إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أنطون سعاده المُتَعَـلمُ العالمُ المُعَـلّم

يوسف المسمار

نسخة للطباعة 2016-03-04

الارشيف

المعلمون في التاريخ قلائل والتلاميذ كُثُر. ومفاصل التاريخ تقررها القلة النادرة من المُعَـلِّمين المعزَّزة بالجماعة الواعية .

المعلمون أهلُ علمٍ وليس كل علمٍ مفيد ، بل ان بعض العلم يذهب بمن يتبناه الى حيث لاتنفع النتائج ولا تُحمد العواقب.

وبناء على هذه الحقيقة قال المعلم ُالعالمُ الاجتماعي والفيلسوفُ العلمي أنطون سعاده : "العلمُ الذي لا ينفعُ كالجهالة التي لا تضر".ولو اقتصر الأمرعلى الجهالة التي لاتضر لهانت المسألة ولما تعقّد الأمر، بل أن أمر العلم خطير وواجب العالِم جسيم . فاذا كان العالم حكيماً مخلصاً انتفع بالعلم ونفع ، أما اذا كان العالِمُ شريراً خبيثاً فقد آذى نفسه بشرِّه وخبثه فخسرها ، وأضر الناس بعلمه فأودى بهم الى حيث ضياعهم وهلاكهم ، لأن الناس كما قال الامام الحكيم علي بن ابي طالب :" ثلاثة. فعالم رباّني،ومتعلم على سبيل النجاة ، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح ..العلم خيرٌ من المال. العلمُ يحرسكَ وأنت تحرسُ المال.المالُ تنقصه النفقة والعلمُ يزكو في الانفاق.وصنيعُ المالِ يزول بزواله. العلمُ دينٌ يُدانُ به . به يكسبُ الانسانُ الطاعةَ في حياته وجميلَ الأحدوثة بعد وفاته . والعلمُ حاكمٌ والمالُ محكومٌ عليه ".

والعالم الربّاني بالنسبة لعليّ هو المتأله العارف بالخالق أي القوة الخالقة التي أوجدت هذا الكون بكل ما فيه من منظور وغير منظور بالنسبة للانسان . أما المتعلّم العالم فهو تعلّم العلم الصحيح وأصبح عالماً فأحس في نفسه القدرة على التعليم فاتخذ قرار تحمُّل المسؤولية بارادته ،وشعر أن واجبه أن يعمل على رفع مستوى حياة الانسان بالنهوض بنفسه، وبمجتمعه، وبانقاذ الانسانية وتعليمها وهدايتها الى ما يجعل الحياة أجمل وأرقى وأسمى لنفسه ، ولمجتمعه ، ولانسانيته.

ويختلف ويناقض النوعين المذكورين العالمُ الناعقُ الأحمقُ الذي يُحرّك الهمجَ الرعاع من الناس فلا يستقر على حال، ولا يجعلهم يستقرون على وضع، لأنه اذا دعا الى حق أراد من وراء ذلك باطلاً، واذا دعا الى باطلٍ صوَّره للناس انه الحق المطلق. وفي كلتا الحالتين لا يُرجى خيره ولا يُؤمن شره .

وميزة أنطون سعاده في تصنيف الامام الحكيم عليّ أنه لم يكن نبيّاً يهتم بما قبل الحياة وبما بعد الحياة ، ولم يكن عالماً ناعقاً يسعى لركوب موجة الهمج الرعاع ويصوِّر لهم الباطل حقاً ، ويُضلّهم عن الحق بتشويه صورته وجعله باطلاً . بل كان متعلماً عالماً عرف الحقيقة وسعى الى المزيد من التعمّق والتوسّع في معرفتها فقال بكل وضوح وبلاغة ونيِّة سليمة صادقة:" لم آتكم مؤمناً بالخوارق، بل بالحقائق التي هي أنتم"، وكان سنده العقل الذي هوهبة الله العظمى التي وهبها الله للإنسان فاتفق وانسجم مع العلماء الربّانيين في لطافة نفوسهم وتجلياتهم من أجل خير البشرية وصلاحها فقال بعقيدة منفتحة تحترم المعتقدات الفكرية والفلسفية، وأطّرَها في حزبٍ أراده مدرسة تنوير ووصفه بأنه"لم يمنع أحداً قط من(أعضائه)من اظهار معتقداته الفلسفية من أي نوع كانت في كتاباته . فيمكنكم أن تنشروا أفكاركم واستنتاجاتكم في الخلق والنشر والحساب، وليوافقكم على ذلك من شاء وليخالفكم من شاء". فكان بهذا التوجه أوعى من فهم واستوعب رسالات الأنبياء وتعاليمهم بعقل سليم رشيد ، وأهم من أدرك ببصيرته النافذة أن الله حين أوجد الناس لم يعط أحداً حق اكراه الآخرين على الايمان أو على الكفر بأي عقيدة ، ولم يكتب على أي كائن انساني وجوب الخنوع وقبول الايمان او الكفر اكراهاً وجبراً بأية عقيدة ولو قال بعض الناس انها مُنزلة من عند ربّ العالمين ، لأن ذلك طعنٌ بألوهية الخالق الذي خلقَ وسوّى وهَدى ووهبَ العقل ليكون الانسانُ حراً بالعقل وبارادة الخالق الذي وهب العقل، ويستحيل ان يتراجع الله عن هبته ويعطِّل هو بذاته هذه الموهبة التي عليها لا على غيرها من المواهب والقوى ترتفع قيمة الانسان أو تنخفض أمام القدرة الخالقة .

ولأن أنطون سعاده كان متعلماً عالماً ومعلّماً منطلقاً من الحقائق وليس من الخوارق، فان كونه كعالم اجتماعي جعله ينطلق من الواقع الاجتماعي الانساني ، كما جعله كفيلسوف يتفلّت من المكان والزمان ويرسم على أساس علمه الواقعي لنفسه ولمجتمعه وللانسانية خطة نهوض وبناء وجودية دنوية فيها الرقيّ والتسامي لأمته ولجميع سكان كوكب الأرض السابح بهم في فضاء نجهل مدى اتساعه ، ولا نحيط الا بالقليل الزهيد من أبعاده وآفاقه اللامتناهية.

وهذا ما جعله مناقضاً متناقضاً كل التناقض مع أي عالمٍ ناعقٍ أناني مخادع يميل مع كل ريح،ويتلاعب بمشاعر الناس معطّلاً عقولهم، ومبلبلاً أفكارهم ،ومهيّجاً غرائزهم، ومستثيراً نزواتهم العابرة المدمِّرة لإشباع نزواته ومطامعه .

كان المعلم سعاده سلاماً وحرباً . سلاماً على العلماء الربانيين الصادقين ، وحرباً على الناعقين المضللين المخادعين.لم يتهرب أبداً من قول كلمة الحق مهما كانت النتائج . فلم يساير باطلاً ولم يتنكر لحق. بل انطلق بالحق وعمل بالحق وعلّم تلامذته أن يكونوا جنود حقٍ وخيرٍ وجمال . وعندما قال بمبدأ " فصل الدين عن الدولة " قال به لأن في احترام هذا المبدأ وتطبيقه تـنزيه للدين وصلاح للدولة ومصلحة خير للجيل ولأجيال الأمة في تعاقبها ، فلا ينشغل رجال الدين عن ارشاد الناس بقيَم المناقب الرفيعة والأخلاق العالية الى ما لا ينفعهم ولا يسعدهم ، ولا يهمل رجال الدولة واجباتهم في تدبير شؤون الناس في معاشهم وتحسين مستوى حياتهم فتسوء حالتهم وتستفحل تعاستهم ، بل يتعاون الجميع على هذه الأرض ليكونوا مؤهلين للرقي والصعود الى درجات العُلى في الفكر والمعرفة والفن والابداع ، وتحسين الحياة العمرانية العملية الى أبعد مدى.

وقوله في هذا الشأن كان واضحاً فصيحاً حين قال:"ان العقيدة القومية الاجتماعية، لم تتعرض للدين وعقائده وللعقائد الدينية التي غرضها خلود النفس بعد ارتحالها من هذه الدنيا في مقامين مختلفين المقام الأول مقام النعيم.ومقام الجحيم.فمن أراد النعيم ابتدأ ممارسة الايمان الذي يعتقد انه يوصله اليه وهو بعد في هذه الدنيا،فيهيء بهذه الطريقة خلوده في النعيم . ومن أراد الجحيم ابتدأ يمارس المعاصي والكفر ، فلا المؤمنون يذهبون الى الجحيم بكفر الكافرين،ولا الكافرون يذهبون الى النعيم بايمان المؤمنين.وأما الذين لم يؤمنوا ولم يكفروا،فالبعض يقولون أنهم يذهبون الى الجحيم، والبعض يقولون ان حساب الله يقرر كل واحد منهم حسب أعماله إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً . وما دام الحساب بيد الله ، فلنخفف قليلاً من غلوائنا فلعل الله يريد أمراً غير ما يريد عباده".

أما بالنسبة للناعقين المخادعين الذين يتزعمون تململ الشعب من الدينيين الفتنويين والمدنيين الساسيين الاستثماريين ويجعلون همهم استثارة تململه لينالوا مكانة يطمعون فيها، فقوله واضح بليغ وهو:" حيث لا قتال بين الخير والشر، وحيث يجتمع الفساد والطهر لا يوجد قضية مقدَّسة ولا حماس من أجل تعاليم سامية ". لذلك كان حرباً على الفساد وأهله سواءً كانوا دينيين مشعوذين أو سياسيين نفعيين ناعقين ، وقوله بليغ فصيح في أعلانه :"نحن حركة هجومية لا حركة دفاعية، نهاجم بالروح والفكر، نهاجم بالاعمال والافعال أيضاً. نحن نهاجم الاوضاع الفاسدة التي تمنع أمتنا من النمو ومن استعمال نشاطها وقوتها . نهاجم المفاسد الاجتماعية والروحية والسياسية. نهاجم الحزبيات الدينية . نهاجم الاقطاع المتحكم بالفلاحين . نهاجم الرأسمالية الفردية الطاغية . نهاجم العقليات المتحجرة المتجمدة . نهاجم النظرة الفردية،ونستعد لمهاجمة الاعداء الذين يأتون ليحتلوا بلادنا بغية القضاء علينا، لنقضي عليهم...".

ولأن خطة سعاده الفلسفية هي خطة بناء بالعقل وليست خطة هدم بالغريزة والنزوة ، ولأنه مؤمن بالحقائق وليس بالخوارق، وبالعلوم وليس بالخرافات ، فقد تعلَّم وعلَّم نفسه وبناها ونمّاها ورقَّاها وقوّاها وأطلقها حتى أصبحت قادرة ومؤهلة وجديرة بتعليم تلامذته ليكونوا أساتذة الأمة السورية الى جانبه في حياته ، واساتذتها ومعلميها من بعده من أجل أن تكون أمته معلّمةً وهاديةً للأمم بواسطة الحركة السورية القومية الاجتماعية ، وذلك " برفض الاقرار باتخاذ قاعدة الصراع بين المبدأ المادي والمبدأ الروحي أساساً للحياة الانسانية، بل هي تعلن للعالم مبدأ الأساس المادي- الروحي للحياة الانسانية ، ووجوب تحويل الصراع المميت الى تفاعل متجانس يُحييّ ويُعمِّر ويرفع الثقافة ، ويسيِّر الحياة نحو أرفع مستوى".

كما أعلن وأكَّد مضيفا وموضّحاً على ما تقدم :" أن أساس الارتقاء الانساني هو أساس مادي- روحي، وان الانسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه . ليس المكابرون بالفلسفة المادية بمستغنين عن الروح وفلسفته. وليس المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة وفلسفتها . ان العالم الذي أدرك الآن، بعد الحرب العالمية الأخيرة ، مبلغ الهلاك الذي جلبه عليه قيام الفلسفات الجزئية الخصوصية،الفلسفات الانسانية التي تريد أن تحيا بالتخريب، فلسفة الرأسمالية الخانقة وفلسفة الماركسية الجامحة ، التي انتهت في الأخير ، بالاتحاد مع صنوها المادية الرأسماية ، بقصد نفيّ الروح من العالم ، وفلسفة الروح الفاشية وصنوها الاشتراكية القومية المحتكرة الروح الرامية الى السيطرة المطلقة على أمم العالم وشؤونه. هذا العالم يحتاج اليوم الى فلسفة جديدة تنقذه من تخبّط هذه الفلسفات وضلالها ، وهذه الفلسفة الجديدة التي يحتاج اليها العالم ، فلسفة التفاعل الموحِّد الجامع القوى الانسانية هي الفلسفة التي تقدّمها نهضتكم " أي النهضة السورية القومية الاجتماعية التي تقوم بها حركة الأمة في حزب الأمة السوري القومي الاجتماعي الذي هو مدرسة الحياة الانسانية الجديدة الراقية ، والتي أسسها المتعلّم العالم المعلّم أنطون سعاده الذي أشار اليه الامام الحكيم عليّ بن أبي طالب بقوله :" هلك خزّان الاموال وهم أحياء ، والعلماءُ باقون ما بقيَ الدهر . أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة...يموت العلم بموت حامله. اللهم بَلى .لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحُجَّة،إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حججُ الله وبيّـناته حتى يودّعوها نظراءهم ويزرعونها في قلوب أشباههم . وكم ذا ، وأين أولئك ؟ أولئك والله الأقلون عدداً والأعظمون قدراً.أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة الى دينه. آهٍ آهٍ شوقاً الى رؤيتهم ".

فالعلم شبيهٌ بالدين ، والعالم شبيه بالنبيّ . وكما يُحتمل أن يكون الدين وسيلة لتشريف الحياة أو تحقيرها ، فكذلك العلم يمكن أن يكون وسيلة لعمران الأرض أو خرابها . وكما أن هناك أنبياءٌ صالحون أبرار فكذلك هناك أنبياء فاسدون أشرار.وأصحاب العقول السليمة والنفوس الجميلة يميِّزون بين العقائد الصالحة والعقائد الفاسدة ، وبين العلماء الحكماء الصالحين والعلماء الناعقين الفاسدين . فمن اعتنق عقيدةً صالحة واتبع نهج عالمٍ صالحٍ كان له مصيره الجميل ، ومن اعتنق عقيدةً فاسدة واتبع طريق ناعقٍ مُضلٍّ مخادع كان له مصيره القبيح . وشتان شتان ما بين مصيرالمخدوعين الواهمين ومصير المتنورين المهتدين . وكما تأوه الامام علي في زمانه تشوّقاً على رؤية العلماء الحكماء القلائل أو رؤية واحدٍ منهم ، فان أصحاب العقول السليمة والنفوس الجميلة يتشوّقون في هذه الأيام الى رؤية العلماء الحكماء وسماع أصواتهم وحِكَمهم وارشاداتهم البانية للحياة الأفضل والأجمل لأمتهم وللأنسانية التي عمل لها سعاده وكانت أعظم انجازاته استشهاده في سبيلها لتصبح لحظة موته لحظة ولادته في فلسفةٍ انطلقت منذ بدايتها من الحقائق وليس من الخوارق . من الوقع وليس من الوهم . من العلم وليس من الخرافة ، فكانت قضيتها قضية حقيقة صحيحة جديدة فرضت نظرتها ومنطقها ومفهومها على الوجود ويحتاج اليها ليس مجتمعنا فحسب بل العالم كله لتنقذه من تخبّط الفلسفات الجزئية الخصوصية وضلالها التي لم تجلب على البشرية الا الحروب والويلات والخراب .ولتنقذه أيضاً من المتزعمين الناعقين النمَّامين الكيدين المتاجرين بدماء الشعب وحياته ومصيره .

فأنطون سعاده المتعلم العالم المعلم هو هو المثال من العلماء الذين تأوه الامام الحكيم عليّ شوقاً على رؤيته ورؤية أمثاله في زمن ندر فيه علماء الهُدى المتعلمون وتشوّق الى اللقاء ولو بواحد من المتعلمين العلماء المعلّمين الذين يهدون الى الحقيقة ولا ينعقون ، ويضيئون طريق الحياة الجميلة ولا يضلّلون ، ويبنون للأجيال صروح الرقيّ ولا يخرّبون ، ويجددون منائر الإصالة النافعة ولا يتشبثون بما رثّ من التقاليد المعطّلة للسير الى الأمام ، ويطلقون طاقات العقل لتنتج بدائع العلوم والفلسفات والآداب والفنون ، ولا يعطّلون المواهب ويقتلون العبقريات وفي كل وادٍ من الخرافات والأوهام يهيمون ويشردون .

ان الكلام عن العالم المعلّم أنطون سعاده . عن شخصه وشخصيته . عن سعاده الانسان- الفرد والانسان- المجتمع . عن سعاده العالم والفيلسوف. عن سعاده المواطن والرفيق الملتزم . عن سعاده المسؤول الأمين والقائد الحكيم . عن سعاده المفكّر المخطط المستشرف والكاتب الباني المبدع . عن سعاده الزعيم المخلص والشهيد المستشهد بوعيه وتمام ادراكه وكامل ارادته وكلية وجوده الفردي من أجل مصير أمته المجتمعي الانساني هي مواضيع قيم عظيمة ستحفظها أجيال الأمة السورية الى ما سوف تكون الأجيال في آتيات العصور.

قال سعاده :" ان أصول الأدب يجب أن تكون في الحياة لتتمكن من اعطاء ثمار تُغذي الأحياء ... وكل أدب لا يعرف الحياة لا يحيا ". وقياساً على هذه الحقيقة التي أعلنها سعاده نقول : ان كل فكرلا ينطلق من الحياة ومن أجل النهوض بالحياة ورقيّ الحياة هو فكرٌ لا يمكنه أن يعيش طويلاً . ونضيف على ذلك أن كل مفكّر لا يتعلم في مدرسة الحياة ويتخرج من مدرسة الحياة هو مفكرٌ يبقى على هامش الحياة . وتخرُّج أنطون سعاده من مدرسة الحياة هو الذي أهّله ليكون عالماً في موضوع حق الحياة ، وخير الحياة ، وجمال الحياة . وممارسته لهذه الحقيقة بالذات هي التي أوصلته الى المرتبة العليا في علم الحياة التي تقضي بأن كل عالمٍ يريد ويطمح أن يكون معلِّما ممتازاً ومتميِّزا في مدرسة الحياة ، يجب عليه أن ينطلق من الحقائق مؤمنا بالحقائق ، ولا ينطلق من الخوارق مؤمنا بالأوهام . وهذا ما كانه أنطون سعاده في حياته الدنوية . وهذه المرتبة هي ما ستبقى من حق سعاده بعد رحيله عن هذه الدنيا الى أبد الآبدين.

فهل سيكون تلامذة أنطون سعاده ما كان ينتظره سعاده منهم عندما كان بينهم ؟ أو أنهم سيفاجئون العالم ويكونون كما أراد أنطون سعاده وأكثرمما أراد ويغيّرون مجرى التاريخ ويصنعون تاريخهم الجديد ؟

هذا ما كان يطمح اليه أنطون سعادة المتعلم من الحياة ، والعالم في حقيقة الحياة ، والمعلم لأبناء الحياة ليجعلوا الحياة أصلح وأجود وأجمل .

لقد صدق الامام علي بقوله :" العلمُ دينٌ يُدانُ به. به يكسبُ الانسانُ الطاعة في حياته وجميلَ الأحدوثة بعد وفاته ".ونحب أن نوضح ما قصده الامام الحكيم عليّ عن الطاعة في الحياة وجميل الأحدوثة بعد الوفاة فهي بدون شك ولا ريب طاعة العقلاء الأصحاء الصادقين وليس طاعة الجاهليين المرضى المنافقين . والعلم المقصود هو علم الحياة في هذا الوجود وليس خارج الوجود، لأن الانسان العالم الذي يكسب بعلمه الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد موته هو انسان مرّ في الوجود فترك ذكرى من النور والعطر والجمال لا تمحوها القرون، ولا تعاقب العصور.

تحية لزعيمنا المتعلم العالم المعلّم أنطون سعاده في ذكرى ولادته .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017