إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

القومية السورية: هوية جامعة لا عصبية عرقية بقلم الامين الدكتور ادمون ملحم

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2026-05-30

إقرأ ايضاً


استلمت رسالة موجّهة إلى “الروم من أنصار القومية السورية والروم الذين هم أعضاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي”، تتضمّن مجموعة من التساؤلات والاعتراضات حول مفهوم القومية السورية وعلاقة الروم المشرقيين بها. ولأنّ هذه الرسالة تطرح مسائل تمسّ جوهر الفكرة القومية الاجتماعية، لا بدّ من توضيح بعض الحقائق الفكرية والتاريخية التي تغيب عنها أو يجري تجاهلها بصورة متعمّدة أو غير متعمّدة.

بدايةً، يلفت الانتباه أنّ الكاتب يتوجّه إلى “الروم” في الحزب وكأنّهم جماعة منفصلة داخل الحزب السوري القومي الاجتماعي، لها مصالحها الخاصة وقضاياها المتميّزة عن سائر القوميين الاجتماعيين. ولو سلّمنا بهذا المنطق، لأصبح من الطبيعي أن يتوجّه آخرون إلى أعضاء الحزب من الدروز أو السنّة أو الشيعة أو الموارنة أو الأرمن أو الأكراد، مطالبين إيّاهم بتقديم الولاء لعصبياتهم الخاصة قبل القضية القومية العامة. وهذا تحديداً ما جاءت العقيدة القومية الاجتماعية لتجاوزه والقضاء عليه.

إنّ أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي ليسوا تحالف جماعات طائفية أو إثنية، بل جماعة واحدة موحّدة بالعقيدة القومية الاجتماعية، وبالإيمان بقضية الأمة السورية ووحدة حياتها ومصيرها. ولذلك يقول أنطون سعاده:

“إنّنا في الحزب قد بطل أن نكون محمديين أو مسيحيين أو دروزاً، وصرنا سوريين قوميين اجتماعيين فقط في كل ما يعني الاجتماع والسياسة.”

فالقضية القومية الاجتماعية ليست قضية طائفة أو مذهب أو عرق، بل قضية أمة كاملة في وجودها وحياتها ومصيرها.

أما الادعاء بأنّ القومية السورية تُضمر احتقاراً للتراث الهلنستي ـ الروماني أو تعتبره “أجنبياً”، فهو ادعاء يناقض جوهر الفكر القومي الاجتماعي نفسه. فالحزب السوري القومي الاجتماعي لا ينطلق من موقف عدائي تجاه أيّ تراث تاريخي ساهم في تكوين المجتمع السوري، سواء أكان كنعانياً أم آرامياً أم آشورياً أم يونانياً أم رومانياً أم عربياً أم كردياً أم أرمنياً. إنّ جميع هذه العناصر دخلت في عملية التفاعل التاريخي الطويل داخل البيئة السورية وأسهمت في تكوين الشخصية السورية الواحدة.

لكنّ الفرق كبير بين احترام التراث التاريخي والثقافي لأي جماعة، وبين تحويل هذا التراث إلى عصبية سياسية انعزالية أو مشروع قومي إثني يناقض وحدة المجتمع. فالقومية الاجتماعية لا تلغي الخصوصيات الثقافية أو الكنسية أو التراثية، لكنها ترفض تحويلها إلى حدود سياسية ونفسية تفصل أبناء المجتمع الواحد بعضهم عن بعض.

ومن هنا، فإنّ الحديث عن “هوية رومية عرقية مستقلة” يتناقض مع حقائق علم الاجتماع والتاريخ والأنثروبولوجيا، التي تؤكد أنّ الأمم ليست نقاءً عرقياً، بل هي حصيلة تفاعل وامتزاج تاريخي طويل. ولذلك يقول سعاده في “نشوء الأمم” إنّ الأمة ليست وحدة دم أو سلالة، بل “مركّب أو مزيج معيّن” تكوّن عبر وحدة الحياة ضمن بيئة واحدة وتعاقب الأجيال فيها.

بل إنّ الجماعات التي تُعرف اليوم بالروم المشرقيين ليست كتلة إثنية نقية منفصلة عن محيطها، بل هي جزء أصيل من التكوين التاريخي والاجتماعي لشعوب هذه المنطقة. وقد تعرّبت لغوياً منذ قرون طويلة، وشاركت في تكوين المجتمع السوري الحديث كما شاركت سائر الجماعات التي امتزجت ضمن البيئة السورية الواحدة.

وفي هذا السياق، يمكن الاستشهاد بكلام المطران جورج خضر الذي قال بوضوح إنّ الروم عند مجيء رسل المسيح كانوا آراميين، وإنّ تسمية “الروم الأرثوذكس” لا تعني أنّهم ينحدرون إثنياً من اليونان، بل تشير إلى انتمائهم الكنسي ضمن الإمبراطورية الرومية الشرقية. وقد أوضح المطران خضر أنّ اللغة اليونانية كانت لغة المدن نتيجة التأثير الهلنستي، فيما بقيت السريانية لغة الريف وعموم الشعب لقرون طويلة، قبل أن تتعرب الجماعات المسيحية تدريجياً.

وهذا الكلام ينسف الفكرة القائلة بوجود “قومية رومية إثنية” منفصلة عن محيطها السوري التاريخي، ويؤكد أنّ المسألة كانت تاريخياً حضارية وكنسية أكثر منها سلالية أو عرقية.

أما محاولة تصوير القومية السورية وكأنّها مشروع “آرامي مقنّع”، فهي أيضاً تناقض مباشر لفكر سعاده نفسه. فالقومية السورية لا تقوم على أساس آرامي أو آشوري أو عربي أو يوناني، بل على أساس وحدة المجتمع الناتجة عن التفاعل التاريخي الطويل داخل البيئة السورية الطبيعية. ولذلك رفض سعاده ردّ الأمة السورية إلى أصل إثني أو لغوي واحد، لأنّ الأمة عنده ليست سلالة، بل وحدة حياة ومصلحة ومصير.

وفي ما يخصّ الحديث عن الإبادة التي تعرّض لها الروم على يد العثمانيين، فإنّ أيّ إنسان حر يرفض المجازر والاضطهاد بحق أي شعب أو جماعة. والقوميون الاجتماعيون يدينون المجازر التي ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن والسريان والروم، كما يدينون سائر المجازر الاستعمارية والوحشية التي تعرّضت لها بلادنا وغيرها من الشعوب، والمجازر التي يرتكبها العدو الصهيوني في فلسطين ولبنان. لكن تحويل هذه المآسي إلى أساس لعصبية إثنية جديدة أو مشروع انعزالي لا يعالج المأساة، بل يكرّس التفكك الذي عانت منه بلادنا طوال قرون.

أما الدعوة إلى إعادة تعريف الانتماء السياسي على أساس “المصلحة العرقية ـ الدينية”، فهي عودة صريحة إلى منطق الملل والطوائف والعصبيات الذي كان من أخطر أسباب ضعف الأمة وتفككها. فالحركة القومية الاجتماعية لم تنشأ لتؤسس دولة دينية أو مذهبية أو إثنية، بل لتقيم دولة قومية يكون جميع أبنائها متساوين في الحقوق والواجبات، تجمعهم وحدة الحياة والمصلحة والمصير.

إنّ القومية الاجتماعية لا تطلب من أحد أن يتنكر لتراثه الثقافي أو الكنسي أو العائلي، لكنها ترفض أن تتحوّل هذه الخصوصيات إلى جدران تفصل أبناء المجتمع الواحد بعضهم عن بعض. فالأمم الحية لا تُبنى على تنازع العصبيات الطائفية والإثنية، بل على وحدة روحية واجتماعية متينة تتجاوز الانقسامات الجزئية نحو قضية عامة ومصير مشترك.

أما القول إنّ حدود “سورية الطبيعية” حدودٌ “اعتباطية” تشبه الحدود التي رسمها الاستعمار، فهو قول يناقض تماماً الأساس الذي قام عليه المبدأ الخامس من مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي فهذه الحدود لم تُحدَّد انطلاقاً من اعتبارات عرقية أو دينية أو لغوية، ولا على أساس فتوحات سياسية عابرة، بل على أساس وحدة البيئة الطبيعية التي نشأت ضمنها الأمة السورية عبر التاريخ.

فسعاده لم يرسم حدود الأمة على أساس “نقاء إثني” أو “أكثرية لغوية”، بل على أساس الحقائق الجغرافية ـ الاقتصادية ـ الاستراتيجية التي كوّنت وحدة الحياة السورية. ولذلك حدّد الوطن السوري بأنه البيئة الطبيعية الممتدة “من جبال طوروس في الشمال الغربي وجبال البختياري في الشمال الشرقي إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب، شاملة جزيرة قبرص، إلى قوس الصحراء العربية والخليج العربي في الشرق”.

وهذه الحدود ليست خطوطاً وهمية أو مصطنعة، بل حدود طبيعية واضحة تفصل بين بيئات جغرافية كبرى مختلفة: سلاسل جبلية، وصحارى فاصلة، وبحار، وممرات طبيعية كوّنت عبر آلاف السنين وحدة اقتصادية وزراعية واستراتيجية متكاملة. وضمن هذه البيئة تفاعلت الجماعات البشرية المختلفة، واحتكت وامتزجت، فنشأت وحدة اجتماعية تاريخية هي الأمة السورية.

ولهذا شدّد سعاده في شرحه للمبدأ الخامس على أنّ هذه البيئة الطبيعية “حضنت العناصر الجنوبية والشمالية المتجانسة التي نزلت واستقرّت فيها واتخذتها موطناً لها تدور فيه حياتها” ، وأنّ هذه الحدود نفسها هي التي جعلت “الامتزاج وتكوين الشعب السوري العظيم أمراً ممكناً، حاصلاً في الواقع”.

أما الحدود الاستعمارية الحقيقية، فهي حدود التجزئة التي فرضتها اتفاقيات الاستعمار الحديث، والتي قطّعت هذه الوحدة الطبيعية إلى كيانات سياسية منفصلة: لبنان، والشام، وفلسطين، وشرق الأردن، والعراق. وبالتالي فإنّ القومية السورية لم تنشأ لتبرّر حدوداً استعمارية، بل نشأت أصلاً رفضاً للتجزئة الاستعمارية، وتأكيداً لوحدة البيئة والشعب والمصالح والمصير.

إنّ نهضة الأمة السورية لا يمكن أن تقوم على استدعاء الهويات ما قبل القومية، ولا على مشاريع إثنية أو دينية انعزالية، بل على وعي وحدة الحياة والمصير بين أبناء المجتمع الواحد. فالقومية الاجتماعية لا تلغي التنوّع التاريخي والثقافي، بل تعطيه معناه الحقيقي ضمن وحدة اجتماعية حيّة، تتجاوز العصبيات التي مزّقت الأمة وأضعفتها، وتفتح الطريق أمام مجتمع موحّد حرّ قادر على النهوض وتحقيق سيادته ومصالحه العليا.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026