إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أنطون سعاده ليس زعيماً فقط ... بلورة الهوية السورية تفاعل نبوغ إنسان وعبقرية مكان

هاني الحلبي - البناء

نسخة للطباعة 2016-03-24

الارشيف

نُشر جزءان من بحث «أنطون سعاده ليس زعيماً فقط المعبر الأوفى عن الأمة المبدعة إنسانية مثالاً» للزميل هاني الحلبي عرض في الجزء الأول لانطلاقة ظاهرة الزعيم أنطون سعاده وتكوّنها الاجتماعي والسياسي والأسري. وتابع في الجزء الثاني عرض التشكيلات الحزبية والسياسية التي أسسها سعاده في المهجر البرازيلي وآليات تأسيسها حتى بداية تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي على قاعدتين فلسفيتين تميزانه عن أية حالة حزبية أخرى، وهما الهوية والرسالة.

هنا جزء ثالث يتناول بعض قواعد تعيين الهوية السورية التاريخية..

استكمل سعاده بحثه العلمي التاريخي بمطالعته المؤلفات الرصينة والموسوعات العلمية وأية وثائق وصل إليها في المكتبات العامة والخاصة والمتخصصة وبلغات عدة، ولم ينقطع بحثه المتنامي طيلة حياتي الغنية بالفكر والنضال والبحث، وكان استدراكه تعيين الحدود الشرقية من ضفاف الفرات غلى سلسلة جبال زاغروس نموذجاً لاضطراد البحث المعمق. ومثله التركيز على اجتماعية النسق الفلسفي القومي الاجتماعي للإضافة لفظة الاجتماعي غلى اسم الحزب. ساعده ذلك الاطلاع الدائم والروح العلمية على تشكيل رؤية معمقة وبانورامية في الوقت نفسه لتطور الاجتماع السوري وتفاعله الاجتماعي الذاتي وبلورة الهوية السورية وتفاعل هذا الاجتماع مع البيئة السورية وقوانينها الطبيعية وتفاعله مع التحديات المصيرية وأخطارها على الهوية الذاتية السورية عبر العصور تفاعلاً تاريخياً لم ينقطع قط منذ بدء نشوء الاجتماع الإنساني.

القاعدة الذهبية لبحث نشوء الأمة وتبلور هويتها هي لا أمة من دون مجتمع ولا مجتمع من دون وطن، ولا وطن بلا أمة.. هي سر التفاعل التاريخي السوري في البيئة السورية الذي تنامى على أساسين متلازمين:

أساس مكاني:

الأساس المكاني للتفاعل هو معطى عبقرية المكان السوري الذي تمركز بين بحرين استراتيجيين هما البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، لترتسم لبيئة التفاعل التاريخي الحدود الآتية:

من الغرب البحر الأبيض المتوسط والذي حوّله النشاط التجاري البنّاء والمعلّم مع الفينيقيين إلى بحر أمورو العظيم فصار واحة أبجدية وشبكة تجارة ناشطة دينامية عالم جديد يتكوّن، وتدل أسماء المدن اللآلئ حول المتوسط من صيدا وصور وجبيل وبيروت وأرواد ومرسين وطرسوس ولارنكا وأثينا واسبارطة وفلورنسا وقرطاجة وطرابلس ثري بوليس: القرى الثلاث وغيرها الكثير.. أنه غدا بحيرة سورية للتفاعل الخلاق بين أمم عدة جمعها النبوغ الفينيقي السوري في عولمة بأبجدية واحدة ونهج عمراني فعّال.

ومن الجنوب الغربي البحر الأحمر الذي حاذى سيناء وفلسطين وبعض الأرض السورية الطبيعية التي تم ضمها للمملكة العربية السعودية ضمن اتفاقية سايكس بيكو والولادات الخديج لدول المشرق العربي كلها.

أما من الجنوب الشرقي فالخليج العربي الذي شهد تفاعلاً بطيئاً بالنسبة للتفاعل المتسارع على الشواطئ الغربية للبيئة السورية. لكنه شكل في العصر الراهن تهديداً استراتيجياً هائلاً بعد اكتشاف ثروة النفط وخلوِّه من فيزياء سكانية عربية مالئة فراغ العربة الصحراوي ليمكن تكوين استراتيجية فاعلة للدفاع عن ثرواتها الطبيعية، فظل كل بئر نفط مركزاً لإمارة عائلية فتفتت هذه البنية السكانية حتى التذرّر، مع صعوبة شروط النمو والتكاثر السكاني التي كانت تحول البيئة العربية إلى بيئة طالق تلفظ قبائلها بالغزو خارجها، بخاصة تلك التي تدور عليها دوائر الأحلاف القبيلية أو تلك التي تستجمع أسر الأحلاف حولها كما تحقق على يد النبي العربي محمد. والتفاعل الفيزيائي السكاني بين البيئة السورية والعربة هام جداً يلزم بحثه بعمق في مبحث مستقل. فأيّ من البيئتين والجماعتين استفادت أكثر من الأخرى؟ الدلائل تثبت أن العربة هي من استفادت سكانياً من الشعب السوري أكثر بسبب ضآلة دور العرب الأقحاح أو كذلك القحطانيين نسبة للمستعربين كالعدنانيين والذي شكلوا روح الحراك التاريخي الفعال في العربة عبر التاريخ، ما عدا الحراك الحضاري اليمني في الجنوب. إذ كانت العربة بفراغها في صحراء الشمال هي الملجأ النهائي لوفادة المهزومين أمام اجتياحات الأقوام الغريبة الغازية كحالة الاسكندر او الرومان وقبلهما الفرس وبعدهما حملات الفرنجة. دليل آخر هو لغوي في ما ينسب للسان قريش الذي أصبح ما يسمّى في عصرنا باللغة العربية وهي تطور للغة سريانية آرامية سورية. هي لغة العبادات والدين المسيحي ولغة الشعب الممتدة في البيئة السورية وفي بيئات عالمية عدة شرقاً حتى الهند وغرباً إلى شواطئ الأطلسي، وكانت من سليل السريانية التي ما زالت معروفة نسبياً حتى اليوم. والتشابه واضح بينهما.

أما في الشرق فكانت جبال زاغروس تحدّ التفاعل البنيوي السوري بقممها وذراها ووديانها العريضة عشرات الكيلومترات غير القابلة للسكنى ومناخها الجليدي المانع لدورة حياة فيها ففصلت بين دورة البيئة الفارسية ودورة حياة البيئة السورية ووسعت المسافة بين علامات التمايز الفكري والنفسي والروحي بين المنظومتين عبر التاريخ، إذ بقي شريط ساحلي من بضع عشرات الكيلومترات ومئات الأودية مسارب للتفاعل المقنن. هذا التفاعل المقنن جعل التمايز النسبي واضحاً جداً بين القومية السورية والقومية الفارسية، لكن التمايز لم يلغِ التفاعل العميق بما كسبته القومية الفارسية بلغتها وعبادتها ومفاهيمها وحضارتها من نمو القومية السورية وأسبقيتها في الطقوس والفلسفة والعبادات والنظام السياسية والتنظيم العسكري والمديني والأدب والنظرة إلى الوجود والكون والحياة والإنسيان والمصير والمصدر.

في الشمال كانت جبال طوروس جبهة جبلية عريضة مهيبة وعتيدة لتقطع تماماً بين البيئة السورية والبيئة الأناضولية وامتدادها الغربي حتى مضائق البوسفور والدردنيل، بحيث كانت البوابات الكيليكية وحدها مسارب التواصل بين البيئتين وبين حضانتي القوميتين السورية والتركية. وكان ممكناً لجيش إبراهيم محمد علي باشا الأرناؤوطي أن يخترق بلاد الشام خلال سنة ونيّف ليُخرج العثمانيين منها كاملة ويحصرهم خارج البوابات الكيليكية حتى توقيع معاهدة كوتاهية بينه وبين السلطنة العثمانية برعاية أوروبية أضعفتهما معاً. وشكلت سهول ماردين وديار بكر والرها وأدنة واسكندرون وغازي عينتاب وزاخو وأوردة الحياة كأنهر سيحون وجيحون والفرات ودجلة جنوب طوروس وحدها نواة بنية تشكيل امة عظيمة من مئات المدن التي تتحلق حولها آلاف القرى المزدهرة الخصبة الحقول والمواسم الغنية والمعابد المضاءة بكثرة المؤمنين وكثافة السكان.

المرجل المكاني الذي امتدّ فيه وفوقه التفاعل الحضاري السوري كان موضع بحث عميق عند سعاده ليؤكد وحدته عبر العصور وحدة حضارية اقتصادية زراعية استراتيجية وبشرية وعسكرية جعلته وطناً عبقرياً سباقاً ومبدعاً يحضن أول تجربة إنسانية عبر التاريخ ويشهد قيام أول مدينة وابتداع أول شريعة قانون حقوقي وتأسيس أول جيش خميس منظم، ما زال يحكم أي تنظيم عسكري نظامي إلى يومنا هذا. وما زالت قواعد تأسيس المدن السورية قواعد عمل مؤسسة لقيام أية مدينة في العالم.

انتشار المدن وشبكات الأقنية الزراعية والسهول والطرق التجارية وخريطة المعابد ومواسم الحجيج وتلاحق العواصم والمدارس العلمية والدينية قديماً ووسيطاً وحديثاً رسمت مسار التكون المبدع للتفاعل الذاتي المكاني للذات السورية في بلورة هويتها الفريدة عبر التاريخ.

أساس زماني:

شكلت حصيلة التجارب المبدعة للإنسان السورية من عصره الحجري وصوله لعصره المديني اضطراداً تجريبياً فلسفياً عبر الزمن أوجد هذا التنامي المشهد لإيجاد مقدمات ومسارات حضارة عظيمة في مكان واحد في سورية. فمن سومر بدأ كل شيء وكأنه دفعة واحدة، لكنها تتطور من نقطة صفر. وامتد في كل البنية الأرضية، حتى تبلورت القاعدة الذهبية أن مواهب الأمة وتاريخها السياسي والثقافي والقومي شكلت هذه الذخيرة الملهمة لأية نهضة يمكن أن تنشأ عندنا. اخترع الدولاب واختراعه أوصل إلى العربة التي شكلت فتحاً لعصر سرعة لم يكن له مثيل. ثوّر التجارة والتنقل والحركة والفتوحات العسكرية وأوصل تفاعل الأمة بينها بسرعة أنتج وأقوى. هذا التكامل التفاعلي المكاني الزماني أسهم في تكوين الهوية السورية هوية مميزة عن غيرها من الهويات التاريخية القومية في العالم.

كان سعاده منقباً كأثري يبحث عن لقى نادرة بانت له مؤشرات متفرقة بين تراب العصور وأمكنه بعد بحثه المضني والعميق جمع تلك اللقى بحكمة الفيلسوف ودراية العالم وخبرة القائد وحرص مؤسس القضية وعمق المنقذ.

وكان لافتاً أن سعاده أول من أطلق على سورية لفظة الأمة بينما كانت سابقة عليها لفظة الوطن السوري أو سورية وطننا. كما شرح لها المعلم بطرس البستاني في رسائله الوطنيات منتصف القرن التاسع عشر. وإن كانت لفظة الوطن تقارب الهوية وتشير إليها من وجهة جغرافية وطبيعية لكنها لا تصيبها بدقة كلفظة الأمة التي تحدّد البنية البشرية وتفاعلاتها الفيزيائية عبر التاريخ، بينما في تبلور مفهوم الهوية القومية الاجتماعية شكلت الأمة مرادفاً اجتماعياً للوطن، كما شكل الوطن مرادفاً جغرافياً اقتصادياً للأمة، وتأكد الترابط التكاملي في كلية الهوية بكونهما أقنومين لمفهوم الهوية القومية السورية.

يتبع..

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017