 رحل من كان عبقاً نهضوياً في تاريخنا، من ضج يناعة بعصب الارادة دفاعا عن الحزب وعن سعاده. في اواخر الاربعينات، يوم ظن من اغتال سعاده ان الركب سترتجف وتتوارى هربا، كان ساعده الأيمن، كآلاف غيره، يرتفع عهداً لسعاده، وكانت الأقدام تحط فتهز الجبال وترعد مفاصل الخونة والأعداء.
الرفيق إسكندر سعاده، من مواليد 15 تموز 1931، انتمى إلى صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي في اواخر عام 1949، بعد اغتيال سعاده، وهو الحدث الذي وقع عليه كالصاعقة وترك اثراً عميقاً في نفسه. نشط حزبياً في مدرسة عابا في قضاء الكورة، وكان مدير المدرسة الرفيق المربي الراحل جورج ابراهيم عبدالله، الذي أحبه الرفيق اسكندر كثيرا، وحزن حزناً شديداً على وفاته إثر حادث سير مأسوي أثناء توجهه مع طلابه في بطرام.
خلال خمسينيات القرن الماضي، كان يلتقي في مكاتب الحزب في بيروت مع عدد من كبار القوميين، منهم الأمين الراحل عبدالله القبرصي، والأديب الراحل سعيد تقي الدين، وشاعر النهضة محمد يوسف حمود.
السيد جورج متري وعقيلته السيدة جورجيت شقيقة الامين قيصر عيسى
الامين صباح عبدالله، السيدة أميلين سعاده ثم الرفيق اسكندر سعاده وألامين سايد النكت
كتب في الصحافة تحت الإسم المستعار «أبو إنعام» تيمناً بالرئيس الراحل إنعام رعد، ونشر مقالاته في صحف الحزب ومنشوراته المختلفة. كما رافق الدكتور عبدالله سعاده في حملاته الانتخابية في قضاء الكورة، وظل على صلة وثيقة به طوال مسيرته الحزبية. وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، أمضى شهرين في سجون سرايا أميون مع مجموعة من الرفقاء القوميين. وبعد خروجه من السجن، قرر والده إرساله إلى أستراليا ليلتحق بشقيقاته اللواتي سبقوه إليها.
وفي عام 1970 عاد إلى لبنان، وإنخرط في العمل الحزبي من جديد، وشارك في لجنة «الكفاح المسلح» برئاسة الأمين يوسف الأشقر، في زمن صعود الثورة الفلسطينية.
تعرّف على إبنة أميون، السيدة أميلين طالب، وتزوجها في كنيسة سيدة الأشرفية. وقد ترأس مراسم الزواج الكاهن الجليل الأب إيليا برباري، الذي كان قد عرف حضرة الزعيم قبل اعدامه، فيما كان إشبين الزواج الدكتور عبدالله سعاده، الذي رافقه الرفيق إسكندر وأحبه منذ بدايات انخراطه في الحزب.
الرفيق اسكندر سعاده بين الرفيق طوني الحلو والامين سايد النكت
وفي عام 1971 عاد الزوجان إلى ملبورن، حيث استقرا في منطقة ثورنبري، المنطقة ذات الطابع الصناعي، إذ كان كثير من السكان يعملون في المصانع والمهن اليدوية في شمال ووسط ملبورن. لذلك كان نمط الحياة بسيطا، قائماً على العمل اليومي والاستقرار الأسري أكثر من الرفاهية.
هناك عملا في المهن الحرة، وبدآ ببناء عائلة متماسكة أسساها على قيم العمل والإلتزام والعطاء، لتصبح لاحقا محور حياته ومصدر فخره الأكبر.
وكانت تجمعه صداقة وثيقة مع نقيب الصحافة اللبنانية الأمين الراحل محمد البعلبكي، الذي كان يحترم الرفيق اسكندر كثيرا وقد أخبرني الرفيق شادي أنه كان بصحبته أكثر من مرة عندما كانا يلتقيان في نقابة الصحافة.
كما أفادني الرفيق شادي، أنه أثناء مرافقته له وهو طالب في جامعة البلمند، كانا حين يدخلان إلى فيع يظهر أمامهما تمثال الأديب الراحل الكبير فؤاد سليمان وسط البلدة، فيحدثه الوالد عنه وعن أعماله الأدبية.
كان الرفيق الغالي إسكندر سعاده ذاك الصنديد الذي لا يهاب، والعقل النير الذي أطلق حبر قلمه رصاصات أوجعت الغادرين. في الصحافة أبدع، فكان من أجود الكاتبين، وفي الخطابة أجاد، وفي الموقف كان حازم الأمر دائما لمصلحة النهضة، غير مساوم. جريء هو، ذو وجه صبوح، يحسم ويطمئن في آن معا، وبسمة تترك الارتياح. وفي كل مجالسه كان طليق اللسان، فياض المعارف.
بنى إبن أميون، مع زوجته الفاضلة المضحية أميلين طالب، عائلة نهضت فتية، وباتت تصدّر أحفاداً. أبناؤه: ربيع، دانيال، والرفيق شادي، وإبنتاه رندة وسالي.
هي الروحية القومية جمعتنا. وبالرغم من تدهور حالته الصحية وفقدانه الذاكرة، تلك التي كانت خزان يكتنز حكايات نضال ومسار، نسي كل شيء إلا «تحيا سورية». وعندما أصافحه، أو أهاتفه، كانت الدمعة تترقرق في عينيه الفارغتين ببريق الحياة، ليهتف: «تحيا سورية».
هي التحية التي ملأت حياته ضياء، وزينت مسار عمره. نسي كل شيء إلا الهتاف لحياتها.
لروحك السلام، رفيقي الحبيب أبو ربيع، الذي لن ننساك أبدا.
البقاء للامة.
|