إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

وقـفـــات عـــــز في السجن

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2017-02-20

الارشيف

ننقل عن كتاب الامين انعام رعد "الكلمات الاخيرة" تلك الوقفات الرائعة التي تميّز فيها رفقاؤنا عند كل الشدائد، فهم ابدا يواجهون المحن والعنف باعصاب حديدية، وبكل مناقب الجرأة والبطولة والتحدي والتفاني.

ل. ن.

।. في الصفحتين 135 و 136 :

" قبل الحديث عن الاحكام التي صدرت، لا بد من التوقف عند وقفات العز التي وقفها المجموع القومي الاجتماعي. القادة يسجلون مذكراتهم وكأن المجموع مجرد مشاهدين، ولكن المجموع كان في الواقع هو الجسم المتحرك، كان هو النهر الهادر، كان هو القوة الحقيقية

" اتوقف أمام بعض الومضات، وأقول آسفاً كيف لم يُسجَّـل تاريخ هذه الدراما الكبرى التي جسّدها المجموع القومي الاجتماعي وهنا أريد ان أحيي الأمين شوقي خيرالله، أبا علي، على كتابه "بسمة النور"، وفيه أقوال لعدد من الرفقاء المناضلين.. وكان من الواجب تشكيل لجنة تعمل على هذا الامر، فها نحن بعد أكثر من ثلاثين عاماً نفتقر الى مثل هذا الكتاب المهم(1).

" لا يمكنني أن أنسى يوم استُـنفرت ثكنة المير بشير، فلم يخطر على بال القوة العسكرية التي تحيط بالثكنة، التي احتشد فيها مئات القوميين الأسرى، ما حصل في فجر الثامن من تموز من العام 1963. فجأة عند دنو خيوط الفجر الاولى، بدأ القوميون يخلعون لباس النوم ويلبسون بذلاتهم، التي قلما لبسوها، الا عند المحاكمة، او عند المحاكمة، او عند مواجهة الاهل، او مواجهة المحامين، وضّبوا فرشهم ووقفوا صفوفاً في غرف سجنهم، سطعت الأنوار المبهرة في الثكنة، مسلّطة على فرق القوميين وتحركت الدبابات والمصفحات، والرشاشات الثقيلة، فقد توقعت قيادة الموقع ان عملية عصيان وفرار على وشك ان تنفّذ، لكن الصوت دوى: "تحية للزعيم خذ"، ارتفعت مئات الايدي باليمين، وسادت رهبة اجتاحت نفوس السجانين، فباتوا هم سجناء هذا الموقف الاسطوري الساحر. احد الضباط أخذته الدهشة وعقد لسانه، ثم انفجر يهذي: "مجانين، مجانين". لقد تقزّمت نفسه امام الحزب، وهو يرى هذا الصف الطويل من المحكومين بالإعدام والسنوات الطويلة، ينهض ليؤدي التحية لزعيمه الشهيد في ذكرى استشهاده.

" في ذلك اليوم، برز جسم الاسرى القوميين الاجتماعيين، كما أبرزت الإضرابات الجماعية، الصف القومي الاجتماعي صفاً متراصاً نظامياً، فتلاشت الضربات التي انزلت به على صخرة صموده، وتحوّل الجسم الى ثكنة ومدرسة وتنظيم، ضمن السجن وخلال السنوات التالية، فكان مصدر استنهاض للعمل الحزبي في كل مكان.

" لا أزال أذكر وباعتزاز، يوم عاد جبران الاطرش من المحكمة، وكان تقرر مقاطعة الحكم والمحاكمة في طورها الاخير، بعد ان تبيّن عزم المحكمة، باستثناء رئيسها إميل ابو خير، إصدار الحكم على أساس ان الجريمة جريمة عادية وليست سياسية، وقد تحدى جبران ببسالة وجرأة المحكمة وأحكامها. جلسنا في ذلك اليوم وكأن العرس قد خيّم على الاسر، وأطلق ديب كردية مواويله يتحدى فيها الموت في سبيل القضية، وتردّدت اصداء ذلك العرس في كل الجهات، حتى ان الضباط جاؤوا وهم مبهورون. ألم تصدر بحق هؤلاء احكام الإعدام والمؤبد، فكيف يهزجون وكيف يمرحون وكيف يتحدون ؟ ما عرفوا ان في هؤلاء "قوة لو فعلت لتغيّر وجه التاريخ".

 - وفي الصفحتين 53 و 54:

" وصول خبر استشهاد الزعيم

في الثامن من تموز 1949، شعرنا بجلبة في السجن، ولم نعرف في مهجعنا ما الخبر، ولكن في التاسع من تموز ارسل إليّ الامين كامل ابو كامل، وكان في المهجع الرابع، جريدة وصلته مع الزوّادة ، وفيها صورة الزعيم في المحكمة العسكرية، وهو يسأل: هل هذه الصورة مزيّفة أم حقيقية ؟

" تمعّـنت في الصورة، فاعتبرت أنها حقيقية، واعتبرت أنه لا يمكن تزييف مثل هذه الصورة، وتزييفها يسيء الى الحكومة أكثر مما يفيدها، فيما لو لم يكن الحدث حقيقياً وصحيحاً. بهذا أجبتُ الامين كامل ابو كامل.

" وكان لا بد من إعلان الخبر على القوميين الاجتماعيين. وكلّف كل مسؤول ان يعلن الخبر في قاووشه. وكان المسؤول الاعلى في مهجعنا وكيل عميد التدريب الرفيق سليم خوري(2)، ولكن الرفيق خوري اغرورقت عيناه بالدموع فلم يستطع إعلان الخبر، فتوليتُ إعلانه، وشعرت كأن عبء المسؤولية قد ألقي على كل قومي اجتماعي، فقلت: اليوم قد أعطانا سعاده قدوة كبرى، علينا ان نكون في مستواها، لقد علّمنا ان المبادئ تساوي كل وجودنا، وقد أعطى حياته في سبيل هذه القضية، فلنتحمل مسؤوليتها التاريخية.

" القوميون، بعضهم صمت وصعق، وبعضهم أجهش بالبكاء، وبعضهم هتف. وما هي إلّا ساعات، حتى كان السجن يضم بين قضبانه أسود النهضة، تزأر زئير الأسود الجريحة.

" جاء المقدم محمد جواد دبوق ليزفّ الخبر وليتشفّى، فانتهره الرفيق محمد جبلاوي(3) وهجم عليه يريد ان يضربه، وكان ان حصل محمد الجبلاوي على "فلق". ولكن ذلك كان وسام الشجاعة القومية الاجتماعية، وكان إيذاناً بغضبة كبرى عمّت الحزب السوري القومي الاجتماعي كله .

" في ذكرى الاسبوع تولينا الخطابة، وتنظيم شبه تظاهرة بين مختلف القواويش. وكان الدكتور عبدالله سعاده، وكنت أنا ايضاً، نخطب في تلك اللحظات، فصدر الأمر بنقلنا من قاووش الى آخر، وإبعادنا لأننا كنا، حسب إدارة السجن، نقوم بالتخريب والشغب. وهتف القوميون الاجتماعيون في لحظة واحدة لسعاده وهتفوا ضد الحكومة الطاغية. هكذا خرجت صيحة القوميين الاجتماعيين من السجن مدوية غاضبة.

هوامش:

(1) وما زلنا نفـتـقر، لولا ما كان اورده الامناء عبدالله سعاده، فؤاد عوض، شوقي خيرالله، منير خوري، ابراهيم زين، اما الاسباب فعديدة وقد أكتب عنها في وقت لاحق، واتحدث عن واقع التعاطي مع موضوع تاريخ الحزب منذ بدء اهتمامي به.

(2) سليم خوري: من بلدة "عيناب". من اوائل الرفقاء فيها. تولى في الاربعينات مسؤولية وكيل عميد الدفاع، من اشقائه الرفيق المناضل الفرد خوري.

(3) الامين محمد جبلاوي: اكبر امناء ورفقاء بيروت سناً. مقيم في عائشة بكار وما زال ينبض ايماناً بالقضية القومية الاجتماعية.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017