إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الامينة ديانا المير (2)

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2016-03-22

الارشيف

بتاريخ 15/12/2014 نشرنا نبذة عن الامينة ديانا، بما كان توفر لدينا من معلومات.

لاحقاً، نشرت الدكتورة صفية سعاده هذه الكلمة في جريدة "النهار"، ننشرها كما هي، آملين من اي رفيق، او مواطن صديق، يملك من المعلومات عن سيرة الامينة ديانا، ان يزوّدنا بها.

خالتي التي ظلمناها

جلّنا غبَنَها. كل لسبب خاص به. وقعت خالتي ضحية موقع لم تختره بل فُرض عليها فرضا، فانصاعت، لتتغيّر حياتها وتمشي على درب اختارها القدر لها. درب صعبة وشاقة أين منها الحياة المرفهة التي عاشتها في الارجنتين.

أتت هذه الغريبة الجميلة الممشوقة القامة بعينيها الليلكيتين الواسعتين لتزور أختها في دمشق. لم تتزوج خالتي ديانا، وفضّلت ممارسة ادارة الاعمال مع شقيقها جورج في بوينس آيرس، عاصمة الارجنتين حيث قرر والداها الاستقرار ابان الحرب العالمية الاولى.

شبّت ديانا في مدينة فائقة الجمال سُميت "باريس أميركا اللاتينية"، وتميزت بطرقاتها العريضة وأبنيتها المتناسقة وكثرة حدائقها واشجارها الباسقة، ومناخها المعتدل. هذه المدينة الحديثة فتحت المجالات كافة للمرأة وأمنت لها حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لا بل كانت سباقة في القارة الاميركية في محاولة تأمين العدالة الاجتماعية للعمال خاصة بعد ثورة "بيرون" واستيلائه على السلطة وزواجه من امرأة نشأت في بيئة فقيرة. دعمت "ايفا بيرون" زوجها في اصلاحاته وتحولت الى ايقونة ومعبودة الجماهير، وقد خلًد فيلم "ايفيتا" صورتها.

لا عجب أن تتأثر جولييت المير وأخواتها بهذه الاجواء، ولا غرابة أن ينطلق "شي غيفارا" نحو العالم حاملا رسالة مقاومة الظلم والاستعمار، كما حملت والدتي هذه الرؤيا واقترنت بمناضل من بلادها يشاركها الحلم نفسه.

ما ان عاد والديً الى الوطن حتى واجها الاضطهاد بابشع صوره، من تنكيل وملاحقة لاصرارهما، كما أعضاء الحزب على مواجهة تقسيم "سوراقيا" ارضاء للصهيونية والمطامع الغربية، انتهت باستشهاد والدي.

عام 1954 قدَمَت خالتي ديانا لزيارتنا في دمشق. لا أزال أذكر أناقتها وهي تهبط من الطائرة، وما أن وصلنا المنزل أخذتُ أعبث بمحتويات حقائبها، ثيابها الفاخرة، حليها، حذاء الباليه الذي أحضرته معها علًها تتابع الرقص. شعرتُ بالاسى لوضعها فأين لها أن تتابع نشاطات كالرقص ولعب كرة السلة في بلد محافظ متشدد يمنع المرأة من المشاركة في الحياة العامة ولا يزال يعتبرها قاصرة تقع مسؤوليتها على رجل يتولى أمورها؟

لم تكن خالتي تعرف الكثير عن أحوال سوراقيا، الا أنها سرعان ما لمست حالة الخوف الدائمة من عمل أمني يودي بحياتنا. لم تطل بها الايام حتى شاهدت أختها تُساق زورا الى السجن. هكذا وبلحظة غادرة انقلبت حياتها رأسا على عقب. زيارتها تحولت الى سجن مؤبد. لن تعود الى بيتها وحياتها وعملها، كل ذلك أستحال رمادا بين يديها. أمامها ثلاث بنات أكبرهن في بداية مراهقتها، وأصغرهن لا تزال طفلة لا تفقه ما يدور حولها. شقيقتها في السجن. لن تتركها وحيدة ولن تترك طفلاتها الميتمات.

سارعتْ بإجلائهن الى بيروت، ولحقت بهن بعد أن يئست من الافراج عن أختها.

منذ تلك اللحظة وحتى مغادرتها لبنان عام 1971 بعد وصول والدتي اليها، أرغمتنا خالتي أن نعيش معها حالة رعب دائمة. غريبة هي، لا تعرف أحداً حقاً، ولا تعرف أحوال البلد وتقاليده، كما أنها لا تعرف كيف تقوم بتربية ثلاث فتيات، فهي، بالرغم من جمالها، لم تتحمس للزواج أصلاً، وكانت مكتفية بعملها ومستقلة ماديا لا تحتاج لمن يعيلها. كانت حياتها في غاية الهدوء فإذا بزوبعة جارفة تخلع أوتاد استقرارها، وترميها في مهب رياح بلد يخيفها.

تحوّلت شخصية خالتي المفعمة بالنشاط والحيوية الى بارانويا تلازمها ليلا نهارا. اعتبرت مهمتها الاساسية عدم وقوع طفلات أختها في الاسر، أو الاغتيال. استأجرت منزلا قرب المدرسة. أغلقت الباب. عاشت ديانا وبنات أختها العزلة الكاملة. أمهّن في سجن، وهنّ في سجن آخر. ممنوعة دعوة زميلات المدرسة أو الذهاب لزيارتهن. ممنوع الخروج من المنزل. ممنوع الجلوس على الشرفة. ممنوع اللعب في مدخل البناء.

تمرّدتُ أنا المراهقة على "ممنوعات" خالتي. بالكاد يسعني العالم، أريد أن أكتشفه، أن أفك طلاسمه، فكيف الازم البيت؟ أعلنتها حربا شعواء. قلما خلا يوم من مشادة بيني وبينها. أريد أن أحيا حياة طبيعية كبقية زميلاتي، لا محتجزة في المنزل. وهي تمنعني من الحياة. الحياة بالنسبة لها الخطر الاكبر. ماذا تقول لوالدتي ان حصل مكروه لي؟ اعتبرت واجبها الاساس أن تعيدني الى والدتي كما تركتني. أريد أن أكبر بسرعة، وتريد هي أن يقف الزمن ولا تعاود عقارب الساعة الحراك الا بعد إطلاق سراح والدتي.

تراكمت هواجس خالتي ومخاوفها وكوابيسها الاكثر سوداوية حين "عفشني" الامن العام صبيحة الاول من كانون الثاني 1962 بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة للحزب السوري القومي الاجتماعي. يكفي أن أكون ابنة أنطون سعاده لأدخل السجن.

حين تمّ الافراج عني بعد أربعين يوماً، وجدت خالتي في حالة يرثى لها. فقدت الكثير من وزنها، وأعصابها منهارة. من الاسهل على الام أن تتحمل متاعب أولادها، لكن هل تجرؤ أختها على المجازفة بفتيات لسن لها؟

زرتُ خالتي في بوينس آيرس عام 1981. لم تشتك يوما بأن بقاءها معنا قضى على حياتها الخاصة، وعلى أحلامها ومستقبلها وحتى عملها المهني. توفيت فقيرة، وكان من الممكن لها أن تعيش حياة هانئة مرفهة لو قالت فقط: لا، لن أبقَى مع الطفلات.

رتبة الامانة التي حازتها لا تُقارن بتضحيتها لحياتها من أجلنا وأجل أختها. بقيت أمينة لنا حتى الموت.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017