إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الشاعر المهجري ميشال المغربي

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2010-08-20

الارشيف

أوردت مجلة السنونو في عددها رقم/11/ الخبر المحزن التالي، الذي نقتطف منه ما يلي:

"في 24 حزيران 2009 لاقت وجه ربها- مأسوفاً عليها- السيدة المغتربة فيوليتا توفيق المغربي (سان باولو- البرازيل) قرينة الشاعر المهجري الرقيق (ميشيل المغربي)... بل لنقلّ نجيته وملهمته...!! لأنها هي أيضاً أديبة بما حدَّثَتْ وكتبت، أديبة بما قرأت وتذوقت... أديبة بما أوحَتْ وألهمَتْ... أديبة بما وُهِبَتْ من روح حلوة يتلمسها كل من قدَّر له أن يعرفها، فتنبت له أجنحة ملونة، يطير في أبهاء السماء فتحلو أمامه الحياة هبة... وينسى منغصاتها...ولقمها المرة ".

عميد شؤون عبر الحدود الأمين لبيب ناصيف وقد عرف الفاضلة السيدة فيوليت، ووفاء لها وللشاعر المهجري الراحل ميشال المغربي، يعمم النبذة التي كان أعدها عن الشاعر الكبير:

* * *

تسنى لي أثناء إقامتي في البرازيل أن ألتقي العديد من شعراء وأدباء المهجر البرازيلي، ساعدني على ذلك زواجي من كريمة الأستاذ نواف حردان- المؤرخ والأديب والروائي والصحافي- الذي كان يصدر في سان باولو جريدة "الأنباء" باللغتين العربية والبرتغالية وقد ساعدته في تحريرها بصفة مدير تحرير.

كانت جريدة "الأنباء" قد خصصت صفحة كاملة في كل عدد لشعراء وأدباء "عصبة الأدب العربي" التي كان الأستاذ نواف المبادر إلى تأسيسها، وأول من تولى رئاستها ثم تعاقب عليها الشعراء شفيق عبد الخالق، الشيخ شكيب تقي الدين وابراهيم سلمان.

هذه الصفحة ساهمت بشكل جدي في الكشف عن شعراء عديدين كانوا مغمورين على ساحة الجالية العربية في البرازيل، إن لحداثة مجيء البعض منهم، أو لأنهم قطنوا في ولاية بعيدة، كما في تشجيع الشعراء على مزيد من الإنتاج ومن العطاء الشعري.

من الشعراء والأدباء الذين عرفتهم شخصياً وتابعت أعمالهم وكانت لي لقاءات عديدة معهم، أذكر بحنين وأسى من وافتهم المنية منهم: نبيه سلامة، الشيخ شكيب تقي الدين، فارس بطرس، هلال بطرس، أديب فرهود، ميشال المغربي، وعبد الكريم صبح الذي وافاه الأجل منذ فترة قصيرة. كما أذكر من بقي حياً منهم، أطال الله بأعمارهم: شفيق عبد الخالق، إبراهيم سلمان، أحمد القادري، خليل العقدي، يوسف المسمار، أنطون لاذقاني، وداد عز الدين، محمد ناصر، ميشال اليازجي. أحد هؤلاء الشعراء، أذكر بكثير من التقدير الشاعر والراحل ميشال المغربي، ولا أنسى ذلك اليوم من عام 1983 حين استضافني في دارته على العشاء مع عدد من شعراء وأدباء المهجر، كما أني لن أنسى الفاضلة عقيلته السيدة فيوليت، بما تميزت به من بشاشة وخلق رفيع.

فمن هو الشاعر المرحوم ميشال المغربي؟

في السادس عشر من كانون الاول 1901 ولد في الإسكنديرة بعد شهرين من وفاة والده حافظ المغربي، فوقفت والدته هيلانة عبد الله ستيتي- اللاذقية الأصل والإسكندرانية المولد- على تربيته وتعليمه والسهر عليه، فزارت به مدينة حمص بطلب من ذويه مرتين وفي المرة الثالثة عام 1911 رحلت به نهائياً إلى موطن أبيه وأجداده فألحقوه بالكلية الإنجيلية، وهناك تفتقت براعم شاعريته باكراً، وفي عام 1922 أصدر مجموعة أشعاره حتى ذلك الوقت بديوانه "العواطف". وفي أواخر عام 1923 غادر إلى مدينة سانتياغو (التشيلي) ثم غادرها بعد أشهر ليستقر عام 1924 في سان باولو، البرازيل، حيث عمل في التجارة إلا أنه تابع انكبابه على الدرس والمطالعة وقرض الشعر وطارحة الأدباء فصقلت مواهبه، وما عتم أن خطا خطوات واسعة في ميدان الإجتماع والفلسفة، وكان صريحاً جريئاً بارعاً في معالجة موضوعاته فبينما نراه في قصائده أرقى من هيمنة النسيم وأنقى من قطرات الندى، إذا به أمضى من السيف وأشد ثورة من البركان في نقده اللاذع وتمرده على الأوضاع البالية.


إن دينـي أن أتـرك الديـن من أجـل بـلادي وأعـيد الأحجـارا،

وصـلاتي أن لا إلـه سـوى أرضـي ولـو كـان أهلـها كفـارا

ألأجـل الصـليب ترضـى بـذل أيـها الحـامل الصلـيب شعارا؟

كعـبة المـسلمين لو كنـت حراً كنـت تغشـاها كعبـة النصـارى

ومن شعره:


إن رأيـت الشـمس قـد ألـقت عـلى الأرض الشـعـاعا

تـبـعـث الـدفء فـتـحيـيـها بـقـاعـاً فبـقـاعا

وتبـث النـور فـي الـكـون فـتـجـلوه مـشـاعـا

إن رأيـت الشـمـس لا تـفـخـر بـما أنـت تـجـود

إن إحـسانـك لا يـبـلـغ احـسان الـوجـود

* * *

إن رأيـت الغيـث يـروي الأرض فـي تهـاطـله

وحـيـاة الـزرع والـضـرع علـى أذيـالـه

والـربيـع الغـض والصـيف جـنى أفـضـاله

إن رأيـت الغيـث لا تفـخـر بمـا أنـت تجـود

إن إحـسانـك لا يـبـلـغ احسـان الـوجـود


والملفت في حياة الشاعر ميشال المغربي أن الجالية الإسلامية المحمدية في سان باولو لم تكن تقيم حفلة في عيد من الأعياد المولدية إلا وتدعوه لتكون له قصيدة فيها، ولعل قصيدته "الرسول العربي" من أروع ما نظم وهو ألقاها عام 1954 بدعوة من الجمعية الخيرية الإسلامية في المسجد الإسلامي في سان باولو.

منها هذه الابيات:

اللـه قـدّر لـي دينـاً أقـلـده عـقـداً أبي كـان من قبـلي يقـلده

وإن جـاري لـه عقـد يماثـلـه يضيء ياقـوتـه الغـالي وعسـجده

صنـو المسـيحية الإسلام في نظري كـلاهما مـوجـد الأديـان موجـده

فكـيف أوليه ظهـري حين ابصـره أخ لـه دربـه مثـلـي ومـصـعده

هيهـات لكنـني أدنـو واسـعفـه عـلى الصـعـود وأرعـاه وأرشـده

خصـومه لي خصـوم كيف أخـذله وكيـف أغـمد سيـفاً ليـس يغمـده

إنـي أديـر لـه خـدي ليـلطـمه إن كان في لـطـمه ما قـد يمـجده

زرعـت بالحـب أرضـي وهي مخصبة والحب مـا أثمـرت فلـتجـنه يـده

الحـب ما كـان إلا الـحب يسـكبه وليـس الآه مـن طـيـر يـغـرده

فيـما ابـن أمـي ذر التفـريق ناحيـةً فسابق العهد كـان الجـهل يفسـده

وذلـك الحـقد كان الغـرب يزرعـه وإنـه وحـده مـن كـان يحـصـده

أخـوك يعنـيك أي الطـريق ينهـجها وليـس يعـنيك أي النـجم يرصـده

ماذا يضـيرك ما كـانـت عـقيـدته مـا زال يعبـد ربـاً أنـت تعـبده

وكـان ينـطق ضـاداً أنـت تنـطقها ومـا تـردد مـن شـعـر يـردده

اقترن الشاعر ميشال مغربي عام 1939 من ابنة عمه فيوليت توفيق المغربي وهي على جانب من الثقافة ودماثة الخلق وكانت لها اليد البيضاء في دفع رفيق حياتها إلى جمع آثاره الشعرية وضمها في ديوان باسم "أمواج وصخور" إلا أن المنية كانت وافت الشاعر الكبير قبل أن يصدر كتابه فتابعت الفاضلة زوجته المهمة وصدر ديوانه في أوائل العام 1984.

وقد تفضلت السيدة فيوليت أن أهدتني نسخة عن الديوان احتفظ به كذكرى لذاك الشاعر المميز برهافة شعره، كما بسمّو أخلاقه.

وبعد، ان ما نورده عن الشاعر المغربي وعن غيره من شعراء وأدباء المهجر البرازيلي الذين تحدثت عنهم في مجلة "قب الياس" البقاعية التي أفرزت حيزّاً من صفحاتها للإغتراب وللأدب المهجري، ليس إلا إضاءة ووقفة وفاء، لعلنا بذلك نساهم مع مجلة "الثقافة" في دمشق و "الضاد" في حلب، بالتعريف عن أدباء وشعراء في المهجر ممن نسيهم وطنهم ولم يعطهم ما يستحقونه من اهتمام. وهنا نسجل شكرنا لمجلة "السنونو" على إفساحها المجال للكلام، ولو بإيجاز، عن شعراء أفذاذ، وفاء لهم، وتعريفاً لأبناء وطنهم عنهم، فلا يموت الشاعر مرة ثانية، بعد أن يكون مات عندما وافاه الأجل


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017