إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الأصوليات لا تُحارَب بأصوليات أخرى والبيئة الحاضنة لا تهزمها بيئة حاضنة أخرى!!

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2014-06-13

الارشيف

لا يكفي أن نوجه سهام النقد والتشهير نحو الجماعات الأصولية التكفيرية، وكفى الله المؤمنين شر القتال! هذه الاستسهال الإلغائي لا يشرح للمواطن العادي كيف استطاعت تلك الجماعات أن تخطف الأحداث السياسية والأمنية في دولنا السورية والعربية، في ظل عجز فاقع لمؤسسات الدولة من جهة ولقوى المجتمع المدني من جهة أخرى.

من أسهل الأمور أن نطلق على الأصوليين التكفيريين صفات الإرهاب والتوحش والعمالة وما إلى ذلك. هل نذكر كيف كنا نصف الدولة الصهيونية بأنها مجموعة من "شذاذ الآفاق" إلى أن إستولى اليهود على فلسطين كلها، وعلى غيرها من المناطق السورية؟

الجماعات الأصولية التكفيرية تحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية كي تنمو وتنتشر وتنتصر (ربما؟): أولاً، الفكر الإيديولوجي المستند إلى تفسير غيبي متطرف لأصول الدين، أي دين على الإطلاق. ثانياً، بيئة حاضنة لذلك الفكر تشكل الخزان البشري المؤيد والمقاتل. ثالثاً، دعم إقليمي أو دولي يساند تلك الجماعات إما بعامل التقارب الإيديولوجي أو للتوظيف في صراع المصالح القومية.

يحتل عنصر البيئة الحاضنة مكانة محورية في انتشار الحركات الأصولية، حتى في ظل غياب الدعم الخارجي. فالفكر الإيديولوجي وحده لا يصنع حركة فاعلة ذات استمرارية، والدعم الخارجي يحتاج دوماً إلى قاعدة بشرية جاهزة لتلبية متطلباته. وهذا يعني أننا بصدد واقع روحي ــ مادي (مدرحي) يتعلق ببنية المجتمع من حيث المصالح الاقتصادية والمعتقدات. ومن المستحيل معالجة الأبعاد المدرحية للبيئات الحاضنة بالأساليب الأمنية فقط.

خلال السنوات القليلة الماضية كانت الأطراف الفاعلة في منطقتنا تواجه الأصولية المتطرفة بأصولية مماثلة، لكن من منطلق المقلب الآخر للتنظير الديني. التطرف الإسلامي في مواجهة التطرف المسيحي، والتطرف السني في مواجهة التطرف الشيعي... وهكذا. وإذا كان الدم يستسقي الدم، كما يقول المثل، فإن الأصولية تستدعي الأصولية، يهوديها ومسيحيها ومسلمها وبوذيها وهندوسيها... إلخ!

إن تجذر العنصر الأول المتمثل في الفكر الإيديولوجي الديني يُشرّع الأبواب أمام العنصرين التاليين. فصراع الأصوليات الدينية والمذهبية سيؤدي حكماً إلى تأليب البيئة الاجتماعية الحاضنة ودفعها للإلتفاف حول القوى التي تُشكل الضمانة الأمنية لها في مقابل البيئات الأخرى الحاضنة للفكر الإيديولوجي النقيض، فيدخل المجتمع في حرب عبثية على ذاته لا يستفيد منها أحد سوى القوى الدولية أو الإقليمية المتورطة في الدعم والتسليح والتمويل.

العنصر الأخير، أي التدخل الخارجي، قد يكون مُسبباً في بعض الأحيان وقد يكون محرضاً... غير أنه يظل المستفيد النهائي في جميع الأحوال. لكن ذلك يجب أن لا يعمينا عن الحقيقة المرة وهي أن التدخل الخارجي ما كان ليحدث أو ينجح لولا وجود خلل قاتل في هيئتنا القومية والاجتماعية. منذ أكثر من قرن ورجال السياسة والفكر التقليدي عندنا يحاولون معالجة ظاهرة معينة بنقيضها: العروبة نقيض التتريك، الإنعزالية المسيحية نقيض الإنفلاش العروبي الإسلامي، اللجوء إلى المعسكر الإشتراكي هرباً من عدوانية الغرب الرأسمالي، والعكس صحيح أيضاً... لنصل أخيراً إلى التفتيت المذهبي الدموي كما هو حاصل في أيامنا هذه.

في مجتمع تعددي مثل مجتمعنا، لا مجال قط لمحاربة فكر أصولي بفكر أصولي آخر، ولا بيئة حاضنة ببيئة حاضنة أخرى. على مدى قرون عديدة، وبالرغم من مرور بلادنا بمراحل مختلفة من الاضطهاد والتعصب... لم يستطع طرف ــ أكثري أو أقلوي ــ إلغاء طرف آخر. كل ما جنته بلادنا المنكوبة وقوع المزيد من تلك الفتن الكارثية العبثية. وقد يكون من نافل القول التأكيد مرة أخرى على أن وحدة المجتمع، وفق المنظور القومي الاجتماعي، هي القادرة على تجاوز كل الأصوليات وإعادة سكبها في قالب متحد، وهي الكفيلة بكسر الدوائر المنغلقة حول البيئات الحاضنة فتتحول إلى مدى قومي رحيب، إلى مجتمع ذي نظرة وغاية تعمل لتحقيقهما قوى أدركت حقيقتها الاجتماعية وترسخ فيها الوجدان القومي الراقي.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017