إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

ركائز وأسس ترسيخ نظام النزاهة الوطني...

د. لور أبي خليل - البناء

نسخة للطباعة 2017-10-09

الارشيف

يعتبر نظام النزاهة الوطني نظاماً شمولياً لجميع الأمور المتصلة بالحكم، ويشمل الأجهزة والإدارات الحكومية والقطاع الخاص والإعلام ومنظمات المجتمع المدني والتشريعات التي تحمي المواطن من تعرّضه للفساد، بالإضافة الى السياسات العامة التي ترسمها الحكومة في فترة زمنية محدّدة لتطبيق نظامٍ لحكم رشيد.

وهنا يُطرح السؤال التالي: ما هي الركائز والأسس التي يجب اعتمادها في لبنان لترسيخ نظام النزاهة الوطني؟

إنّ فعالية الركائز لترسيخ نظام النزاهة الوطني تفترض أن يبدأ عبر وضع وسائل فاعلة لمكافحة الفساد، أما العمل على تجفيف مصادره فيحصل عند خلق بيئة سليمة تقلّ فيها الفرص لممارسة هذه الآفة. وهذا ما يُعرف بفعالية نظام النزاهة الوطني. يفرض نظام النزاهة البدء بالخطوات التالية: تفعيل وتحصين مؤسسات الرقابة وعدم حصر الرقابة بيد سلطة واحدة، بل على العكس توسيع الرقابة، من أجل تقليص الإساءة في استعمال السلطة.

كيف من الممكن أن يتمّ ذلك في لبنان؟

في الأنظمة البرلمانية مثل لبنان تتوزّع السلطات بين تشريعية وتنفيذية وقضائية. وهذه السلطات مجسّدة في الأجهزة والمؤسسات العامة والإدارات الحكومية والهيئات الرسمية التي تُعرف بالقطاع العام. ولكن هذه السلطات ليست وحدَها التي تلعب الدور الفاعل في صناعة الحكم، لأنها يمكن أن تتحكّم بصناعة القرار وأن تنفرد في اتخاذ خطوات لا تصبّ في المصلحة العامة. وهذا ما يحصل فعلاً. لذا يجب أن تراقب هذه الأجهزة من قبل وسائل الإعلام والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وتحديداً النقابات والجمعيات والتعاونيات التي تستطيع أن تلعب دوراً أساسياً في الرقابة، لأنه بتفعيل عمل هيئات المجتمع المدني تنخفض مؤشرات الفساد.

إنّ نظام النزاهة الوطني يتكوّن من مجموعة ركائز تمثل المؤسسات العامة والخاصة مرتبطة بثلاثة معايير تشكّل غطاءً عاماً لنظام النزاهة: إرساء حكم القانون، السعي للإنماء المدعوم، ورفع مستوى المعيشة.

بهذا تكون القواعد السياسية والاجتماعية في طريقها لبناء سلّم قيم رشيد ولبناء الهيكل المجتمعي.

لهذا، لا بدّ أن يكون مسار الأمر على الشكل التالي: يتمّ إرساء حكم القانون عبر تعزيز استقلال القضاء وتنظيم عمله بطريقة شفافة وقابلة للمساءلة، وهذا الاستقلال يفترض به أن يؤدّي إلى إصلاحات لإنشاء مناخ سليم قادر لدعم الديمقراطية والتطور الاجتماعي الاقتصادي ومحاربة الفساد. كما أنّ التعاون بين القضاء المستقلّ والقابل للمساءلة ووسائل الإعلام المستقلة أيضاً والمجتمع المدني المطّلع على ما يجري حوله تشكل جميعها عناصر حاسمة لتحقيق القانون. وفي سبيل قضاء مستقلّ وقابل للمساءلة يفترض إنشاء مجالس قضائية تقوم برسم استراتيجيات إصلاحية تقوم على العدل ومحاربة الفساد. في لبنان يعتبر مجلس القضاء الأعلى السلطة التي يفترض بها إرساء حكم القانون من دون أن تتعرّض لأية ضغوط من قبل السلطة التنفيذية.

أما السعي للإنماء المدعوم، فإنه يفرض الانطلاق من منطلقات منهجية، أهمّها السعي للتنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة عبر العمل على زيادة الإنتاج المحلي الإجمالي، والعمل على تنويع الاقتصاد والسعي لتخفيض نسبة البطالة وهجرة الأدمغة. يؤدّي ذلك إلى اقتصاد قويّ يسعى لرفاهية الفرد وتحسين نوعية حياته. هكذا يفرض الإنماء المدعوم الانتقال من الإدارة المركزية للاقتصاد الى الإدارة اللامركزية بحالة اقتصاد السوق، أيّ إعطاء دور أكبر للسلطة المحلية المتمثلة بالبلديات، وفقاً للأسلوب التدريجي الهادف الى إرساء آليات تسمح بتفعيل التنمية الريفية والمناطقية وتحديد أولويات الإنتاج المحلي، بما يولّد فرص عمل محلية ويحدّ من النزوح الريفي والهجرة.

أما رفع مستوى معيشة المواطن فهو مرتبط بمؤشرين: مؤشر الأسعار ومؤشر الأجور. المؤشر الأول يعني رقابة الدولة على الأسعار، وأقصد هنا أنّ أيّ ارتفاع في الأسعار يستدعي من الدولة التدخل لوضع رفع دوري ومستمرّ للأجور. وإذا حاولت الدولة التهرّب من رفع الأجور، وهذا الذي يحصل الآن، فإنه يتوجب على النقابات أن تكون بالمرصاد وأن تتحرّك للمطالبة بهذا الحق. ويجدر بنا هنا أن نوضح أنّ مصلحة أرباب العمل ليست أقلّ من مصلحة العمال في رفع الأجور، فانخفاض القوة الشرائية للرواتب والأجور يؤدي حكماً وتلقائياً إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات وبالتالي إلى تباطؤ عجلة الإنتاج.

إنّ الأمور لا تجري في لبنان طبعاً على هذا الشكل، لأنّ الاقتصاد اللبناني اقتصاد ريعي، وأرباب العمل الذين يضغطون لإلغاء سلسلة الرتب والرواتب لا ينتجون سلعاً يحتاجها المواطن لتلبية حاجاته عبرها، بل هي خدمات يمكن للمواطن أن يستغني عنها، لأنها لا تدخل في سلّم حاجاته الأساسية. هنا يظهر السبب الحقيقي في اللعبة التي يقوم بها بعض المسؤولين في التواطؤ مع بعض من أرباب العمل. وحلّ هذا الأمر مرتبط بدرجة وعي المجتمع وأنشطته السياسية، كما في قدرة الدولة على رؤية الواقع واستشفاف المستقبل، وتالياً في الوصول لمؤشر مستوى حقيقي، علني وشفاف.

يشكّل هذا الخيار التحدّي الأكبر في تاريخ لبنان الحديث، إذ سوف يجري عبره تقويم انحراف سياسي – ثقافي دام أكثر من قرن وأفسد النفوس والعقول قبل أن يفسد حياة الناس واقتصاد البلد. لقد تأمّل الناس خيراً بنهاية الحرب وشروق زمن الإعمار، وإذ به إعمار قاعدته الفساد وغايته استغلال زحمة وأيديولوجية الإعمار من أجل نهب المجتمع. هل يعقل أن يكون لبنان مَديناً بهذا الحجم وبناه التحتية تحتاج لأقلّ من ذلك بكثير من أجل تأهيلها؟ هل يُعقل أنّ ثروات طائلة قد تكدّست في حسابات الكثيرين ممّن تولّوا الشأن العام منذ 1991 وهي ظاهرة للعيان، ولا مَن يسائل ولا مَن يعاقب… ولا مَن يعيب… ولا مَن يشعر بالعيب؟

إنه لتحدّ كبير يقود إلى بناء لبنان مختلف عن ذلك الذي خلفه لنا الانتداب.

هل مَن يأخذ هذا التحدّي؟

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017