إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

دير الزور كما كانت وكما ستعود

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2015-03-12

الارشيف

بتاريخ 10/02/2015 نشرنا نبذة تعريفية عن الحزب في "دير الزور"، استناداً الى الملف الذي قدمه منفذ عام دير الزور الامين عبد الوهاب بعاج.

الرفيق الياس خليفة الذي كان غادر دير الزور الى بيروت وفيها تابع دراسته ثم درّس في الكثير من المعاهد في لبنان وخارجه ثم مستقراً في لبنان، كان له في الحزب حضوره الناشط، ثقافة واذاعة وفنوناً مسرحية، كتب لنا عن "ليلة الرعب" التي عاشها صبياً في مدينته دير الزور فأحلناها الى منفذ عام دير الزور(1) الذي كتب لنا تعليقاً عليها.

الواقع في "دير الزور"، كما يعرفه كل من المنفذ العام والرفيق الياس خليفة، هو الواقع الذي كانت تعيشه المدينة ومعظم مناطقنا في الشام، ان لم نقل كلها، قبل ان "تطل" "داعش" بكل اجرامها وبشاعتها وعقدها وتشويهها للاسلام الحقيقي.

"ليلة الرعب"

" كان ذلك في ليلة من ليالي صيف عام 1943. اذكر انني وأهلي كنا نجلس على حصيرة متلاصقين واجمين وقد ملك علينا الخوف والرعب مما ننتظر، مما قالته الشائعات، من ان المسلمين سينقضون على بيوت النصارى فيقتلونهم وينهبون بيوتهم.

هجمت هذه الشائعة على بيوت المسيحيين وملأت قلوبهم رعباً وحيرة وترقباً لابشع الصور. وكانت الشائعة يرددها المسيحيون بخوف نقلاً عن شخص فرنسي يعرفه الجميع ولا يجرؤ احد على نفي ما يقول او تكذيب الاشاعة. كاد الليل ان ينتصف ولم يقرع بابنا احد ولم نسمع وقع قدم خارج جدار (الحوش).

اذكر ان عمي كان يجلس على طرف الحصير حاملاً مسدساً محشواً... وبين الحين والآخر يشجعنا ويدعونا للصلاة وطلب الحماية من السماء. ثم نهض وقال: انا ذاهب الى بيت الشيخ سعيد العرفي، مفتي دير الزور، لاخبره بما سمعنا وأسأله عن حقيقة الامر واستنصحه بما علينا ان نفعل، وكان بيت المفتي على مقربة من بيتنا، وبعد دقائق عاد عمي من دار الشيخ المفتي يحمل الاطمئنان الى قلوبنا. واذكر مضمون ما قاله وهو، ان المسألة لا تتعدى كونها اشاعة كاذبة اراد منها مطلقوها ان يشوهوا حقيقة الواقع الوطني في سورية، والعلاقة الاخوية بين سكان البلد، المسلمين والمسيحيين.

بعد دقائق انطلق صوت الشيخ المفتي من اعلى المئذنة حاملاً الى الناس عامة والمسيحيين خاصة عبارات الاطمئنان والامان ويحذرهم من الاخذ بالشائعات المغرضة الباطلة، محرّماً على المسلمين الحاق الاذى باخوتهم وجيرانهم وابناء وطنهم النصارى"

*


تعليقاً على "ليلة الرعب" كتب منفذ عام دير الزور الامين عبد الوهاب بعاج،:

ان غالبية العوائل المسيحية بدير الزور من السريان، الذين وفدوا اليها هرباً من موطنهم في البلدات التي يحتلها الاتراك من سورية، بعدما وقع الالاف من المسيحيين السوريين اضافة الى الارمن ضحايا، وكان ملجأهم الجزيرة الفراتية ودير الزور، حيث وجدوا الامن والطمأنينة واقاموا مكرّمين، وخلال فترة قصيرة اندمجوا مع المكوّن الموجود من السكان، واصبح منهم العامل والتاجر والصانع والموظف، دون تمييز او تفريق.

اصبح للمسيحيين بمختلف طوائفهم مدارس خاصة، انما هي خاصة بالاسم فقط. فطلبتُها من ابناء المدينة بمختلف اديانهم، وكذلك المدرّسون مما خلق علاقات متينة بين غالبية الشباب وارتباطاتهم البعيدة عن كل ما يفرّق.

كان كثير من المحمديين يدخلون الكنيسة في المناسبات الدينية (صلاة الميلاد، راس السنة، واثناء الجنائز والتعازي).


ومن الحوادث التي اذكرها كشاهد عيان:

الشيخ محمد سعيد العرفي (مفتي دير الزور)، رجل ازهري متنوّر. يسكن حوله عدد من العوائل المسيحية. ومن عادته وخاصة ايام الصيف، بعد ان يؤدي صلاة الفجر، يجلس امام بيته على حصيرة يمدها بعد ان يرطب الارض تحتها وحولها، ويضع القهوة المرة امامه، حيث يلتفّ حوله الجوار واغلبه مسيحيون يستمعون الى احاديثه، ويبادلونه الاخبار والاحوال، وهكذا الى ان تبدأ ساعة العمل الصباحي.

كان يسكن بجوار اهلي قس متزوج وله اولاد (لم يكن يخطر لاحد منا ان يسأل عن الطائفة ولا المذهب).

جاء يطرق بابنا ليلاً ومعه زوجته باكية متألمة، فتحتُ الباب، فسألني عن والدي، فأدخلته الديوان (الغرفة الكبيرة المجهزة لاستقبال الضيوف) وناديت والدي الذي سأله عن القصد، فقال له ان زوجتي لدغتها عقرب فجئت اليك (كان والدي يشفي هذه الاصابة بالقراءة الدينية) فقال له الوالد: يا ابونا، الامر متعلق بالتصديق والايمان، فرد عليه القس لولا ذلك لما جئت!.

فأمسك والدي مكان اللدغ وخلال دقائق من التلاوة، هدأت المرأة وسكن الالم وغادرت مع زوجها شاكرين.

في ذلك الزمن كانت أغلب بيوت دير الزور لا تعرف البلاط ولا الاسمنت للارض ولا الزفت للطرق، وان العقارب والحيات وما شاكلها امر عادي ومنتشر.

اثناء الثورة السورية ضد الفرنسيين عام 1945، اخذت بعض المجموعات تلاحق العسكريين التابعين للفرنسيين، وغالبيتهم غير موجودين في بيوتهم بل متجمعون في الثكنات العسكرية. وكان بجوارنا عائلة ارمنية . الكبير فيها يعمل في مجال تبييض الاواني النحاسية.

واذ هجمت باتجاه هذا البيت، وكان والدي قريباً، وقف امام الباب شاهراً مسدسه، وناداهم: ماذا تريدون. قالوا: هذا بيت عسكري. فقال لهم لا يوجد عسكري، ومن يقرب هذا البيت يُقتل، فعادوا وسلِم الجار والبيت.

*

في فترة العمل القومي الاجتماعي، بعد استشهاد الزعيم، وانتشار الحزب في دير الزور حضر الى دير الزور عدد من المدرّسين من الساحل السوري ومنهم مدرّس للغة العربية، كان مشهوداً له بقوة الشخصية والقدرة العلمية، ويدعى محيي الدين ريشه.

هذا المدرّس القومي الاجتماعي قضى عدة سنوات بدير الزور. وبيننا نحن القوميين. بعد سنتين من وجوده مدرّساً في مدرسة يوسف العظمة، جاءه مديرها الاستاذ سعد الدين عبود يفيده ان مدرّس الديانة الاسلامية للصف الرابع الابتدائي اضطر للغياب عن المدرسة، ويسأله اذا كان يستطيع ان يحلّ محله في اعطاء الدرس.

فقال له: نعم استطيع، ولكني من اجلك لا افعل ذلك. فاستغرب المدير هذا الرد، وقال: كيف من اجلي لا تفعل ذلك وانا من اطلبه منك ! فقال له: كي لا يقال ان سعد الدين عبود كلف مسيحياً بتدريس الديانة الاسلامية. فرد مستغرباً، وهل انت مسيحي؟ نحن، رفقاؤه، استغربنا ذلك ايضاً. كنا عرفناه منذ سنوات ولم نكن ندري ما هي هويته الدينية. هذا الرفيق اتهم فيما بعد مع مجموعة الشهيد يونس عبد الرحيم بالاشتراك في اغتيال العقيد عدنان المالكي، ولكنه بُــــرّىء من التهمة.

هذه "دير الزور" بمجتمعها المتنوع والمندمج، البعيد عن الطائفية والمذهبية الى ان حلّ اهل الكفر.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017