل من جهة أخرى، فكلما ضعفت المفاسد نتيجة هذا الصراع قويت القيم والفضائل، والعكس صحيح، فحرب الحزب الدائمة على المفاسد لا يعني إلاّ أن له قضية فيها كل القيم والفضائل، والتي يعمل على تعميمها في المجتمع بقصد نموه وارتقائه، ويوضح سعاده للمشككين بقضية الحزب، ولجميع القوميين، ولغيرهم أيضاً، أنه إذا لم يكن للحزب قضية تعني وجود المجتمع فلا حاجة لهذا الحزب ولا مبرر لتنظيماته، فيقول في (المحاضرة) السابقة: " إذا كنا لا نؤمن أن لنا قضية صحيحة كلية نريد تحقيقها، فلما إذاً هذا الحزب، وهذه الأنظمة وهذه الروابط " ويتابع في (المحاضرة) ذاتها فيقول: " إذا كانت لا توجد لنا قضية تعني كل وجودنا فلا حاجة لنا للقول بالحزب السوري القومي الاجتماعي، نحن في الحزب لأننا في قضية تجمعنا، من أجلها نقف معاً ونسقط كلنا معاً، والوقوف معاً والسقوط معاً في حركة قوية إما أن نكون غالبين أو نكون مغلوبين، يعني، بما لا يقبل الشك أننا نؤمن بقضية أساسية جوهرية "، ويرى سعاده أن مصير الشعب يتوقف على إدراكه لوجوده وتعيينه قضيته ووعيه لها، ولا يمكن لأي شعب أن يتقدم ويرتقي إلاّ بإيمانه بقضية تعبر عن تطلعاته وطموحاته وروحيته، ومعنى وجوده، فيقول في خطابه في (الحلقة الاجتماعية في الحدث) عام 1949، في الجزء السادس عشر من آثاره: " إن مصير هذا الشعب يتوقف على وعي الشعب وإرادته، وإنه يتوقف على وعي منبثق منه لقضية تكوّن أساس حياته وغاية حياته".

فالأمة بلا قضية لا يمكنها أن تتخلص مما فيها من مثالب، ولا يمكنها مجابهة الأخطار التي تواجهها.. وفي توجهه للأمة السورية يقول سعاده في مقالته (خلاص الأمة في وعيها الاجتماعي) عام 1949، في الكتاب السابق: " لا يمكن لسورية أن تتقدم إلاّ بقضية سورية قومية، ولا خلاص للأمة السورية من الفوضى التي هي أشد خطراً على حياتها من اليهود، والتي لم يتفاقم الخطر اليهودي إلاّ بفضلها "، وفي كلمته في (مكتب منفذية دمشق) عام 1949، المنشورة في الكتاب السابق يوضح أن القضية ليست لجزء أو أجزاء من الأمة، لأنها قضية الأمة كلها، لنهضة الأمة كلها، فيقول: " القضية القومية ليست قضية منافسات بين أجزاء الأمة، بل قضية نهضة قومية واحدة تبحث وسائل تحقيقها ضمن الأمة كلها باعتبارها كلاً وليس باعتبارها أجزاء، وكل الوسائل لتحقيق القضية تؤخذ بعين الاعتبار على أساس فاعليتها "، وفي مقالته (مجموع أشخاص يساوي قضية شخصية) عام 1949، في الكتاب السابق أيضاً، يعالج سعاده مسألة القضايا الشخصية وموقعها من القضية القومية، وافتراق القضايا الشخصية عن القضايا القومية، فالقضايا الشخصية ترتكز إلى قواعد وعوامل تتعلق بالأشخاص، وتطلعاتهم ومراميهم وأخلاقهم، بينما القضايا القومية ترتكز إلى مبادئ وقواعد تشمل الأمة كلها، وتؤدي إلى خير المجتمع كله، فيقول في مقالته: " وليست قضية الأمة مجموع قضايا شخصية، فقضية الأمة هي قضية غاية ومبادئ قومية كلية، ولا يمكن أن تسير أمة إلى الفلاح والمجد إلاّ عن طريق قضيتها الكلية " ويعتقد سعاده أن شعباً بلا قضية أو شعباً غير مدرك لقضيته، فإن مصيره يتجه غالباً إلى الأسوأ ويبقى خاضعاً لمعطيات وعوامل وتقلبات لا يد له فيها. فيقول في المقالة السابقة: "ليس أسوأ مصيراً من شعب غافل عن قضيته"، وفي إيضاحه لحركة بعض السياسيين، وتطلعاتهم للاعتماد على الدول الخارجية، أو على الزعامات الشخصية الجزئية يؤكد أن القضية هي في الشعب وسيادة الأمة كلها، فيقول في المقالة ذاتها: " لأن قضية الأمة ليست في إرادات أجنبية ولا في العروش والتيجان الملكية، إنها في الشعب في سيادة الأمة لا في سيادة الأشخاص" ويتابع فيقول: " إن قضية الأمة هي في نهضتها وتقرير مصيرها بإرادتها، إنها مبادئ وجودها وحياتها وغايتها العظمى"، كما بين في مقالته تلك خطر الغايات الخصوصية على المجتمع ونظامه وقضيته وتقدمه، فقال: "إن فوضى المقاصد الشخصية والغايات الخصوصية تمنع تولد الثقة بحسن المصير، إنها تبقي الشعب بلا قضية واحدة صحيحة وبلا نظام يجمع أمره، وبلا إيمان يدفعه إلى الأمام"، وفي ذات المقال أيضاً يحرض نفسه لكي يعي قضيته الكلية، ولكي يرتقي بالقضية من كونها قضية أشخاص إلى كونها قضية قومية شاملة المجتمع كله، فيقول فيها: "الشعب، يجب أن ينتزع مصيره من أيدي الأشخاص وأن يرفع قضيته فوق القضايا الشخصية والجزئية، يجب على الشعب أن يعرف قضيته القومية الاجتماعية، وأن يحارب في سبيل تحقيقها، فلن يحقق قضية الأمة غير الأمة" ويختتم مقالته بقاعدة تقول: "مجموع أشخاص يساوي قضية شخصية، أما الأمة فهي واحدة ولها قضية واحدة هي القضية القومية الاجتماعية".

ويرى سعاده أن قضية الحزب المؤسسة على مبادئ وقواعد واضحة، لم تكن قضية مفروضة قسراً ولا هي حلم راوده في وضعه قواعد الفكر القومي الاجتماعي، وهي ليست أماني ورغبات، أو نظرة غيبية لأنها قضية أمة موجودة على أساس النواميس الاجتماعية، وفهم للوجود الاجتماعي، والحياة الإنسانية. فيقول في مقالته (العروبة كقوة إذاعية) عام 1942، في الجزء التاسع من آثاره: " إن القضية التي يحملها الحزب السوري القومي هي قضية أمة موجودة بالقوة على أساس النواميس الاجتماعية "، فهي قضية تعبر عن واقع وجود، وحقيقة وجود، وليست صناعة وجود وهمي.

(*) من كتابه " الفكر القومي الاجتماعي: مفاهيم، قواعد ومرتكزات " الصادر عن " دار فكر ".


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017