إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

وعد بلفور الأميركي ومشروع الوطن البديل

أسامة العرب - البناء

نسخة للطباعة 2016-11-12

إقرأ ايضاً


في الثاني من تشرين الثاني 1917، قضى وزير خارجية بريطانيا من خلال بضعة سطور كتبها، على أحلام شعب برمّته، شعب متسامح، منفتح وحضاري، شعب لا يحلم سوى بالتحرّر والاستقلال، حيث وجّه آرثر جيمس بلفور آنذاك رسالة باسم الحكومة البريطانية للصهيوني الفرنسي روتشيلد يخبره فيها بأنّ حكومة بلاده ستعمل على إنشاء «وطن قومي لليهود» في فلسطين.

أما اليوم، فمع اقتراب مئوية وعد بلفور المشؤوم، تضع «إسرائيل» اللمسات النهائية للقضاء على إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة منذ العام 1967، ولعلّ الحديث الدائر في الأوساط الإسرائيلية عن الكونفدرالية مع الأردن، وعن أنّ «الأردن هي جزء من فلسطين»، لا يبعد كثيراً عما يحدث على أرض الواقع من رسم سياسات بقوة الاستيطان والتهويد والتطهير العرقي في كلّ من الضفة الغربية والقدس. حيث يسعى الاحتلال «الإسرائيلي» لحشر الفلسطينيين في ثماني مدن متفرّقة هي بالإضافة إلى غزّة، أريحا ورام الله والقدس وبيت لحم والأغوار، وشمال الضفة وجنوبها. ويتمّ ذلك من خلال عزل شمال الضّفة عن جنوبها بِبُؤرٍ استيطانية تسمّى «إصبع أرئيل». وهي سلسلة عمرانية استيطانية تبدأ من مدينة كفر قاسم في الداخل المحتلّ وتنتهي بنهر الأردن، ومن خلال عزل رام الله عن الأغوار بطرق التفافية، ومن الجهة الغربية بجدار الفصل، ومن خلال عزل بيت لحم عن القرى المجاورة لها، خلافاً عن القدس وغزة وأريحا المعزولتين فعلياً.

وقد ورد في تقرير سرّي أعدّه رؤساء بعثات الاتحاد الأوروبي في القدس ورام الله، أنّ النشاط الاستيطاني الأخطر يكمن في تسريع بناء المشروع الاستيطاني E1 الذي «يفصل القدس الشرقية عن باقي أنحاء الضفة الغربية، وفي حال استكماله ستُقطّع القدس الشرقية من الجنوب عن بيت لحم وجنوب الضفة الغربية». كما أشار التقرير إلى أنّ « بناء هذه المستوطنات الثلاث هو جزء من استراتيجية سياسية تهدف إلى جعل مسألة تحويل القدس الشرقية إلى عاصمة للدولة الفلسطينية أمراً مستحيلاً فعلياً».

هذا وقد صرّح نادي الأسير الفلسطيني بأنّ نحو 400 طفل وقاصر فلسطيني تتراوح أعمارهم بين «10-17» عاماً معتقلون في السجون «الإسرائيلية» بسبب الاستيطان. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ينفذ الفتى الفلسطيني مراد ادعيس 15 عاماً عقوبة السجن المؤبد وغرامة بمبلغ مليون و750 ألف شاقل، بذريعة طعنه مستوطِنة كما ينفذ الطفل أحمد مناصرة حكماً بالأشغال الشاقة لمدة 12 عاماً مع عطل وضرر 80 ألف شيكل بذريعة تقديمه العون للشهيد الفتى حسن مناصرة الذي حاول أن يطعن مستوطِناً، فيما تنتظر الفتاة نورهان عواد 17 عاماً صدور حكم نهائي بحقها، يقضي بحبسها لمدة 15 عاماً بذريعة محاولتها طعن مستوطن. هذا ويشهد العام الحالي مئات الحالات من الاعتقالات التي ينفذها الاحتلال بين صفوف الأطفال والقاصرين، لا سيما في محافظتي الخليل والقدس.

حتى المقدّسات لم تخلُ من محاولات التهويد، فعلى وقع صدور قرار اليونسكو الذي أكّد بأن لا علاقة لليهود لا من قريب ولا من بعيد بالمسجد الأقصى، ازدادت أعداد المستوطنين المقتحمين للأقصى فيما دعا «النتن ياهو» المجتمع اليهودي بأكمله لمشاركته بتكثيف أعمال الحفريات أسفل الأقصى بهدف «تغيير الأمر الواقع»، أيّ بهدف «هدمه». وقال وزير الأوقاف الأردني الأسبق ورئيس اللجنة الملكية لمؤسسة إعمار المسجد، المهندس رائف نجم: «إنّ الهدف الرئيس والفعلي من الحفريات الصهيونية خلخلة جميع الأبنية الإسلامية الموجودة في المنطقة ومصادرة أو هدم بعضها حتى لا يبقى شيء في القدس، أما ظاهرياً، فيعلنون أنهم يفتشون عن أساسات الهيكل المزعوم، الذي لم يجدوا له أيّ أثر رغم هذه الحفريات كلها».

ووفق موقع «إسرائيل بالاس» فإنّ فكرة حلّ الدولتين قد انتهت إلى غير رجعة والدولة الفلسطينية ماتت، كما أنّ الضفة والقدس سوف تتحوّلان في المستقبل القريب إلى جزء لا يتجزأ من «إسرائيل»، على أن يُصار إلى اقتطاع قسم من الأردن للفلسطينيين. وقد كان شمعون بيريز في السابق واضحاً أشدّ الوضوح في هذا الأمر، حيث إنه لم يقل إنّ الأردن هو الوطن البديل للفلسطينيين فقط بل قال ما هو أخطر من ذلك، حيث قال إنّ الأردن هي جزء من فلسطين التاريخية أيّ أنها أرض فلسطينية. كما ورد في كتابه «الشرق الأوسط الجديد»، وقال أيضاً: «من المعروف بأنّ البريطانيين استولوا على البلد الذي كان يسمّى فلسطين من الأتراك عام 1917. وبعد خمسة أعوام تمّ تقسيمه إلى جزأين، حيث أقيمت المملكة الأردنية الهاشمية بشرق النهر وأقيمت فلسطين غربه، وذلك بموجب تفويض منحته عصبة الأمم المتحدة لبريطانيا العظمى، وبعد ذلك تلت خطط واقتراحات عدة بتقسيم فلسطين، وما صاحب ذلك من تغيّرات على أرض الواقع، وانضمام الضفة الغربية إلى الأردن». مضيفاً «أنّ اسرائيل ترفض بالكامل إقامة الدولة الفلسطينية لأسباب أمنية حتى ولو كانت منزوعة السلاح. ولهذا، فلا بدّ من طرد الفلسطينيين إلى الأردن».

وفي ندوة تلفزيونية عقدت مؤخراً في برلين وبثتها القناة الألمانية دعا المؤرخ الإسرائيلي ميخائيل فولفزون المانيا وأوروبا وأميركا إلى تحويل الأردن إلى ما أسماه «فلسطين الأولى»، متنبّئاً بإطاحة الثورات بالعائلة الملكية في الأردن إنْ لم يحصل هذا الأمر.

ورغم أنّ المشروع الرامي لتهجير الفلسطينيين إلى الأردن ليس بجديد، إلا أن الجديد فعلاً هو أنّ التنفيذ أصبح قريباً جداً لدرجة بات قادة الأجهزة الأمنية ورئيس لجنة الخارجية والأمن التابع للكنيست آفي ديختر، يقرعون الطبول لاجتياح الضفة والقدس؟ كما أنّ هذا الأمر ظهر للعلن من خلال الوعد البلفوري الذي وجّهه المسؤولون الأميركيون مؤخراً لـ «إسرائيل»، لا سيما لجهة رفض فكرة حلّ الدولتين والاعتراف بيهودية الدولة «الإسرائيلية» وبالقدس موحّدة عاصمة أبدية لها، رابطين ما بين مشروعي الوطن الفلسطيني البديل وتقسيم الشرق الأوسط على أسس طائفية ومذهبية.

هذا عدا أنّ المتغيّرات الدولية الجيوسياسية تنبئ بأننا حالياً أمام مفترق طرق، فإما أن تنشب حرب إقليمية كبرى في المنطقة على وقع الاختلاف في وجهات النظر بالملف النووي الإيراني، وإما أن تتناغم السياسات الخارجية الأميركية والروسية وتتحلحل العُقد، باستثناء العقدة الفلسطينية. وعموماً، فلطالما حَكم السياسة الدولية منطقا القوة والمصالح، ولطالما كانت الغلبة للصهاينة على سائر دول المنطقة بفعل التقاء مصالح لوبياتهم الخارجية مع مصلحة الكيان المحتلّ. إلا أننا وبدون أدنى شك، سوف نشهد من الآن فصاعداً أفول العصر الأميركي وصعود نجمي الصين وروسيا، لا سيما في الشرق الأوسط.

ولهذا، فإن كانت إسرائيل تتكئ على البطة الأميركية العرجاء لتستكمل نهب الـ 12 بالمئة المتبقية من أرض فلسطين التاريخية، فالأجدر بها أن تعلم بأنّ قوى المقاومة والممانعة الحيّة في المنطقة والتي حقّقت الانتصارات العديدة على «الإسرائيلي»، قد وسّعت هي الأخرى من نطاق تحالفاتها الدولية، وازدادت إصراراً بوجوب إزالة «إسرائيل» من الوجود، لأنها سرطان عنصري مستفحل لا حلّ له، فيما فلسطين هي الحلّ الوحيد، ليس لأنها فقط صاحبة الأرض والحق معاً، بل لأنها دولة الانفتاح والتعايش بين مختلف الأديان، ولأنه لا يوجد فيها مواطن درجة أولى ودرجة ثانية، ولأنّ أساس ملكها الوحيد هو العدل. ولهذا، فإنّ «إسرائيل» زائلة لا محالة، وتبقى وستبقى فلسطين!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018