حلم آل سعود في السيطرة على سوريا الطبيعية ليس جديداً ، فقد سجلوا غزوهم الأول في نهايات القرن الثامن عشر ووصلوا مشارف دمشق من الجنوب عبر الأردن ، ومشارف حمص من الشرق عبر العراق ، وبناء على طلب الباب العالي أرسل محمد علي باشا حملته الأولى بقيادة ابنه طولون بنهاية القرن وبداية التاسع عشر ، ثم قاد الحملة ابنه ابراهيم باشا وتم دحر الوهابية السعودية عن بلاد الشام عام 1813 ، وبدأ انحسارهم إلى أن عادوا إلى حجمهم الأول قبل منتصف القرن التاسع عشر ( 1833 ) فحكموا الدرعية وجوارها .
ابن سعود وعائلته عام 1733 ، وبعد أن وجدوا في محمد بن عبد الوهاب ضالتهم المنشودة لتحقيق التوسع وغزو القبائل بناء على فتاويه ، وهو الذي كان مدفوعاً بتطرف أعمى تقوده ماسونية البريطاني هيمفر ، لتحقيق غايات بريطانيا البعيدة المرمى ، أسسوا لقيام حكمهم على أشلاء أبناء مناطق نجد والحجاز وتهامة وعسير وغيرها ، ومن المرجح أنهم يلتقون في جذورهم مع الدونما التركية التي لم تكن قد وصلت إلى سدة الباب العالي ، وهم قد عملوا مع بريطانيا لتأليب أشراف الحجاز على خلافة العثمانيين الأتراك ومحاربتهم وطردهم من بلاد الشام ، وكان اتفاقهم السري مع بريطانيا أن يسيطروا على بلاد نجد والحجاز وتوابعها بعد خروج الشريف حسين وجيشه ، وهكذا أعملوا سيوفهم وأسلحتهم التي شحنتها لهم بريطانيا عبر الكويت وارتكبوا مجازرهم التاريخية بحق آل الرشيد وبقية أشراف بني هاشم والحجازيين قبل نهاية العقد الثاني وبداية العقد الثالث من القرن العشرين فبسطوا سيطرتهم وحكموا على الشريف وأحفاده بالنفي فأرضت هؤلاء بريطانيا بأمارات وممالك اقتطعتها بموجب اتفاقية سايكس بيكو ( شرق الأردن ، والشام ، والعراق ولبنان ) وفرضت عليها التجزئة لتهب اليهود فلسطين " أرض الميعاد " .
بريطانيا التي أوجدت آل سعود ورسخت أقدامهم على امتداد جزيرة العرب ، بعد الحرب العالمية الأولى أفل نجمها ، وأصبحت تدور في فلك الولايات المتحدة الأمريكية التي تسلمت راية الامبريالية العالمية ، وما أن أعلن آل سعود مملكتهم حتى كانت الولايات المتحدة أول من اعترف بهم عام 1935 ، تلا ذلك الاتفاقات السرية التي عقدها ملكهم مع الرئيس الأمريكي على ظهر طراد وأهمها التعهد بحمايتهم ، وتعهدهم بحماية " اليهود المساكين " حتى تصيح الساعة وهي الاتفاقية التي تلزم كل ملك جديد باحترامها والتوقيع على ملاحقها وإلا فإن مصيره محتوم ، وهذا رتب عليهم العمل الدؤوب لضرب الأنظمة العربية التي تعمل لتحرير فلسطين وعودة الحقوق الوطنية لشعب الجزء المحتل من سوريا الطبيعية وشكلوا أهم حامية لاتفاقية سايكس – بيكو عبر ما يقارب القرن ، وكانت محاولتهم نشر المذهب الوهابي في أربعينيات القرن الماضي دافعهم للتحالف مع تنظيم الإخوان المسلمين في مصر والشام وتمويلهم وإمدادهم بكل ما يحتاجونه لإقامة تنظيم عسكري سري استخدموه بتوجيهات من دول الغرب والماسونية العالمية ، وظهر ذلك جلياً وواضحاً بعد ثورة تموز يوليو في مصر ، أما هزيمتهم في اليمن على يد المشير السلال والجيش المصري فقد شكلت الدافع الرئيس للاستنجاد بالرئيس الأمريكي جونسون ومطالبته بدفع الكيان الصهيوني لضرب الجيش المصري واحتلال سيناء " حتى لا يرفع جندي مصري رأسه شرق قناة السويس حسب ما جاء في الرسالة التي وجهها الملك فيصل وجاء فيها أن : " مصر هي عدونا الأكبر ، وإن استمر يحرض ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا فإن مملكتنا لن تبقى قائمة بعد العام 1970 ... وكانت الرسالة مؤرخة في الخامس عشر من رمضان للعام 1386 هجري الموافق 26/12/1966 وتعهد فيها بدفع نفقات وتعويضات وخسائر الجيش الصهيوني .
الرسالة التي جاءت بناء على نصيحة الخبير كيم روزفلت ( المقيم في مملكة آل سعود ) وحملت الرقم / 42 / في تسلسل وثائق مجلس الوزراء السعودي ، ( نشرتها الخارجية الأمريكية بعد مضي 25 عاماً ) تضمنت مطالبة الكيان الصهيوني بعدم استثناء سوريا ليتم احتلال جزء من أراضيها وضرب جيشها حتى لا تسد الفراغ الناجم عن انحسار النفوذ المصري ، وكذلك توصية بدعم مصطفى البرزاني في الشمال العراقي منعاً لتمدد دعاوة القومية العربية جنوباً فتصل إلى المملكة واعتراف صريح بأن المملكة تقدم للبرزاني دعماً عبر أكثر من جهة دولية وخاصة تركيا .. وهكذا كان عدوان حزيران - 1967 وخسارة ما تبقى من أرض فلسطين وأجزاء من بلاد الشام – سيناء والجولان وغيرها .
في ثلاثينيات القرن الماضي سادت في أجواء بلاد الشام دعاوة واسعة لابن سعود ، وقد نبه لها مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي – سعادة - وأعلن أنها تشير إلى أطماع سعودية في السيطرة على سوريا الطبيعية ، ولم تنجح تلك الدعاوة إلا على نطاق ضيق ، لكنها أسست لبعض الخلايا رغم التحالف مع الإخوان المسلمين لأنهم لم يكونوا مقبولين في الشارع السوري خصوصاً وفي مصر وكل العالم العربي عموماً بعد أن عرف الرأي العام نشأتهم المشبوهة وعمالتهم لبريطانيا والغرب وأنهم أدوات يتم استخدامهم لضرب المصالح والحكومات الوطنية ، وبما أن الدولة الإيرانية بزعامة الشاه محمد رضا بهلوي كانت تدور في الفلك الأمريكي والغربي وتشكل حليفا للكيان الصهيوني فقد كانت الحليف الأقرب إلى آل سعود ولم تكن آنذاك " شيعية مجوسية " وكانت أكثر قرباً من نظام آل سعود من الدولة التركية العلمانية رغم أنها الجناح الآخر الحليف للكيان الصهيوني أما أسس التحالف فقد كانت سياسية وليست دينية بسبب التبعية الواحدة للغرب .
العداء السعودي للدولة الإيرانية اليوم لم يتأسس على خلاف محلي أو بسبب عدوان إيراني على المصالح السعودية إلا أن تكون هذه المصالح متماهية مع مصالح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ، إيران في الزمن الحالي وبعد ثورتها وقفت إلى جانب الحق العربي في فلسطين لتحريرها واستعادة المقدسات التي يدعي ملك آل سعود حمايتها ، أما التقارب والتحالف السعودي مع الأتراك فقد تطور إلى تحالف استراتيجي عنوانه العداء لسوريا والمقاومة ضد العدو الصهيوني خصوصاً بعد وصول حزب العدالة الأصولي إلى حكم تركيا ، ومحاولة تمثيل دور تركي مدافع عن فلسطين على أن حقيقته انكشفت مسفرة عن تحالف تركي – صهيوني جوهره التغطية على تصفية القضية الفلسطينية وقيام دولة يهودية على كامل التراب الفلسطيني ، ولأن هذا ما تتبناه الإدارات الأمريكية المتعاقبة فإن السلطة السعودية ملزمة بالتنفيد ووجدت وسيلتها الوحيدة استخدام الدين والمذاهب واستثمار ذلك في الحرب على سوريا وموقفها من المقاومة والقضية الفلسطينية والتحريض على إيران ، بل ومطالبة العالم بشن العدوان على الدولتين معاً ، ويؤكد ذلك ما تسرب من المصادر الصهيونية عن موافقة المملكة على فتح أجوائها بوجه الطيران العدو وتسهيل مهمته في الهجوم على ايران واستخدام الأواكس السعودية المشغلة أمريكيا في هذا العدوان للتوجيه والتشويش .. ولأن الإدارة الأمريكية مع تابعها الصهيوني توصلا إلى نتيجة تفيد بأن العدوان لن يحقق إلا الفشل وأن الخسارة ستكون لها الكفة الراجحة ، ولأن العدو الصهيوني لن يحتمل أية خسارة فقد اكتفى الطرفان بالتهديد دون التنفيذ ، وهذا لم يرض آل سعود .. فاستمروا في مكابرتهم والرهان على دعم المجموعات الإرهابية في ساحات بلاد الشام ( سوريا والعراق ولبنان ) وهم يمتطون صهوة وحش خرج من كهوف التاريخ لن يلبث في مرحلة قادمة حتى يلتفت إليهم ويلتهمهم كما يفعل أي وحش يخرج عن السيطرة وهو خارج حتماً بعد أن يصل إلى مرحلة النمو الكامل والانفلات من العقال ، ويبدو أن الغرب أدرك هذه المعادلة وأصبح يتخبط في مواقفه التي تسودها حالة ارتباك غير مسبوق وهذا أوباما يعترف علناً بأن ما يحصل لن يدفع بالرئيس السوري إلى السقوط وأن ذلك مجرد حلم صعب المنال مع وجود عدد هائل من التنظيمات المتصارعة وأن ليس بينها تنظيم معتدل ، كما أن نار الإرهاب الناشبة في العراق ستطال المصالح الأمريكية وهي ذاتها نار الحريق السوري الذي تنفخ فيها السعودية وتركيا ومعهما قطر ودول أخرى انساقت مع حلم لا يمكن أن يتحقق ، اليوم يتلمس الجميع رؤوسهم ، بينما يرفع الرئيس السوري رأسه عالياً مستنداً إلى دعم شعبي غير مسبوق على الساحة السورية وحتى ضمن ساحاتهم إضافة لدعم دولي واسع .. ما سيضطرهم إلى طأطأة ذليلة في القريب العاجل .
حلم آل سعود أكبر منهم بكثير ، سوريا عبر التاريخ حكمت نصف العالم ، منها انطلقت الرسالات ، والحضارات ، لم يتمكن عمالقة القادة وحكام الامبراطوريات من السيطرة عليها أو إخضاعها أو حتى الاستمرار في استقطابها ، سوريا العصية على الخضوع ستبقى شوكة في حلق آل سعود الذين ينتظرون زوالهم ... إذ لن تستمر الحماية الأمريكية إلى الأبد ، ولن تستمر غفلة الشعب العربي في بلاد نجد والحجاز .. وإنا لمنتظرون .
مقالات ذات صلة : الماسونية والوهابيىة – الإبحار في عالم الأسفار والأسرار - يا أبناء نجد و.. الحجاز .. وعسير .. وتهامة ، وكل أنحاء الجزيرة العربية اقرأوا وافهموا ..! هؤلاء " ملوككم ومقالات أخرى في أرشيف الشبكة .
|