إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

المؤسسات السياسية في حزب سعادة حلقة سادسة : المكتب السياسي المركزي والشُعب السياسية

طه غدار

نسخة للطباعة 2012-08-11

الارشيف

السياسة من أجل السياسة لا يمكن أن تكون عملاً قومياً "

(رسالة الزعيم إلى حميد فرنجية 10/12/1935)

"... وإن من الأخطاء الفادحة في جميع الحركات التي جرت في حياتنا الماضية هي أخطاء إهمال الاجتماع في الأعمال السياسية، أما النهضة السورية القومية الجديدة فتعلن أن السياسة فن غرضه خدمة المجتمع، فأساسه دائماً اجتماعي قومي".

(حديث الزعيم إلى جريدة الأيام 20/5/1936)

"ونشأ في لبنان حزب "الوحدة اللبنانية" على طراز الحزب السوري القومي، وتشكلت "الكتائب اللبنانية" على هذا النحو. وجميع هذه الأحزاب استعارت لغة الحزب السوري القومي وتعابيره القومية والسياسية وبذلتها بلا حساب. وصرت ترى هذه الأسماء "مكتب الإذاعة والنشر" ولجنة الإذاعة ولجنة الشؤون الداخلية وما شاكل، وحتى الآن لما تشكل هذه الأحزاب مكاتب سياسية على مثال "المكتب السياسي" في الحزب السوري القومي".

(على غرار الحزب السوري القومي 2/11/1937)

"وفي الحزب القومي الاجتماعي مؤسسات فنية كالمكتب السياسي الذي يهتم بدراسة القضايا السياسية ومعالجتها بالطرق الدبلوماسية الفنية ووضع الخطط السياسية الدقيقة وهذه لا تُعلن لا للأعضاء ولا لغيرهم، لأنها تشتمل على نقاط خفية وأسرار دولة الحزب، كما تشتمل وزارة خارجية أية دولة على أسرار وخطط لا يجوز البوح بها للشعب إلاّ بعد تحقيقها، حرصاً على سلامة الخطة... ولا يُنتدب للأعمال السياسية في الحزب إلاّ المؤهلون لذلك الذي يأتيهم تكليف رسمي".

(إلى الرفيق صلاح الدين الأيوبي 11/12/1937

نشرت في النشرة الرسمية عدد 7 تاريخ 30/3/1947)

"إن السياسة... هي لخدمة العقيدة القومية المشتملة على قضية واضحة جلية معينة، وليست لمجرد السياسة أو لقضية شخصية. العقيدة لسعادة هي الغاية، والسياسة هي الواسطة".

(العروبة كقوة إذاعية للمطامع السياسية الفردية 1/4/1942)

دخلت بعض دول عالم العروبة، في ظل ما أُصطلح على تسميته خطأ "بالربيع العربي" والأصح تسميته "بالربيع اليهودي". أي في صميم الهموم "التغييرية" في واقع مجتمعاتها. ويبحث بعضها عن خارطة طريق لعمليات الانتقال "الديمقراطي".

وتجهد بعض الشعوب العربية للتخلص من الدساتير البالية واستنباط "دساتير جديدة" مستخلصة من اللحظات التاريخية التي تجتازها هذه الشعوب، عبر إنتاج "عقد اجتماعي" جديد بعد مخاض حِراك الميادين. ولا شك أن المخاض عسير، ويحتاج الزمن الضروري لبلورة الرؤية الجديدة للمسار الدستوري لهذه الشعوب، خلافاً لما جرى في مصر على هذا الصعيد، ذلك أن عملية التغيير عملية تاريخية لا يمكن إنجازها خلال فترة وجيزة كما أفاد القاضي طارق البشري.

الدستور الفريد

باكراً وعى سعاده هذه الرؤية، فوضع في بداية الثلاثينات من القرن المنصرم دستوراً للدولة السورية القومية الاجتماعية العتيدة، مازال حتى يومنا هذا مثار جدل بين الحقوقيين ودارسي القانون الدستوري بالنظر لفرادته وتمايزه عن دساتير الدول المتمدنة، ولما تضمّنه من رؤية سباقة يؤكد على ما تختزنه هذه الأمة من مواهب.

وإذا كان سبق للإنتداب الفرنسي ولرجاله القانونيين أن أقروا بتفوقه وأدَّعوا نسبته إلى بعض الدول الأوروبية، فما عاد الأمر اليوم كذلك. فهو من "جملة الإنتاج السوري" الذي يحتاج إليه العالم المتمدن.

وفي ظل هذا الاضطراب السياسي والأمني الدامي، العميق والواسع في دولة الشام، حيث تجهد دول الغرب الاستعمارية، وبعض الدول الخليجية المقطورة بها، لتوظيف العصابات الإرهابية "بلاك ووتر" لتمزيق وحدة الشعب فيها، اهتزت "دولة القرار القومي" وصاحبة شعار "أمة عربية واحدة..." على الصعيد الدستوري. وما كان هذا الاضطراب ليكون لو كان حزب سعاده "حاضراً" في هذا الظرف التاريخي. لقد انكفأ "البعث" وتراجع عن كل مقولاته السابقة، فصاغ دستوراً كيانياً لا مدنياً، ناسفاً هوية البلد الوطنية، معيداً دور "الشريعة" من غياهب ظلمات العقود الماضية إلى نصوصه. ورسب "القيمون" على "الحزب السوري القومي الاجتماعي" في الامتحان. وبدل المساعدة للانتقال إلى "أشكال" من دولة القانون عبر الاستدلال ببعض ملامح "دستور سعاده" - الذي لم يُطبَّق لتاريخه – دخلوا معترك "البعث" غير عابئين بالنتائج السيئة التي ستترتب على واقع شعبنا في الشام و... وكان ما كان...

في ظل هذه الظروف الخطيرة جداً على كافة المستويات، يُعاب على بلاد الشام هكذا إنتاج. كما سبق وأعبنا على بلاد الرافدين إنتاجها "دستوراً جديداً" في ظل الاحتلال الأميركاني الذي حمل آثاراً خطيرة على الصُعد الاجتماعية والسياسية. فعادت وطفت على السطح : العشائر ، الطوائف ، المناطق والأثنيات و... وتعيش البلاد على وقع استقالة الدولة !

وفي ظل تخلف رجال "النهضة" في هذا الظرف الخطير دون تقديم بعض "مخزونهم" الثقافي الهائل. نعيد التأكيد على المؤسسات السياسية التي ابتدعها سعاده لإنقاذ أمته من براثن الأحقاد الطائفية والمذهبية والأثنية ولتأمين مصالحها ورفع مستوى حياتها، فهو يعلن "أن وضع قواعد الحقوق المدنية للشعب السوري، وابتداء الدولة السورية القومية. كانا فجر تاريخ جديد في حياة أمتنا. ولكن العمل الباقي لتحقيق أهدافنا الأخيرة كان ولا يزال محفوفاً بالمشاق والمعاثر من الداخل ومن الخارج .

فمن الداخل نفسية عهد الانحطاط الفاقدة الثقة بمواهب شعبها ومصير أمتها، المستسلمة لعوامل التفسيخ والتفكيك والتفريق. ومن الخارج المكائد السياسية للحؤول دون نهضتنا وحصولنا على سيادتنا القومية.

مع كل المشاق والمعاثر، التي هي من طبيعة وضع الأمة الناتج عن بضعة قرون من التسلط الأجنبي، أخذت النهضة السورية القومية تشق طريقها بجهاد الجيل السوري الجديد، الذي اعتنق مبادئ البعث القومي وامتد نظره إلى آفاق الحياة القومية ومثلها العليا".

(نداء الزعيم إلى الشعب السوري 1/6/1940)

وأحد أشعة هذا الفجر: "الديمقراطية التعبيرية" التي هي "الاكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد. وهو دستورنا في سورية الذي نعمل به لنجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة".

(الزعيم في سانتياغو 25/5/1940)

الدستور المعيب

ما حدا بنا لقول ما أسلفنا، ما جادت به قريحة الأمين عصام المحايري الذي ارتدى لبوساً غريباً عن مسيرة الحركة السورية القومية الاجتماعية منذ أكثر من عشر سنوات، فقد أعلن نفسه أميناً عاماً (؟؟!) للحزب وترأس "المكتب السياسي" للشام، في ظل صمت غريب عن كل هذه الشواذات.

وبعد الأحداث الأليمة التي ألمت بشام الأمة. أسرع وتقدم بميثاق ونظام داخلي للحزب بعد صدور قانون الأحزاب في الشام. ليتسنى له أخذ رخصة لعمل الحزب في الكيان الشامي. وهكذا أصبح "الأمين العام" رأس العمل الحزبي الإداري! وأرفق الميثاق بلائحة أسماء مكتب سياسي مؤلف من 29 عضواً وبرئاسته ليصبح "الحاكم" الإداري والسياسي بموجب القوانين "الجديدة" للكيان الشامي. وقد قوبل عمله "برحابة صدر" على أساس "تاريخه الحزبي النضالي" الطويل!!

وقد سكت القوميون "بحكم النظام" على هذه الحالة الشاذة. كما كان سبق لهم أن سكتوا عن انحراف قيادة الحزب خلال فترة اغتراب سعاده القسرية أعوام 1938 – 1947!!

إن المكتب السياسي ينشأ بمرسوم من الرئاسة (الزعيم سابقاً) للقيام بدور أساسي في التخطيط للعمل السياسي في كل أرجاء الوطن. وتنشأ شعبة سياسية لكل كيان. هذا ما كان في الأيام الأولى لحزب سعاده في الثلاثينات.

وكان سعاده قد حدّد في خطابه المنهاجي في حزيران 1935 سياسة الحزب بشكل واضح لا لُبس فيه على الإطلاق. وكان يطلب من كل من عامل في الحقل السياسي داخل الحزب، أن يدرسه دراسة وافية قبل الإقدام على القيام بمهمته السياسية. كما كان يطلب من العاملين في الشأن السياسي أن يترجموا الخطاب لتقديمه إلى السفارات والبعثات الدبلوماسية أو الدول لإقامة علاقة سياسية على أساسه.

ومنذ البداية، توجه سعاده، في عمله إلى بناء أصحاب اختصاص في الشأن الحزبي العام، وعمل على حصر الشأن السياسي في بعض الأشخاص الذين لديهم مواهب شخصية نظراً للدقة المطلوبة في العمل السياسي. فكان يختار أصحاب المؤهلات والاختصاص العالي ليدربهم على كيفية تصريف الأمور الحزبية، ليتمكنوا من العمل بجدارة على نقل شعبنا من حالة إلى حالة أفضل. لاسيما بعد تفكك كيانات الهلال السوري الخصيب على الصعد السياسية والاجتماعية نتيجة المخططات اليهودية الهادفة لتفتيت الوطن السوري على المدى البعيد وحالياً وفقاً لسياسات نتنياهو المتضمنة في كتابه "مكان تحت الشمس". وتخلف حزبنا عن بناء سياسات قومية رادعة، لاسيما لجهة وضع خطط في كل النواحي السياسية والاجتماعية والعمرانية وبناء الإنسان المقاوم. وفي هذا المجال أشير إلى مشروع المهندس إميل العكرا الذي نفذه عام 1972 كمشروع تخرج من الجامعة. وشرحه بشكل مفصل في 16 تموز خلال إطلاق مشروع "وعد" العمراني في الضاحية الجنوبية لبيروت، ويتضمن بناء مدينة مواجهة في كل الشؤون الهندسية والعمرانية والدفاعية والاجتماعية و... لبلدة شبعا الحدودية في جنوبي لبنان.

لذلك، صرف سعاده وقتاً طويلاً على إعداد كل من غسان تويني وهشام شرابي وفخري معلوف و... وقد تألم لفقدان الأخير ألماً شديداً. وكان يساهم في حضور اجتماعات اللجنة التحريرية في جريدة "النهضة" فيحاضر فيها احياناً ويعطي "المحررين المستجدّين دروساً في الفن الصحافي وفي المبادىء السياسية"

من رسالته الى ادفيك شيبوب (1938.1.24)

كان التحدي – العائق أمام سعاده (وهو الذي علّمنا قبول التحديات ومجابهة العوائق) أنه لم يُعطَ الوقت الكافي لتأهيل الكوادر وتدريب أصحاب الكفاءات. لذلك كان دائم التفتيش عن هدنة مع الانتداب الفرنسي في الفترة الأولى من وجوده في الوطن. ومع دولة مخلفات الانتداب أو الاستقلال المزيف في الفترة الثانية - بعد عودته إلى الوطن عام 1947 - ليتسنى له بناء الكوادر التي يمكن الاعتماد عليها في تصريف شتى الأعمال الحزبية (المادة الثانية من المرسوم الأول: مؤسسة العمد ومجلسهم).

كان سعاده عظيم التصميم على حل كل مشاكل بلادنا. لذلك استهدف بناء "جنود"، في الإدارة والسياسة والاجتماع والاقتصاد... منبهاً لخطورة دور المجندين في العمل السياسي الذي يحتاج لمواهب وكفاءات وقدرات ومهارات فنية، إضافة إلى الاختصاص العالي في علم السياسة وطرائقه.

إن ما حصل خلال فترة غياب سعاده القسرية من انحراف عن جادة الصواب القومي يعود في جزء منه إلى عدم وجود أصحاب كفاءة في العمل السياسي. وإلى عدم تمكن سعاده خلال فترة قصيرة (1936 – 1938) من تدريب وتأهيل بعض المسؤولين للعمل السياسي.

ولا أنفي في هذا المجال الأنانيات الفردية وخيانة الزعيم من قبل القيادة المنحرفة لاسيما بعد إلغاء الزعامة والمبادئ الأساسية خلال فترة الأربعينات. فهو يتوجه على سبيل المثال إلى تويني في رسالته إليه بتاريخ 9/7/1946 بالقول: "... ولأني أحب أن أنشط فيك هذه الناحية الضرورية للعمل السياسي العالي" يشرح له باسهاب مراحل عديدة من تاريخ الحزب والصعوبات التي مرت على الحزب ليقول: "بعد انتهاء التأسيس... تطبيق الخطط السياسية العملية بأوسع شكل ممكن. فتطبيق الخطط السياسية العملية يحتاج إلى أشخاص مؤهلين للأعمال السياسية. والمواهب السياسية لا يمكن إحداثها بالمراسيم أو بتقرير تحويل النهج من جهة إلى أخرى، وقد رأينا نتيجة قيام العقائديين بأعمال سياسية في مثل وفد الحزب لمقابلة المرحوم الدكتور عبد الرحمن شهبندر، فمع أن المهمة كانت سياسية بحتة فإن أعضاء الوفد حولوها إلى جدل عقائدي لا طائل تحته... إن من الأشخاص من هم مؤهلون للمسائل العقائدية فقط، وتحولهم إلى السياسة يصيّرهم سياسيين ولا ينتج أعمالاً سياسية ودبلوماسية باهرة أو مجدية... ويجب أن يكون هنالك رجال مؤهلون للمسائل السياسية يكلفون القيام بها. وهؤلاء كانوا قلائل في الماضي ولا يزالون قلائل الآن. وإكساب الحزب كله مرونه سياسية من غير تهور في عقائده يحتاج إلى وقت وجهاز شخصي ضابط".

ويكتب إلى الأب بولس مسعد (2/8/1946) في ذات المنحى، كيف أنه لم تسمح له الظروف للاهتمام بأسد الأشقر من الناحية السياسية لوجود مؤهلات لديه منها "شدة اندفاعه في مجرى الأفكار والآراء اللامعة" ولكن "التخطيط السياسي هو عمل دقيق جداً لا يمكن بلوغ أحسن النجاح فيه بواسطة الأفكار اللامعة" مما أدى إلى سقوطه "في السياسات الصغرى"، عبر مساندته "للحالة الجديدة العارضة" داخل الحزب مما يدل على قلة ثقافته "بالقواعد القومية الاجتماعية للفكر السياسي".

ونقع في رسائل سعاده وبعض مقالاته في السياسة الدولية على كيفية التعاطي السياسي، إضافة إلى عملية التثقيف السياسي لبعض الأعضاء الذين كانوا يكلفون من قبله بإجراء بعض الاتصالات مع سفراء الدول الأوروبية. وإنه كان يختار رفقاء لديهم مؤهلات لهذا العمل السياسي المميز. هذا بالإضافة إلى رفد هؤلاء باستمرار بكل ما يحتاجونه من معلومات وتعليمات للنجاح في مساعيهم السياسية.

كل ذلك يسمح لنا بالقول أن ما حصل مؤخراً على الصعيد الحزبي العام في الكيان الشامي تصرف شاذ ومخالف مخالفة صارخة للفكر الدستوري القومي الاجتماعي. وصاحب هذا الاتجاه الانحرافي ذو سوابق في تاريخه الحزبي لاسيما عند محاولته تبرير "الواقع اللبناني" لنعمة ثابت أكثر من مرة، ومجاراته في عمله أو السكوت عنه يُعتبر مشاركة في جريمته التي لا تغتفر.

المؤسسات المتخصصة

باكراً، وعى سعاده حاجات شعبه للارتقاء والنهوض. فاختار الوسائل الناجعة لهذه المهمة العظيمة، فأنشأ المؤسسات المتخصصة بكل شأن من الشؤون، إرساخاً للعمل المؤسساتي في بناء الدولة، وإرساء قاعدة أساسية لجهة تولي أصحاب الاختصاص والمؤهلات زمام المسؤولية لاسيما في الشأن السياسي العام، لأنه لم يجد ساسة في بلاده، إنما وجد تجار سياسة يتلاعبون بكلمات مثل الحرية والاستقلال والسيادة و... لدغدعة مشاعر الناس.

لذلك افترق سعاده عن المشتغلين بسياسة بلاده بإنشائه مؤسسة متخصصة بالشأن السياسي البحت هي "المكتب السياسي". فامتاز بهذا العمل عن كافة الأحزاب في سورية ومحيطها حيث حاول بعضها تقليده شكلاً لا جوهراً. فكان رائداً في إنشاء هكذا مؤسسة في بداية عمله التأسيسي للحزب، محققاً كسب السبق على الأحزاب السياسية في أوروبة . ويختلف دور المكتب السياسي داخل الحزب القومي عن دوره داخل الحزب الشيوعي "السوفياتي".

إن مهمة هذا المكتب المشكل من مجموعة أصحاب اختصاص في السياسة والفكر السياسي والعلاقات الدولية والموزعين على شُعَب لمختلف كيانات الوطن السوري للاهتمام بالشأن السياسي القومي العام. تتدارس هذه المجموعة مجمل أوضاع هذه الكيانات ومتابعة شؤون الأحزاب والحركات والفئات السياسية فيها، وتأثيراتها على الشعب في كل المناطق. ومتابعة أنشطتها وأعمالها. وعقد اتفاقيات معها، أو معاداتها وفقاً لمصلحة الأمة، ليتمكن من درء الأخطار الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الواقعة والمرتقبة المحدقة بهذه الأمة. المكتب السياسي في حزب سعاده يهتم بشؤون الوطن والمواطن على عكس الأحزاب الأخرى اليوم في بلادنا، التي يهتم مكتبها السياسي بمصالح داخلية أو خارجية عابرة فئوية للأفراد أو الجمعيات والمنظمات.

فالمكتب السياسي هو الذي يضع الخطط ويرسم السياسات، بناء على بيان الرئاسة وتوجهات الرئيس، لكل الوطن السوري. ويُملي على الشُعب التابعة له قراراته، ويطلب منها تنفيذ خططه. وتقدم الشُعب تقاريرها عن أعمالها والمهام التي قامت بها، والاقتراحات لإقامة علاقات مع بعض الشخصيات المؤثرة أو الكتل السياسية والاجتماعية. يدرس المكتب هذه الاقتراحات ، ويتخذ القرارات الملائمة ويُعلم الشعبة بمضمونها، لتقوم بتنفيذها في منطقة عملها. فالمكتب يسهر على تنفيذ سياسة رئيس الحزب (السلطة التنفيذية)، فهو جهاز متخصص في دراسة الشأن السياسي العام للأمة والدولة السوريتين. يوزع العمل على الشُعب في الكيانات والمناطق التي ترفده بالتقارير والمعلومات الضرورية ليتمكن من التخطيط السياسي لكافة أرجاء الوطن السوري، وبالتالي لمنع تسرب العدو إلى داخل النسيج الاجتماعي لأبناء الأمة.

إن وجود مكتب سياسي من الشؤون الأساسية في حزبنا. وهذا ما دعا إليه سعاده منذ خطواته الأولى في تأسيس الحزب. ولا يمكن لخطة الرئاسة في شقها السياسي أن تنجح دون هذه المؤسسة الخطيرة، لاسيما في الظروف الحاضرة لبلادنا التي تتعرض لشتى أنواع الأخطار.

والحقيقة أن غياب هكذا مؤسسة ينعكس سلباً على عمل الحزب السياسي على مساحة الوطن، وبالتالي خارج حدوده، لأن هذه المؤسسة هي التي ترفد رئاسة الحزب ومجلس العمد بالتقارير اللازمة عن النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الوطن. فللمكتب السياسي موقع هام في الهيكلية السياسية الحزبية – هو بمثابة واسطة العقد – وبه تتكامل مؤسسات الحزب السياسية ليستطيع القيام بدور بارز وحاسم على الصعيد السياسي لصالح الوطن.

دور أساسي

عمد سعاده إلى إنشاء شُعب سياسية تهتم بالكيانات السياسية أو المناطق وفقاً للحاجة. حيث تتعاطى هذه الشُعب مع الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية، وترتبط كلها بمرجعية واحدة هي المكتب السياسي المركزي. ويؤكد سعاده على أهمية الدور الذي يلعبه هذا المكتب في حياة الحزب منذ تأسيسه. فهو يبوح إلى أدفيك شيبوب في رسالته إليها بتاريخ 24 يناير 1938 بهمومه ومشاغله قائلاً: "كانت الأيام الأخيرة، على رغم تعب أعصابي، مفعمة بالشواغل السياسية من داخلية وخارجية. فإن التضعضع الواسع النطاق الذي حلّ بالحزب من جراء الاضطهادات المتوالية، وبُعدي عن الإدارة مدة سنة ونيَّف، سارت فيها الأمور كما أرغب وكما لا أرغب، أوجب القيام بعمل واسع وخطة طويلة لإعادة الحزب إلى تقاليده والقبض على أعنة الأمور وكبح جماح من استيقطت أنانياتهم لتطغى على العقيدة والنظام والعودة إلى الأعمال الإنشائية والفكرية، ووضع قواعد المؤسسات العديدة التي أُهمِل أمرها كل هذا الوقت الطويل، كالمكتب السياسي وشُعبهِ ومؤسسات الإذاعة..."

لقد قسّم سعادة العمل على مؤسسات متخصصة لأنه يدرك أن توزيع العمل هو السبيل الوحيد للنجاح لاسيما بالنسبة للمنظمة القومية الاجتماعية. وطالما أنه يوجد شعبة سياسية في المنطقة هي رأس العمل السياسي فيها، فليس من حق المنفذ العام إعطاء تصريحات سياسية كما يورد في رسالته إلى منفذ عام المكسيك بتاريخ 14/8/1941: "لاحظت أنكم أعطيتم في المجلة القومية التي تصدرونها بالإسبانية في المكسيك تصريحات سياسية من غير أن تراجعوني أو تراجعوا مرجعاً مختصاً في الحزب كالمكتب السياسي... إن الفرع السياسي في الحزب هو غير الفرع الإداري، وإنه ليس من صلاحيات المنفذ العام إعطاء تصريحات سياسية عامة إلاّ بتخويل خصوصي، منعاً للتضارب في سياسية الحزب وحرصاً على وحدته السياسية".

ويورد في كلمة إلى الرفيق وليم بحليس الذي كلفه بإجراء اتصالات سياسية بواسطة وسطاء مع بريطانيا، مؤكداً على ما سبق إيراده في كلمته أعلاه ومشدداً على دقة العمل السياسي، "إن المسائل السياسية دقيقة جداً، وخطورتها تفوق المسائل الإدارية... والذين يُعينون للاشتغال بالسياسة بصورة دائمة يجب أن يجتازوا إمتحاناً بذلك" (28/8/1941).

وورد في المرسوم الرابع: لجان المديريات ومجالس المنفذيات، إن من صلاحيات مجلس المنفذية "درس مشاريع وتدابير سياسية ومالية واجتماعية واقتصادية محلية"، وفي هذا الشأن نوضح أن المشروع السياسي المحلي الذي يعالجه مجلس المنفذية يختلف عن الشأن السياسي للمنطقة التي تتعاطى به الشعبة السياسية.

ويورد في مقالته "موقف الحزب" بتاريخ 26/10/1937 كيفية توجيهه العمل السياسي لخدمة الشعب فيقول ما يلي: "صرح رئيس المكتب السياسي في الحزب السوري القومي لمخبر "النهضة"، إن الحزب سيقف من الانتخابات موقفاً سياسياً. أي أنه سوف لا يدخل معركة الأشخاص والمنافع الشخصية التي يقوم عليها الاتجاه الانتخابي.

يُعدّ هذا التصريح، الذي نشرته "النهضة" في عدد سابق فتحاً سياسياً جديداً، لأنها المرة الأولى في تاريخ هذه البلاد السياسي الحديث التي نجد فيها النظرة السياسية المجموعية تسيطر على الاتجاهات السياسية. فالحزب السوري القومي قد برهن هذه المرة أيضاً كما برهن سابقاً في كل ظرف وفرصة على أنه منظمة تنظر في أحوال الوضع السياسي العام وشؤون مجموع الحزب وتضع هذه الشؤون فوق جميع الاعتبارات".

وفي مقالته "كنا وسنكون" المنشورة في الزوبعة بتاريخ 15/7/1943، يشرح سعاده سوء سلوك صلاح لبكي من خلال موقفه من الانتخابات النيابية في الثلاثينات، والموقف الواضح الذي اتخذه المكتب السياسي عندما أصدر بلاغه "بعدم وجود مرشحين رسميين له وبعدم صحة بعض الإشاعات عن وجود مرشحين للحزب لم يعلنهم الحزب". ويتابع سعاده قائلاً إن بلاغ المكتب السياسي هذا كان "ضربة قاضية على آمال صلاح لبكي وعلى عبثه بنظام الحزب..."

ويشرح سعاده في رسالته إلى يوسف الغريب في 12/6/1941 موقع المكتب السياسي والعاملين في عضويته في هيكلية الحزب: "إن الذين ينتمون إلى دولة أو منظمة شبه دولة، مهما كان شكل حكومة هذه المنظمة أو الدولة، يترتب عليهم التقيد بسياستها الرسمية محافظة على وحدة العمل والروح تجنباً لإعطاء آراء لا مسؤولية فيها وبعيدة عن التكتيك السياسي.

إن الذين يحق لهم إعلان موقف المنظمة أو سياستها أو التكلم عن هذه السياسة على وجهة التعيين هم أشخاص قلائل ومؤسسات معدودة:

أ- الزعيم – مكتب الزعيم

ب- رئيس مجلس العمد – رئاسة مجلس العمد

ج- عميد الخارجية – عمدة الخارجية

د- عميد الإذاعة – عمدة الإذاعة

هـ- رئيس المكتب السياسي – المكتب السياسي.

سياسة الحزب الواضحة

وخلال فترة اغترابه القسري عيّن سعاده عدداً من الرفقاء في السلك الدبلوماسي والسياسي الحزبي، وكلف بعضاً آخر إجراء الاتصالات مع السفارات الأوروبية في الأرجنتين والبرازيل وغيرهما. ومن هؤلاء أخوه أدوار ويوسف الغريب، وكامل عواد الذي أصدر مرسوماً بتعيينه معتمداً سياسياً للشؤون المحلية في توكومان بتاريخ 19/5/1941 وجاء فيه: "إحالة الرفيق كامل عواد على السلك الدبلوماسي وتعيينه معتمداً سياسياً للشؤون السياسية المحلية".

كان سعاده يتابع مساعي هؤلاء المسؤولين ويرفدهم بالتعليمات المفيدة للنجاح في مهامهم. ورسائل سعاده زاخرة بالمعلومات حول هذا الشأن ومنها يبرز اهتمامه الكبير خلال سنوات الحرب العالمية الثانية لتأمين حقوق سورية القومية.

ومن المؤسف أن نشير إلى التقصير الفاضح في شأن التنقيب عن هذه الرسائل ومواضيع الاتصالات مع الدول المتحاربة أو مع سفاراتها المنتشرة في كل من البرازيل والأرجنتين والولايات المتحدة و... كما نشير، إلى محاولات سعاده عقد مؤتمر قومي للمغتربين في ذلك الحين ورسائله إلى ممثل سياسي لدولة إسبانيا في هذا الخصوص عام 1941 ليُؤكد على حقيقة تمثيله الوطن السوري. كما حاول عقد مؤتمر في البرازيل عام 1941.

وكان يزوّد موفديه بالمستندات المطلوبة. وأهمها خطابه المنهاجي في حزيران 1935 الذي يحدد بشكل واضح سياسة الحزب. وكان يطلب من بعضهم ترجمة المبادئ الأساسية والإصلاحية وبعض مواد الدستور – ليوضح ديموقراطية الحزب – إلى اللغات الأجنبية. لتقف هذه الدول على حقيقة مبادئ الحزب وسيرته وسياسته الواضحة.

وخلال فترة اغتراب سعاده، أصدر المكتب السياسي في "الحزب القومي" بياناً حول موقفه من القضية الفلسطينية، قُدّم إلى "مؤتمر الجبهة العربية" بيافا في 21 سبتمبر 1945.

ساحة الجهاد

قبيل عودته إلى الوطن في آذار 1947، وقف سعاده على الانحراف العقدي والنظامي والسياسي الذي وقعت به القيادة القائمة آنذاك برئاسة نعمة ثابت، فسافر هذا الأخير برفقة أسد الأشقر لاستقبال سعاده في القاهرة في شباط 1947. وإعلامه بالأعمال "اللامركزية" التي قامت بها قيادته "الفاسدة"، ولإقناعة بضرورة إستمرار "الحالة الجديدة" والمحافظة عليها، ومحاولة ثنيه عن إجراء أي تعديل عليها.

غير أن سعاده فاجأ الجميع: أركان القيادة المنحرفة، وأركان دولة الاستقلال المزيف، ومجموع الرفقاء الذين توافدوا لاستقباله من كل أرجاء الوطن السوري. فكان خطابه في ذلك اليوم مدوياً، رافضاً كل الوقائع الدخيلة على أدبيات الحزب، مؤكداً على "العودة إلى ساحة الجهاد".

وصدر في نشرة عمدة الإذاعة لعام 1947 بلاغ عن ناموسية مكتب الزعامة، يتضمن مرسوم الزعيم تاريخ 14 أغسطس 1947، القاضي "بإلغاء جميع المستحدثات الإدارية والسياسية التي أُنشئت في غياب الزعيم، وإبطال العلم المستحدث والعودة إلى علم الزوبعة الذي هو العلم الذي استشهد تحت خفقه عدد من أبطالنا في فلسطين ولبنان والشام وفي المعارك التحريرية في سبيل القضية القومية الاجتماعية المقدسة".

وأعقبه بنشر مرسوم بإنشاء الشُعب السياسية في 26 أبريل 1948 التابعة للمكتب السياسي المركزي. مرتكزاً في ذلك على المادة الخامسة من الدستور الأساسي: "نظام الحزب مركزي..."

واجه سعاده إذن نتائج سايكس – بيكو "الجغرافية" التي نتج عنها استقلال مزيف لبعض الكيانات السورية. كما واجه "الواقع اللبناني" للقيادة المنحرفة. وأعاد تنظيم الحزب وإلغاء كل المستحدثات الغريبة: لجنة إدارية عليا في الشام، ومفوضية فلسطين الإدارية، ورخصة العمل في الكيان اللبناني باسم "الحزب القومي". وأعاد بدءاً من كانون الثاني 1948 شرح المبادئ الأساسية والإصلاحية، و"النظام الجديد" الفريد من نوعه في الشرق الأدنى، والذي هو نتاج سوري خالص.

فعل سعاده كل ذلك، ليؤكد على حقيقة أساسية، إن ما سبق أن وضعه قبل اغترابه القسري، مازال صالحاً بُعيد عودته إلى الوطن. وأنه الطريق الوحيد لإنقاذ الأمة من كل الأمراض السياسية والاجتماعية التي أبعدتها عن جادة الصواب القومي.

لقد صاع سعاده مرسوم "الشُعب السياسية" بناء على "مقتضيات الأمر المفعول والحالة القائمة في البلاد السورية".

لم يُجارِ سعاده في هذا المرسوم طروحات جماعة "الواقع اللبناني" وعلى رأسهم أسد الأشقر وأعضاء المجلس الأعلى "اللادستوري" آنذاك. لقد صاغ هذا المرسوم ليقف على حقيقة الأوضاع المستجدة، وكيفية معالجة الأسباب الداعية وبالتالي كيفية العمل للخروج من نفق الاستقلالات الكسيحة، إلى رحاب الوحدة القومية.

السياسة المركزية

ومن قراءة هذا المرسوم، يتضح موقف سعاده المُؤكِدْ على ظاهرة المركزية التامة.

فالمادة الأولى تنص على أن الشُعبة تهتم "بالشؤون السياسية الداخلية" للمنطقة.

وجاء في المادة الثانية، أن الشعبة تنفذ "الخطط السياسية المقررة والمصدقة أو المرسومة"، وإن مرجعها الأساسي في ذلك "المكتب السياسي المركزي".

ونصت المادة الثالثة على "أن جميع الاتفاقات مع أحزاب أو فئات سياسية لتحقيق أغراض الحزب السياسية في المنطقة المقررة أو المرسومة يجب أن تحوز موافقة "المكتب المركزي". وأنه يعود له "حق نقض" و"توقيف" كل اتفاق مخالف للخطة السياسية المركزية.

تجدر الإشارة، إلى أن سعاده قد لحظ موضوع الشُعب عام 1938. ربما لوجود أقليات أثنية وعشائر وقبائل في مختلف الأرجاء السورية. هذا إضافة إلى الطوائف والمذاهب العديدة، وما كانت عليه من انغلاق نتيجة الاحتلال العثماني البغيض لمدة أربعة قرون... ليتسنى الوقوف على مختلف أوضاعها وارتباطاتها السياسية والاجتماعية. وليتمكن من وضع الحلول الناجعة والنجاح في ربطها بمحيطها القومي. فالشُعب في المنطقة لتكون على دراية تامة بكل أوضاع المنطقة. وإذا احتاج الأمر يتم تعيين مراسلين محليين في المناطق المتنوعة الطوائف والاثنيات للوقوف على أوضاعها "على الأرض" ، ولنقل كل المعلومات إلى المكتب السياسي المركزي ليتمكن رئيس الحزب من التخطيط السياسي العام لأوضاع الأمة.

إن سعاده في هذا المرسوم يعيد التشديد على مركزية العمل السياسي القومي. رافضاً كل عمل لامركزي في هذا الشأن، ورداً على "ترهات" العديد من "المسؤولين" في الحزب آنذاك، ورغم كل الفواصل التي أقيمت بين أرجاء الوطن الواحد، لاسيما جنوب سورية التي سُلّمت لليهود من قبل بريطانيا. أصر سعاده على مركزية العمل الإداري والسياسي.

ففي رسالته إلى مفوض فلسطين الإداري – آنذاك – الرفيق يوسف صايغ بتاريخ 10/9/1947 قبل إعلان تقسيم فلسطين بتاريخ 22 تشرين الثاني 1947 يستدعيه للنظر "بالمستحدثات الإدارية والسياسية الشاذة" للقيادة المنحرفة. بعدها ألغى سعاده مفوضيه فلسطين ليعيد وحدة "إدارة الحزب المركزية" ويتابع قائلاً في رسالته إليه: "قد اتخذت هذا التدبير تمهيدا لإحداث ترتيبات أوفى بالغرض، ... إن الإدارة ستعود إلى مركزيتها التامة وما سيُرتب إلى كل منطقة بالنسبة إلى أحوالها ووضعها السياسي يكون مختصاً بالناحية السياسية فقط، ويجب أن يبقى ضمن الأعمال السياسية فيكون لكل منطقة شُعبة سياسية ذات واجبات معينة تهتم بالوضع السياسي والحركات السياسية في المنطقة، ويكون مرجعها المكتب السياسي المركزي". لقد رفض سعادة الترتيبات الحزيبة الإدارية "التي نشأت في غيابه، لأنه وجد عدم صلاح الكثير منها للقيام بالأعباء الإدارية والسياسية على الوجه الأكمل وعلى الخطط الإدارية والسياسية الأساسية المقرر من قبل السير عليها". ولم يُعدّل سعاده موقفه بعد إعلان الدولة اليهودية المغتصبة في أيار 1948 لأنه كان مستشرفاً الآتي.

سعاده إذن، بعدما أطلع على كل المستحدثات الغريبة على نظام الحزب المركزي، بعد عودته إلى الوطن، رفضها رفضاً قاطعاً وجازماً طالباً العودة إلى الأساس، إلى الدستور الأساسي الذي صنّفه عام 1937.

الشطط السياسي

وحريٌ بمن أقدم اليوم على تأسيس مكتب سياسي للكيان الشامي والدعوة الظاهرية للفصل الإداري بين لبنان والشام أن يأخذ عبرة من كلمات سعادة عام 1947. وكذلك الأمر بالنسبة لتعيين معتمد لشؤون فلسطين بدلاً من إنشاء شعبة سياسية للكيان الفلسطيني. وحريٌ بأية قيادة مسؤولة، أن تحافظ على هذا النهج القومي الواضح الذي به وحده نحافظ على وحدة شعبنا في وطنه (المبدأ الأساسي الخامس). وبالتالي الحفاظ على وحدة القضية السورية القومية الاجتماعية.

إن رفض سعاده مسايرة أحوال التجزئة تحت مسميات الاستقلال كما فعل الحزب الشيوعي السوري بعد إعلان استقلال لبنان والشام، نابعٌ من معرفته التامة بواقع شعبه الاجتماعي والسياسي خلال الفترة الطويلة للاستعمار التركي في بلادنا، إضافة إلى فترة الحكم الفرنسي – الإنكليزي عبر صيغة الانتداب الفاسدة. لذلك أكد في المبادئ الأساسية (نظام الفكر) على عدم القبول بالتجزئة القومية والكيانات المصطنعة (نظام النهج) ليُبقي شعلة الوحدة القومية متقدة في نفوس السوريين، فأقام المؤسسات الضامنة لذلك: المكتب السياسي المركزي (نظام الأشكال أو المؤسسات).

رفض سعاده – إذن – ما اقترفته القيادة المنحرفة من آثام: لجنة إدارية عليا للشام، ومفوضيه إدارية لفلسطين و... فطرد هؤلاء جميعاً غير آسف. وهذا ما يورده في سلسلة رسائله إلى بعض المسؤولين في الوطن والمغترب بعيد عودته إلى الوطن عام 1947.

فهو يكتب إلى غسان تويني بتاريخ 26/5/1946 حول إقامة "إدارات شبه لامركزية" وأخذ رخصة في لبنان باسم "الحزب القومي"، بأن ذلك "سيجلب معه قضايا تقنية تستدعي درساً سابقاً وخطة مقررة ومنهاجاً معيناً". ويكتب إلى نعمة ثابت بتاريخ 5/9/1946 حول إتباع نهج جديد للحزب وإحلاله "العمل السياسي المجرد مكان الجدل العقائدي".

اضافة الى ما ورد في رسائل تويني إلى سعاده، وفي رد سعاده عليها بالقول: "فكرت في هذه التحليلات والتعليلات ورأيت فيها شططاً كبيراً وبداءة تولّد اعتبارات ناتجة عن جهل بعض الحقائق وعن غلط في الاستنتاج والتقدير. ورأيت إصلاح هذه الاستنتاجات والاعتقادات المخالفة للحقيقة ووضع حد لها قبل أن يتسع انتشارها وتكوّن مشكلة نفسية خطرة ومشكلة سياسية داخلية معقدة" ويتابع، مذكراً برسالة أسد الأشقر إليه في ذات المنحى الانحرافي وإجابته بقوله: "لو كان الزعيم أسس "حزب الإصلاح اللبناني" في لبنان و "حزب الإصلاح السوري" في الشام لكان الزعيم غير ما هو، وكان واحداً مثل كثيرين غيره يفكرون هذا التفكير المختص بالسياسات الصغرى، ويحاولون كل يوم هذه المحاولات، ويبعدون بعداً سحيقاً عن إنشاء نهضة أمة بأسرها مهما بلغوا من مراكز الحكم ومهما أطالوا الجلوس والكلام في جامعة الدول العربية". ورداً على رسالة لمعروف صعب بتاريخ 21/9/1946 يصف فيها "الحالة الحزبية الحاضرة وصفاً تناول بعض القضايا الهامة من عقائدية وإدارية وسياسية وشخصية" يجيبه قائلاً: "إن فترة المرارة والحيرة تجاه الأساليب السياسية الاختبارية الجديدة لن تطول كثيراً وسيعقبها عود الحرارة والثقة والعزم مع الوضوح والصفاء". كما يشرح للرفيق جرجي الددة في رسالته إليه بتاريخ 13/12/1946: "... التأويل الصحيح للمظاهر السياسية الجديدة..."

السياسة العملية

ومع عودة الزعيم إلى الوطن، عادت الحرارة القومية إلى نفوس القوميين الاجتماعيين فأوقف كل "الحركات المخالفة للدستور والمهدمة للنظام وروحه" وحلّ المجلس الأعلى كما حلّ المكتب السياسي الذي كان يرأسه نعمة ثابت (رسالة إلى رفيق الحلبي 22/6/1947).

لقد أنشأ الزعيم هذا المكتب المختص بالشأن السياسي العام للأمة، في ظل ظروفها المؤلمة الاجتماعية والسياسية المختلفة. ففي الثلاثينات، كان يُنشئ المراسيم بأعضاء المكتب وشُعبه، وفي نيسان من عام 1948 وضع مرسوماً خاصاً بعمل المكتب والشُعب السياسية التابعة له. ونُشر في النشرة الرسمية في عدد أيار 1948.

غير أن سعاده لم يُشر إلى عدد الأعضاء، فترك ذلك للمستجدات السياسية ولنشاط الأعضاء في هذا الميدان الحيوي. لكن من حيث المبدأ يجب أن يضم المكتب رؤساء الشُعب لكل كيان من الكيانات السورية إضافة إلى أعضاء يتابعون المناطق المحتلة من الوطن: الأحواز، سيناء، قبرص، كيليكيا والاسكندرون، فلسطين، الجولان، مزارع شبعا.

قلنا إن المكتب يتبع رئاسة الحزب، فيرسل تقاريره إليها ويُمكن عرضها على مجلس العمد للاستفادة من مضمونها في الحركة السياسية للعمد وتصريحاتهم في هذا المجال، لاسيما عميد الإذاعة للإذاعة الداخلية والخارجية. وعميد الخارجية للتواصل مع الدول ذات الشأن، وتصريحاته السياسية بناء لمشروع رئاسة الحزب. وفي هذا الشأن يورد سعاده في رسالته إلى ناموس مجلس العمد بتاريخ 10/1/1947 بعد عملية المماطلة من قبل الدولة اللبنانية لإعطائه جواز سفر: "وإذا فكرت عمدة الإذاعة بحملة على التسويف في وثائق سفر الزعيم بموافقة مجلس العمد واستشارة المكتب السياسي فيمكن أن يدمج في الحملة على الوزارة حملة على المفوضين في البرازيل الذين أظهروا عدم ارتياح إلى فكرة إعطاء جواز سفر من هناك..." ولم يحصل ذلك!؟

ويوضح سعاده في بلاغ صادر بتاريخ 30 آذار 1949 مجال نشاط كل من عمدة الإذاعة والمكتب السياسي: "يتلقى أحياناً بعض المسؤولين الإداريين في الفروع خاصة، أسئلة خطية أو شفوية من صحافيين أو شركات إخبارية أو بعض الكتل في صدد موقف الحزب من بعض الشؤون السياسية. فعلى المسؤولين الإداريين أن يتقيدوا بواجب الوظيفة الإدارية واختصاصها فيُحولوا إلى الشُعب السياسية والمكتب السياسي ما يتلقونه، ويحيلوا السائلين على مراجع الحزب السياسية وعمدة الإذاعة. إن عمدة الإذاعة في الحزب القومي الاجتماعي هي الجهاز المكلف بإذاعة ما يهم الرأي العام في صدد سياسة الحزب ومواقفه، أما المكتب السياسي وشُعبه فتهتم بما يُعرض على الحزب من قِبَل هيئات سياسية".

وفي 3 أيار 1948، أصدر سعاده مرسوماً يعين فيه عبد الله قبرصي رئيساً للشعبة السياسية في لبنان وخالد جنبلاط ناموساً وأديب قدورة وفريد صباغ وجورج واكيم أعضاء (النشرة الرسمية أيار 1948) وفي عدد يوليو 1948 (العدد 11) قُبلت استقالة ناموس الشعبة وعُين جورج واكيم ناموساً لها.

ويذكر عبد الله قبرصي في الجزء الرابع من مذكراته (الصفحة 159) كيف أنه جمع الشعبة السياسية اللبنانية عام 1953 لاستبدال ترشيحه للانتخابات في الكورة بالدكتور عبد الله سعاده.

يُستدل من ذلك أن صلاحيات المكتب، دراسة ترشيحات القوميين للانتخابات النيابية في الكيانات السورية. إضافة إلى درس التحالفات السياسية مع الشخصيات والكتل السياسية في المناطق ورفع التقارير إلى رئاسة الحزب ومجلس العمد لاتخاذ القرار المناسب من قبل الرئاسة. وفي هذا الشأن السياسي، لا علاقه إطلاقاً لسلطة المجلس الأعلى التشريعية: فهو شأن يتعلق بخطة الرئيس السياسية التي يُحاسب عليها، وتجري رقابة عليها من قبل السلطتين التشريعية والقضائية. ومن قبل الأمناء الذين اختاروه رئيساً. كل ذلك وفقاً لدستور سعاده لا وفقاً للتعديلات الغريبة عن هذا الدستور.

ونشير إلى ورود عبارة "تعيين الشعب السياسة" في صلاحيات رئيس الحزب (المادة 16) في أول تعديل دستوري حصل عام 1951. كما وردت هذه العبارة في نسخة الدستور المعدلة عامي 1980 و 1984. ولم ترد بعد ذلك في كل النسخ الصادرة من الدساتير عن التنظيمين الحزبيين.

ويوجد اليوم لدى تنظيم شعبة سياسية لبنانية ووزير للمصالحة الوطنية في الشام يجهد للنجاح في مهمته مع أن المطلوب أولاً النجاح داخل الحزب عبر وحدة القوميين لينجح في الخارج (أي الوزارة) والعكس غير صحيح. والآخر لديه مكتب سياسي في الشام – كما سبق القول – برئاسة المحايري.

كما هو واضح، أن مرسوم الزعامة الذي نضمه كملحق مع هذه المقالة، غير معمول به لدى التنظيمين. مما يوحي بعدم حاجة رئاسة الحزب إلى مكتب سياسي مركزي في ظل الظروف الحاضرة التي تجتازها الأمة!؟

إن عدم العمل بمضمون مرسوم سعاده (المكتب السياسي المركزي) دليل فادح على فشل السياسات التي تنتهجها القيادات الحزبية منذ استشهاده. كما أنها دليل فاضح على الفوضى السياسية التي تتخبط فيها وسقوطها في الإفلاس. ورغم فداحة الأزمة في الكيان الشامي لم تجد القيادة لدى التنظيمين ضرورة لإنشاء "خليـة أزمـة"! فلا حاجة لمكتب سياسي مركزي كما هو الحال زمن سعادة . ويقتصر اهتمام الرئاسة لدى أحدهما على الشؤون المحلية والزواريب الطائفية في لبنان. وإذا حصل أن أصبح أحد الأعضاء نائباً أو وزيراً عبر صعوده في قاطرة أحد الأحزاب الطائفية يتحول هذا النائب أو الوزير بقدرة قادر إلى خبير سياسي واستراتيجي!؟

إن تشريع سعاده لهذا المرسوم، دليل حيوي على قيمة المؤسسات والعمل المؤسساتي في حياة الأمة. وما إلحاح سعاده على ما يجب أن يحوزه عضو المكتب السياسي المركزي وكل عامل في الجهاز الدبلوماسي من شهادات واختصاص وخبرة لاسيما في العلاقات الدولية نتيجة تعقد الأزمات العالمية في عالم الصراعات على المنافع والمصالح يؤكد على أهمية وجود مؤسسة المكتب السياسي المركزي. لقد رسم لنا سعاده طريق الفلاح القومي فهلا سلكناه...!

ملحق

مرسوم بإنشاء الشعب السياسية

إن زعيم الحزب القومي الاجتماعي بناء على المواد الأولى والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة من الدستور، وبناء على مقتضيات الأمر المفعول والحالة القائمة في البلاد السورية، يرسم ما يلي:

مادة أولى:

تنشأ في كل دولة من الدول السورية شعبة سياسية تعنى بالشؤون السياسية الداخلية المختصة بعمل الحزب القومي الاجتماعي في المنطقة القائمة فيها الشعبة.

مادة ثانية:

ترجع الشعب السياسية إلى المكتب السياسي المركزي وتقوم بتنفيذ الخطط السياسية المقررة والمصدقة أو المرسومة من الزعيم وبالقيام بجميع المساعي والأعمال التي توصل إلى الأهداف السياسية المعينة لها من قبل المكتب السياسي المركزي.

مادة ثالثة:

إن جميع الاتفاقات مع أحزاب أو فئات سياسية لتحقيق أغراض الحزب السياسية في المنطقة المقررة أو المرسومة يجب أن تحوز موافقة المكتب المركزي الذي له حق نقض كل اتفاق لا يقبله وتوقيف تنفيذ كل ما يراه مخالفاً للخطط السياسية المرسومة أو معاكساً لتحقيقها.

مادة رابعة:

تتألف هيئة الشعبة السياسية من رئيس وناموس وأعضاء يعينون بمرسوم من الزعيم.

مادة خامسة:

تتخذ الشعبة السياسية قراراتها بالأكثرية المطلقة لجميع أعضائها.

مادة سادسة:

يعين للشعبة أعضاء مراسلون في الجهات التي يدعو وضعها إلى وجود عاملين سياسيين محليين يقومون بتنفيذ مقررات الشعبه ويراسلونها في أحوال محافظاتهم.

مادة سابعة:

يعمل بهذا المرسوم من تاريخ إمضائه.

مادة ثامنة:

يبلغ هذا المرسوم لمن يلزم وينشر ويحفظ.

صدر عن مكتب الزعيم في 26 أبريل 948.

الإمضاء

الزعيـم


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017