إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

مذكرات الأمين اسد الأشقر

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2022-06-30

إقرأ ايضاً


رئيس الحزب اكثر من مرة الاديب والمؤرخ والمناضل القومي الاجتماعي الذي سطر في تاريخ الحزب مواقف لافتة يجب ان تعرف .

ننشر الحلقات الصادرة عن مذكرات الأمين اسد الأشقر وتباعا معتذرا عن التأخير بنشرها لاسباب صحية وندعو عائلة الأمين اسد الى اعداد النبذة الغنية عن الرفيقة المميزة اللافتة بشخصيتها وحضورها ونضالها وتضحياتها رؤوفة الأشقر اذ لا يصح ان لا يكون لها بصمة غنية في أرشيف تاريخ الحزب.

ل. ن.

*

قدم الأمين غسان الأشقر على صفحته (الفايسبوك)، هذه الحلقات بالكلمة التالية:

اليوم 13 حزيران ذكرى مرور 36 سنة على وفاة الوالد.

واليوم نبدأ بنشر بعض فصول من مذكراته. وكما قلت سابقاً سأنشر بعض الفصول التي أراها مهمة وتساهم في اغناء فكر النهضة، وفهم المرحلة الحالية وكيف نواجه تداعياتها.

1- المراحل التي مرّت بها الأمة والنهضة، من التبشير والتنظيم الى التنفيذ – اعلان الزعيم الثورة .

قبل ان نفهم النهضة السورية القومية الاجتماعية فهماً عميقاً شاملاً، لا يمكننا ان ندرك النتائج والمعاني البعيدة التي تستهدفها هذه النهضة. من مفاهيم هذه النهضة الأساسية تنبثق جميع المعاني الكبرى التي تعبر عنها النهضة في صراعها على جميع جبهاتها وفي مختلف ميادينها وصورها وأشكالها وظروفها.

فالنهضة السورية القومية الاجتماعية بحركتها الثورية الفعلية الشاملة في لبنان، وفي سائر دول البيئة الطبيعية، وبإشعاعها على العالم العربي، تكوّن حلقة تاريخية رئيسية في الدورات الحضارية الخلاقة الكبرى التي قامت بها الأمة السورية عبر التاريخ، من سومر واكاد وبابل الى دمشق الأموية وبغداد العباسية. وهذه الدورات الرئيسية هي الآتية :

أ) الدولة السورية – الأكادية التي تزّعمها سرجون الأول في 2300 قبل المسيح: انهت عصر الدويلات – المدنية الضيقة المتذابحة على قطعة من الأرض وقطيع من الماعز، وحررت البيئة السورية كلها من هذه العقد الاجتماعية – السياسية الصغيرة فاتحة المجالات الواسعة والطرق البعيدة للنشاط السوري الحضاري، وأوصلت ذلك النشاط الى قبرص شاملة جزءاً من البحر السوري، هذه الحركة الثورية الخلاقة كانت الأولى من نوعها في العالم، كشفت عن الأفق القومية والانسانية وخلقت انساناً سورياً جديداً ترتاح نفسه وتزدهر حياته في الرحابة، وتفتح لفكره ولتوقه أبواب الدنيا المغلقة.

ب) الدولة البابلية – الحمورابية: وهي التي جددت تلك الدورة الحضارية بعد ان خربها البرابرة "الغوثيون" وتوجها حمورابي بالانتاج العبقري السوري الجديد وهو الشريعة الأولى في العالم، القادرة ان تقوي وحدة هذا المجتمع القومي - الانساني الكبير، وتقيه من بقايا التأويلات التقليدية البالية، المستمرة من عصر الدويلة – المدنية المنقرض. وقد استمرت شريعة حمورابي معمولاً بها في سوريا والعالم القديم جميعه حتى الامبراطورية الرومانية التي غيرت الشرائع بمساعدة العناصر السورية اليونانية والمصرية الداخلة في الامبراطورية الرومانية.

ج) الدولة الصورية- الفينيقية: التي كانت في مياه المتوسط وشطآنه ما كانت دورة سرجون وحمورابي في البر السوري الكبير، الشامل في امكانياته الحضارية الانسانية خليج العجم وخليج ايسوس (اسكندرون) وخليج العقبة، والبحر الفينيقي الكبير (المتوسط). وفي هذه الدولة البحرية، الاولى من نوعها في التاريخ، اعطت سوريا قواعد الحياة البحرية للعالم بعد ان كانت أعطته قواعد الحياة البرية. ولولا العقلية الأشورية "السبارتية" التي سيطرت على سوريا لكانت وصلت الرسالة السورية الى العالم على اكمل وجه، ولكانت قبضت سوريا على مصير العالم بفكر ايجابي ونفسية انسانية محبة.

د) الدولة الرابعة كانت دولة آشور والبابلية الجديدة من أوائل القرن الثالث عشر حتى 539 ق.م. وهي دولة جبارة تفوقت فيها الأمة السورية عسكرياً وسيادة وتوسعاً حتى شملت امبراطوريتها العالمية قسماً كبيراً من آسيا الصغرى ومصر وشمالي الجزيرة العربية، ولكنها قصرت عن امبراطورية سرجون الأول وحمورابي في النواحي الاجتماعية والقومية والفلسفية والعلمية والروح الانسانية. فالنفسية الأشورية انغلقت على نفسها في الروح العسكرية المتفوقة وتحجرت في نوع من النظام العسكري الذي تقولبت فيه اسبارته في القرن الثامن ق.م. ذلك الانغلاق القاسي كان غريباً عن النفسية السورية المنفتحة. ذلك كان سبباً في تبدد المجهود الفينيقي العالمي، لأن الدولة الفينيقية المدنية الصغيرة كانت عاجزة عن ان تحمل أعباء الامبراطورية البحرية العالمية التي اسستها، ولذلك انشقت قرطاضة عن صور- الأم وخسرت المرتكز السوري في صراعها مع روما، مما أدى الى انهيارها.

ه) والدولة السورية الخامسة هي الدولة المسيحية – الأرامية: لكي تواجه سوريا الفتوحات النصف – بربرية، الساحقة: الفرس والمقدونيين والرومان، ولكي تعوض عن عدم مواجهتها القوة بالقوة، الحديد بالحديد والنار بالنار، انعكفت على نفسها وعادت تسبر أغوار عبقريتها. فكان منها أن اطل المسيح على العالم الذي انتصر فيه المقدونيون الرومان، واطلق القوى الروحية السورية العزلاء من السيوف والدروع لتخضع للروح جميع قوى المادة، وبعد قرون ثلاثة أرغم قسطنطين، صيانة "للامبراطورية الرومانية، فانتصرت الروح السورية من جديد على عالم المتوسط وجميع العالم القديم.

و) والدولة السورية السادسة هي الدولة العربية – الاسلامية أو الدولة الآرامية –العربية.

فالآرامية أسهمت في الدولة المسيحية اذ وقفت في وجه المقدونية - الرومانية التي شاءت تسخير المسيحية لمطامعها الاستعمارية كما فعلت، بعد قرون، السلجوقية – العثمانية بتسخير "الاسلام" لبربريتها.

ثم أسهمت الارامية بالتمهيد لمجيء الرسالة العربية - الاسلامية: عندما المقدونية – الرومانية المستعمرة، المجسدة في عبقرية قسطنطين الكبير تمكنت من استغلال المسيحية وتحويلها عن خطها الثوري الاساسي، وعادت هذه المقدونية – الرومانية تستأنف سيرها الاستعماري في سوريا ومصر وآسيا الصغرى، لا يقف في وجهها الا الارامية كلغة وثقافة، والنسطورية والمونوفيزية كمذهبين سوريين مصارعين، كان لا بد من حركة انقاذية جديدة.

وفي هذه المرحلة الدقيقة الحرجة كانت الآرامية النشيطة، المصارعة، قد اتجهت نحو الجزيرة العربية، منبع الساميين وقواهم البشرية الذي لا ينضب.

ز) والدولة السورية الحضارية السابعة هي دولة سعاده، دولة النهضة السورية القومية الاجتماعية. وقد كانت هذه النهضة أعمق الدورات السورية وأشملها وأدقها فهماً لمعاني النفس السورية وأوضحها تشخيصاً لهذه المعاني الغنية. ولسنا في هذا المجال لنوضح رسالة سعاده الاصلاحية في جميع مراحلها وحقولها الاجتماعية والقومية، والعربية الانسانية، ذلك يأتي في دراسة مطولة خاصة، الا اننا نريد أن نعطي لمحة مختصرة واضحة عن سير هذه النهضة من استشهاد سعاده الى آخر سنة 1961، وان نعين، بصورة خاصة، المرحلة التي تجتازها النهضة في هذه الظروف. قلنا سابقاً، ان اعلان سعاده الثورة القومية الاجتماعية الاولى واستشهاده فداء عن الأمة، يعني بوضوح لا يقبل التأويل دخول النهضة السورية القومية الاجتماعية مراحل التنفيذ والتحقيق، مع المثابرة الدائمة طبعاً على التبشير والتنظيم .

*

الفصل الثاني

قال الزعيم سعادة: "ان الحزب السوري القومي الاجتماعي هو دولة الأمة السورية" لم يكن الزعيم رمزياً في خطابه، بل كان واقعياً، يعني كل كلمة في كلامه. الحزب هو دولة الأمة الجديدة. ولكن هناك دولة لبنانية شرعية وقائمة فكيف نفهم نحن هذه الدولة اللبنانية والدول الأخرى القائمة في سوريا الطبيعية، وكيف نفهم دولتنا القومية الاجتماعية التي اعلنها الزعيم بكلام واضح صريح، لا لبس فيه ولا ابهام. أيمكن ان تقوم دولتان في بلد واحد؟ يعني زعيم النهضة القومية الاجتماعية ان الدول القائمة في سوريا الطبيعية، هي من مخلفات الامبراطورية العثمانية في مفاهيمها وفي الرجال القائمين عليها، وهي لا تليق بالشعب السوري، لا بتاريخه، ولا بمواهبه الأصيلة، ولا بحاضره ولا بمستقبله.

هي دول لا يعني بقاؤها الا زوال الشعب، ويعني زوالها نهوض الشعب وتجدده. واعلان الدولة القومية الاجتماعية الجديدة يعني بدء الدورة الحضارية الجديدة، وبدء الصراع بين دولة الحياة القومية الاجتماعية الحاملة، في "نظامها الجديد" وفي ايمان أبنائها، كل معاني النهوض والتجدد والتفوق والبقاء، وكل تاريخ الأمة السورية وعظمتها الماضية وكل حيويتها العبقرية الطامحة الى التجدد والخلود . هي دورة الصراع بين الحياة الجيدة، المجيدة، العظيمة، وبين الموت الذي يجر أذيال الخيبة واليأس. فبقدر ما تنمو النهضة وتشق طرقها الى وجدان الشعب وعقله وقلبه تكون سرعة انهيار مواليد الامبراطورية العثمانية وبقاياها. ان للدولة القومية الاجتماعية الجديدة التي أعلنها الزعيم سعاده نواميس ومفاهيم اجتماعية وسياسية، ومراحل انشاء وبنيان، وتنفيذ وتحقيق خاصة بها، وبكل دولة منبثقة من نهضة قومية من نوعها. فاذا لم يدرك المؤمنون بالحياة الجديدة "والنظام الجديد" معاني هذه النواميس والمفاهيم، وانواع تلك المراحل المقبلة عليها، فانهم يعرضون النهضة ودولتها الى مخاطر مخيفة، وتفلت من ايديهم ظروف وأحداث قد لا يؤاتيهم مثلها الا بعد ازمنة طويلة. تمر النهضة ودولتها، في حقبتها الأولى، في مرحلة الوعي والادراك والايمان، تقوى وتنمو وتترسخ حتى تتبلور في نظام جديد يجسد كل المفاهيم والقيم والفضائل الجديدة، فتتوضح الأهداف والمثل العليا، يحياها المؤمنون جميعها، ويتوقون لأن يحياها الشعب جميعه معهم لتكتمل الحياة القومية الاجتماعية وتصبح واقعاً شعبياً حقيقياً. المرحلة الأولى هي مرحلة انفعال وايمان بالمصالح. المرحلة الثانية هي مرحلة الصراع الخلاق، والايمان المبدع، والمعرفة المولدة، والحق المنتصر على الباطل. فالوعي والادراك والايمان بالمفاهيم والقيم والفضائل والمثل العليا الجديدة، اذا لم تتحول جميعها الى قوة خلاقة، بنائة، مبدعة، منتصرة على الباطل، تحولت النهضة ودولتها الى نوع من الرهبنات الصوفية التي تمارس معتقداتها منغلقة على نفسها، متنازلة عن الأهداف الاجتماعية الاصلاحية الكبرى التي خطها صاحب الرسالة. ويتحول ايمانها الى نوع من العصبية المذهبية تجد فيه تعزية ضعيفة لعجزها ويأسها. فالنهضة القومية الاجتماعية في مرحلتها التحقيقية التي اعلنها سعادة في الثورة القومية الاجتماعية الأولى سنة 1949 لا يقبلها القوميون الاجتماعيون الا خلقاً قوياً متحدياً، وابداعاً بنّاءً فذاً.

فهي حياة جديدة، والحياة الجديدة منذ وعت نفسها في الأمة السورية، منذ نحو اربعة آلاف سنة، وجدت نفسها مدفوعة من داخلها الى الخلق والابداع والتفوق. هكذا كانت دولة سرجون الأولى وحمورابي العالمية. اخرجت الانسان السوري من طوق الدويلة الخانق الى آفاق الشخصية القومية الكاملة الرحبة، حيث يشعر الانسان الجديد ان هذه الدنيا الجميلة، والامكانيات الغنية، والقلوب والعقول الملايين مفتوحة أمام توقه وطموحه. لم يكن الابداع السوري منذ البداية أفكاراً ومبادئ تدون بين دفتري كتاب للدرس والتأمل، ولم يكن أكاديمية يونانية فلسفية تعلم أفراداً معينين خلقت المذاهب الفلسفية وانتظرت المقدونيين والرومان ليتحكّموا بمصيرها ويتسلطوا على شعوبها، بل كان تجسيداً حيّاً في المجتمع، فتتجسد وحدة قومية حضارية تشع على العالم بفكرها وعمرانها الزراعي، والصناعي والتجاري وبشريعتها ونظرتها الى الكون والحياة والفن.

فالنهضة القومية الاجتماعية، بعد ان رسخت عقيدتها ونظامها الجديد في عشرات الالوف من المؤمنين، وفي مئات الالوف من المحبذين والدائرين في فلك فكرها ومبادئها ومفاهيمها، قد انتقلت الى مرحلة الخلق والتحقيق، وفي هذا الميدان المجتمعي الكبير ستظهر حيوية الأمة المتجددة وعبقريتها الخلاقة. فالقومية الاجتماعية هي من الآن فصاعداً خلق متواصل، وابداع مستمر وبناء دائم، وتحد لبقايا الانحطاط تريد ان تدمرها اينما وجدت: بالكلمة المبشرة، بالصراع البطولي، بمواجهة الأحداث وتسخيرها لمصالح الأمة، بالتغلب على جميع المصاعب المعترضة طريقها، بدفع الأمة الى الأمام في سير تقدمي لا ينتهي...

*

لو رافقتنا الانسانية في جميع مجتمعاتنا الخلاقة لوجدناها متحركة الى الأمام بصواريخ العبقرية الدافعة، وجامدة مجترة في حقبات العقم وقوة الاستمرار البلهاء، ومتقهقرة عندما يجبن القلب، وتنعكس مقاييس الوجدان والعقل، ويذر الاقطاع قرون الوحش الرابض في زاوية من زوايا الانسان المهجورة.

الحياة في مجتمعاتها المتبلورة، أو في كلها الشامل الأوسع هي سلسلة من متفجرات الخلق والابداع والفن. وعندما تبطل ان تكون هكذا تعود القهقرة في ادراج الماضي، وتستقر على حضيضها الأول تنتظر نهضة جديدة. فالحركات الثورية الاصلاحية الكبرى، من نوع حركتنا، لا تظهر عادة بعنفها المرغوب، ومثاليتها المتفانية، واساليبها المتحدية، الا عندما يمسي المجتمع على الحضيض، حيث يسود سلطان الاقطاع والمال والكهنة: الاول يسيطر بالأنانية الدنيئة والوحشية الكاسرة، والثاني بالاحتكار وامتصاص موارد الشعب واتعابه، والثالثة تروض بالشعوذة، والسحر هذا الانسان المستعبد ليستطيب التسكع، ويرتضي الاستسلام والفقر والهوان. المبادئ الاصلاحية، والعقل المتحرر المدرك، والوجدان الحي المؤمن، والمؤمنون التواقون الى تحقيق الحرية والعدالة والحق في المجتمع، اذا لم تكن لهم قيادة خلاقة مبدعة، وبطولية مقتحمة آلت النهضة الاصلاحية الى الاختناق في مبادئها وقيمها ومفاهيمها. اذا عجز المؤمنون عن تقديم القادة الموهوبين أمسوا حركة مغلقة بالفعل، وان لم تكن بالمبدأ، وسارت تدريجياً الى الكلل والاجترار والجمود. بولس الرسول لم يؤمن بالمسيحية ليكون ناسكاً متعبداً مصلياً، بل خلاقا لرسولية جديدة، تطوق الدولة الرومانية بسواعد المحرومين البائسين، وتتغلغل في وجدان الأقوياء الظالمين، فتحول بأسمهم الى رفق، وشدتهم الى رحمة، وعتوّهم الى تواضع ولين، فيقرر قسطنطين، خوفاً من المحرومين البائسين، أن تكون المسيحية دين الدولة، وتبدأ دولة الرومان بالانحلال. ذلك كان خلقاً جديداً لمسيحية ترعرعت ضمن دائرة يهودية ضيقة، جامدة، لو كانت حررتها المسيحية من جمودها، ضمن دائرتها المغلقة، لاتخذت شكلاً جديداً من الغرور اليهودي ولتحولت من عاصفة في كأس، الى عاصفة في وعاء كبير. والفكر الخلاق عند هنيبعل لم يكن في اجتيازه جبالاً تغطيها الثلوج، او في تحدي قوة عسكرية باغية فحسب، بل في فكرة تحويل الدولة المدنية الكنعانية الخانقة، الى دولة عالمية، تكبل روما العدوانية وتدمر اجهزتها العسكرية العاتية وتوجه شعوب المتوسط بمبادئها الانسانية وشرائعها الراقية، واذا كان هنيبعل لم يقض على تلك الدولة العدوانية فان المسيحيين من بلاده قد قضوا عليها بعد ان مهد هو لهم طريقة الانتصار. وقوة الخلق عند سعاده لم تكن فقط في ايضاح القضية السورية ووضع مبادئها القومية الاجتماعية واعلان نظامها الجديد، وفي ايضاح اهمية الجبهة العربية وضرورة تحقيقها، بل في بناء مئات الألوف من المؤمنين والمجندين الذين حولوا النهضة الى قوة فاعلة من لحم ودم، تعهدت بتغيير وجه التاريخ. وتغيير وجه التاريخ في سوريا والعالم العربي سيكون، اليوم وفي الغد، ما كان في ماضيه العظيم تغييرا لوجه العالم هكذا كان في الماضي البعيد، وهكذا سعاده المتجسد في وجدان القوميين الاجتماعيين وفي وجدان مئات الالوف من المواطنين. بين سنة 1950 و 1956 سنحت الظروف للحزب في دمشق اكثر من مرة لتسلم الحكم، وانشاء محور الحياة السورية العربية الجديد الذي ينقذ سوريا والعالم العربي من الاسفاف المخجل الذي وقع فيه الانقلابيون في الشام في تلك الفترة الكثيرة الحركة والقليلة البركة. من دمشق تحركت الانتفاضة الاولى في العالم العربي ثورة على الجبناء العاجزين الذين اضاعوا فلسطين، ومن دمشق كانت القدوة لجميع الانتفاضات التي كانت في دنيا العروبة. ولكن فئة النيورجعيين من مدنيين وعسكريين كانت كلما تمّت الانتفاضة الثائرة عادت الى اخمادها بضعف تفكيرها ورجعيتها الجامدة المتظاهرة بالثورية الكاذبة. في جميع الأخطاء السياسية والقومية التاريخية التي ارتكبها الحاكمون في الدول السورية من سنة 1920 الى خسارة فلسطين 1948 كان السوريون (الشاميون) مخلصين في اخطائهم. لقد ضلوا عن الطريق القويم مثل غيرهم، ولكنهم كانوا صادقين في جميع تصرفاتهم، وكانت العروبة المخلصة رائدهم. لم ينافقوا ويراوغوا كحكام لبنان، ولم يكونوا ضعفاء مغترين كحكام مصر، بل كانت العروبة في قلبهم وعلى لسانهم يؤمنون بها، ويعلنونها باخلاص وبراءة لكنهم يجهلون كيف تحقن وكيف يتم انتصارها. لبنان والعراق كانا مسئولين في الدرجة الاولى عن كثير من اخطاء الجمهورية السورية الأخيرة بين سنة 50، 58، وبصورة أخص عن انحرافها عن خط الهلال الخصيب القومي، وتنازلها في تلك الفترة، عن رسالتها الى محيطها والى العالم العربي، لبنان بسلبيته واستسلامه لتوجيهات الغرب وعملاء الغرب من اللبنانيين، والعراق بروحه الشعوبية واعتداده بثروته المادية، وسياسته الاكتفائية الأنانية، وانجرافه في سياسة ايرانية – تركية اكثر منها سورية – عروبية. الحاكمون في لبنان كانوا زنادقة العروبة، يكفرون بها في قلوبهم ويتشدقون بها بأفواههم ويتاجرون بها بدعاياتهم ويخونونها في علاقاتهم مع الغرب. والحاكمون في العراق كانوا "شعوبيين"، متكبرين على السياسة الوحدوية في بيئتهم الطبيعية وكأنهم من سلالة الخراسانيين. هاتان الحالتان الشاذتان في لبنان والعراق بعثرتا الاخلاص السوري، وأوقعتا السوريين (الشاميين) في يأس وعجز، فتحولوا الى "سياسة عربية عامة" قبل ان يحلوا مشاكلهم القومية المحلية. ولم يستيقظوا من غفلتهم وانجرافهم في تيارهم المبدد لزخمهم وحيويتهم الا بعد ان صدموا في الوحدة المصرية – السورية، تلك التي اضعفت الثورة المصرية وشوهت تخطيطها، وخربت الخط السوري الوحدوي في آن واحد. في تلك الفترة التي تبارت فيها مدرسة النيورجعيين، أمثال بشارة خليل الخوري في لبنان، وشكري القوتلى في دمشق، ونورى السعيد في بغداد، في مناوراتها الحقيرة العاجزة، في تلك الفترة مرت فرص الانتصار والانقاذ على النهضة القومية الاجتماعية، فاتها القطار مرات عديدة لأن عناصر القيادة كان اكثرها ما يزال من الهواة البورجوازيين، الذين وهموا ان ميدان الصراع بين النهضة القومية الاجتماعية وبين الاقطاعيين الرجعيين والانتهازيين والرأسماليين والخونة هو المجلس النيابي، والنظام الانتخابي، ذلك النظام المسكين الذي حقروه وجعلوا دوراته الانتخابية سوق نخاسة يباع فيه الوجدان والشرف والكرامة والحق...

يـتــبع

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2022