إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أنطون سعاده ليس زعيماً فقط... المعبّر الأوفى عن الأمة المبدعة إنسانية مثالاً

هاني الحلبي - البناء

نسخة للطباعة 2016-03-02

الارشيف

استسقت سيوف الفتن في الضيع والقرى في جبال لبنان، التي حرقت صنوبرها نار الطائفية دماء الضحايا التي لوّنت قراميد البيوت، فصرخت في قلوب الشرفاء ان ادّعوا إلى سلام السماء بين أهل الأرض.

تردّد فوق المجازر ما قاله المعلم المسيح أحبّوا بعضكم بعضاً.. وانبرى المعلم بطرس البستاني بمدرسة وطنية يدعو بني وطني السوري: أنتم شعب واحد لوطن واحد فلماذا تتنازعكم سيوف السلاطين شائعات فتحرقون بيوتكم وتقتلون أحبّاءكم لتكون بينكم فتنة وتجزئة قائمقاميات يحكمها ألباني أرناؤوطي أو غيره من مرتزقة التركي.. التي استمرّت متصرفية تدير النحل والملل اللبنانية حتى الحرب العالمية الأولى فسقطت بحبل المشنقة في 6 أيار في دمشق وبيروت..

صوتٌ بهيٌّ أنجبته ضهور الشوير في ليلة عاصفة كان مهرجان الزمهرير وصنوبر الجبال صاخباً احتفالاً بوليد العصور على تلك الذرى. هو الأول من آذار العام 1904 تلجلج بطن والدته نايفه خنيصر عن ملاك جديد يحمل في يده اليمنى النور والزهر وفي يده اليسرى سيف دمشقي مسقي صقيل لأعداء الروح الذي عبثوا بسورية ألفي سنة بعد صعوده إلى السماء.. فعاد مقاوماً في بغداد وفي حوران وفي اللاذقية وفي القدس..

صرخ صرخته الأولى فسكتت الريح تسترق السمع لسيد الروح عصارة التاريخ الإلهي الجميل يعود وليداً يرضع لبن الأنوثة أماً ينمو على صدرها العامر بالحب والأمل فتى للربيع ووعد انتصار: سورية فوق الجميع. هو أنطون سعاده من ضهور الشوير.

كان يسمع أنطون سعاده بالتواتر ما يفعله المحتلّ: كلاب السخرة الانكشارية المسعورة تجرّ خيولُها الرجال المتمرّدين من أبناء قومه إنْ رفضوا التجنيد بالسوط في قطعان السلطان التركي.. كيف تسحلهم مركباتهم فلا يبقوا سوى حفنة عظام لنسور الجبال وديدان الأرض.. وكان يسمع أيضاً أنّ لبنان يحتضن ما تبقى من مجازر العثمانيين ضدّ السريان والأرمن والآشوريين الذين كلّ ذنبهم أنهم مؤمنون بسلام الرب ويحيون بوئام مع جيرانهم ويبدعون حباً وحرفة وصنعة في رضا حميم. علقوا على المشانق وسيِّروا حفاة جياعاً تتناهبهم كلاب السلطنة اغتصاباً وخطفاً وقتلاً طيلة مسيرة أشهر من أواسط الأناضول إلى ربوع سورية فانتموا إلى حضنها! فتساءل: إن لم نكن احراراً من امة حرة فحريات الأمم عار علينا! فكان سؤاله الجواب التاريخي: مَن جلب على شعبي هذا الويل؟ «كنت حدثاً عندما نشبت الحرب الكبرى سنة 1914، ولكني كنت قد بدأت أشعر وأدرك. وكان أول ما تبادر إلى ذهني، وقد شاهدت ما شاهدت وشعرت بما شعرت وذقت ما ذقت مما مُنِيَ به شعبي، هذا السؤال: ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟». من رسالته إلى المحامي حميد فرنجية بهدف المرافعة عنه أمام المحكمة المختلطة .

تكشّف لدى أنطون سعاده ولع بأمّته ولو شلعتها الحروب، وتكشف لديه أنذ تلك البيوت التي تفرغ من قلوب تخفق فيها فلا يبقى بين زواياها الرطبة المظلمة سوى العجائز هي ضحية الاحتلال الأجنبي وحليفه المتسلط الداخلي، ففكر في إنشاء نهضة تستعيد الكرامة وتوقظ الأمة إلى وحدتها المادية النفسية فتحفظ أبناءها وتحمي حدودها وتجمع ارضها تحت علمها وتستمدّ روحها من تاريخ الأمة الفكري والثقافي والسياسي والقومي والعسكري..

كان يعرف أنطون سعاده، وهو فتى حدث، أن العثماني – التركي أخطر الأعداء وأطمعهم فهو يحتل ارضنا، فلا يمكنه أن يقبل احتفال مدرسته بمسؤول تركي بمناسبة تركية. ولكونه رائداً دوماً كلّفه مدير مدرسة برمانا حينذاك المرحوم عبدالله المشنوق أن يقدم هدية المدرسة لذلك المسؤول التركي. لكنه رفض بأن تسلق جدران المدرسة واعتلى سارية العلم وسحب العلم التركي من موضعه ورماه للتلامذة يعبثون به. ورفض تقديم أي هدية للمحتلّ التركي. فوقع في يد المدير الخائف على وظيفته من طغيان مسؤول أجنبي كبير لا يرحم.

وجراء الحرب العالمية الأولى وانتشار المجاعة والقتل في لبنان وهجوم الجراد الأفريقي على مواسمه وحرمان والده خليل سعاده من إكمال الدراسة في الكلية الانجيلية السورية اضطر لتعلم التركية في وقت قصير في اسطنبول حتى لا يفقد حقه فيها لكن التضييق عليه استمرّ فاضطر للهجرة إلى مصر عند صديقه الثائر والزعيم المصري سعد زغلول فترة من الزمن ثم استقدم أسرته بعد وفاة زوجته تحت وطأة المرض والجوع والهموم، فاعتنت السيدة صفية زوجة سعد زغلول بأبناء خليل سعاده بينما هو تابع السفر إلى البرازيل بحثاً عن عمل وأفق لسورية ونهضتها لعل المهجر أفضل من الوطن. تفكك شمل الأسرة مرة واحدة وإلى الأبد فالوالد مات في المهجر ولم يعد، لكن وفاء للسيدة صفية زغلول أسمى أنطون سعاده بعد أن تزوّج إحدى بناته باسمها الميمون فكانت صفية أنطون سعاده..

خلال غياب خليل سعاده في مصر اضطرت الأسرة لمساعدة ما، فعمل الابن انطون بما أوصاه به والده بأن لديه صديقاً هو رئيس بلدية بيروت حينذاك السيد عمر الداعوق فاذهب إليه واطلب ما يلزمكم منه. فذهب إلى السيد عمر الداعوق وخلال انتظاره في صالون البلدية كان رجلان مسنان يتجادلان بمن يريدان أن يحكم البلاد بعد تركيا، فاستقرّ رأي أحدهما على فرنسا ورأي الثاني على إيطاليا.. استفتيا الفتى أنطون الجالس قربهما صامتاً فكان جوابه المذهل حكمة ومبدأ: لماذا لا تفكران بأن نحكم أنفسنا بأنفسنا! فسكتا لشدة وقع الجواب وحكمته. إن في الشباب حكمة لا يعرفها بعض الشيوخ أيضاً.

غادر إلى البرازيل الفتى أنطون سعاده ابن السادسة عشرة الوطن محتضناً إخوته العام 1920 ونفسه عامرة بما شاهد وشعر وأدرك أي ويلات أحاقت ببلاده بموجب اتفاقية سايكس بيكو اللاحقوقية وسائر الاتفاقيات والوعود الكارثية التي تلتها وارتكزت عليها لاحقاً…

لاحظ سعاده في المغترب البرازيلي العام 1921، ظاهرة تجمُّع حفنة من اليهود مطالبين بعودتهم إلى «أرض الميعاد»، ولفته تنظيمهم والتفافهم على باطل موهوم وحماستهم للتبرع والدعم على قلتهم كان مؤثراً ومنتجاً، ليس فقط في البرازيل بل كان لهم وجود وانتشار، في حين أن المغتربين السوريين لم يكترث لا أغنياؤهم ولا فقراؤهم لهذا العمل الخطير! استفزه ما رأى، لأنّ مغتربينا المنتشرين في بقاع العالم كانوا وما زالوا لا تهتمّون إلا لأعمالهم وأنشطتهم فلم يدركوا خطر هذه الحركة الصهيونية على كيان وطنهم ومستقبلهم ومصيرهم.

لكنه تنبّه إلى تلك الحركة فدعا في مقالته «الصهيونية وامتدادها» المجلة 1/2/1925 إلى وضع «خطة نظامية أخرى معاكسة» للخطة النظامية الدقيقة للحركة الصهيونية. وأردف أنه «حتى الآن لم تقم حركة سورية منظمة تنظر في شؤون سورية الوطنية ومصير الأمة السورية… فنحن أمام الطامعين والمعتدين في موقف تترتب عليها إحدى نتيجتين أساسيتين هما الحياة والموت، وأية نتيجة حصلت كنا نحن المسؤولين عن تبعتها». وأكد أنه «رغماً من الاحتلالين الفرنسي الإنكليزي ووجوب اتحادنا على التخلص من قيودهما، لم يبلغ آذاننا خبر قيام حركة اتحادية سورية كبرى تقوم بالدفاع عن حقوقنا في وطننا الذي يُلقي عليه الغرباء قرعة بينهم». وتشكل «حالة الخمول المستولية على الشعب…» مما يحول دون نشوء «نهضة حقيقية» رديفاً للأطماع الصهيونية والأجنبية بالوطن كما كتب في مقالة سابقة «آمال الوطن» الجريدة 4/6/1921 .

بدء التأسيس

كان لوالده العالم والمفكر والوطني الكبير الدكتور خليل سعاده فضل كبير عليه في هذا المجال، فأنار له طريق المعرفة وفتح أمامه مجال التواصل مع المفكرين والمجاهدين. وفي مجلة «المجلة» التي أسسها والده كتب أولى مقالاته في الوطنية والسياسات الدولية. مستفيداً ومراقباً ومشاركاً بفعالية من المحيط الثقافي والسياسي الجديد الذي كان يقوم به والده، لا سيما لجهة تأسيسه الحزب السوري الوطني، وإقامته مؤتمرات سورية عدَّة في المهاجر لتوحيد القوى، ومطالبتها الاحتلالين الفرنسي والإنكليزي باحترام إرادة الشعب السوري وحقه بالحرية والاستقلال اللذين وعداه بهما وأخلفا الوعد معه. لكن يسجل تفرَّد أنطون سعاده عن والده بقواعد عدة فكرية وسياسية وفلسفية وتنظيمية أنضجت تأسيس النهضة السورية على نظام جديد أحكم وأبلغ وأشدّ ترابطاً من المحاولات السابقة، أهمّها تحديد سورية أمة تامة ذات قضية مستقلة كلّ الاستقلال عن أيّ قضية أخرى، التحديد العلمي للأمة ووضعه العقيدة القومية الاجتماعية، وصياغته أول دستور لسورية الأمة والدولة الجديدة بالقوة لتكون جديدة بالفعل، يعبِّر عن شخصيتها التاريخية القومية الحقوقية التامة.

في ما عزم عليه سعاده كان يلزمه أساس ثقافي وعلمي موسوعي يعجز عنه مركز بحث كبير جداً، فلم يهَب المهمة بل تولاها بصبر وعزم لا يلين وسجل في التاريخ استطاعة فرد ان يخلق أمة مشروعاً ونظاماً وكياناً فكرياً ونفسياً من شتات عصور الانحطاط.

شرع في التكوين الذاتي علمياً وثقافياً مطلعاً بلغات عدة، كان يتقنها ويتعلم باستمرار لغات جديدة يحتاج لها في سياق بحثه العظيم، على شتى الآثار العلمية والفلسفية والسياسية والفنية والأدبية، أكان في المكتبات العامة والخاصة، فضلاً عن لقاءات عدة مع باحثين وأدباء وشعراء وكُتَّاب وعلماء وسياسيين كبار. وكتابه «نشوء الأمم» سفر غني يشبه موسوعة علمية في كتاب محدود دليل على ذلك، وعلى منهجه العلمي نقداً ونقضاً وترجيحاً ومقابلة ومقارنة وعرضاً.

لم يكتف سعاده بالبحث وانغلق بين رفوف المكتبات ودفوف الكتب بل باكراً انخرط سعاده في العمل السياسي، متأثراً بالأجواء الوطنية لوالده الذي كان يحيل إليه رسائل بعض المجاهدين الوطنيين في المغترب، منها رسالته إلى سليمان يوسف عزام 6/1/1927 .

بعد التكوين الذاتي العلمي والفكري والثقافي والسياسي بدأ البحث في التاريخ السوري لتعيين قضية سورية فتنكّب بجدارة مهمة إنشائية عزَّ نظيرها في سورية. وهو لهذه الناحية يواكب أعمال النوابغ السوريين عبر التاريخ من فلاسفة ومشرّعين ومخططين ومفكرين ومجاهدين ومناضلين وأبطال، هؤلاء الذين استغرق ملياً في أعمالهم عبر مطالعاته مجلدات المؤرخين والجغرافيين والعلماء والأدباء العالميين، عرض لبعض نوابغ سورية عبر التاريخ في شروح المبادئ ودلل أن أي نهضة قومية لا يمكنها الانطلاق إلا باستمداد روحها من التاريخ الثقافي والفلسفي والفني والسياسي القومي لسورية لا من غيره. وطالع دساتير كل الدول الحديثة ووضع دستوره للحزب الدولة السورية مصغرة. ذاك النظام الذي قال فيه الماريشال بيتان بطل فرنسا في معركة الحرب الأولى أن خلو فرنسا من نظام مثله أفقدها الانتصار في الحرب فتلهت بوهم الديمقراطية التمثيلية المفتتة لقوة الأمة.

يتبع..

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017