 الامين كامل ابو كامل اسم كان له حضوره القومي الاجتماعي الباهر في كثير من تاريخنا الحزبي لقد اشرنا إليه في اكثر من موقع عند الحديث عن معركة شملان ودوره كعميد للدفاع في اثنائه.
الامين كامل ابو كامل يكتب عنه الكثير. من المؤسف ان تاريخنا لم يحظ بالكثير من الاهتمام وما زلت اذكر بغصة الكثير من الصادرات الموجهة الى امناء ورفقاء لكن مع الاسف لم يرد ما يغطي الكثير المطلوب، كما امناء ورفقاء تولوا مسؤوليات محلية ومركزية رحلوا وغاب معهم الكثير من المعلومات الحزبية التي لا يجوز ان نخسرها.
الامين كامل ابو كامل تولى في الحزب مسؤوليات قيادية كثيرة وقد ارتبط اسمه كثيرا بالفنانة القديرة معزز روضة(1) التي ترافقت مع الامين كامل معظم سنوات عمرها وكثيراً ما التقيت بها وبالامين كامل في منزل الامينين انيس وسهام جمال اللذان ارتبطا بكثير من المودة مع الامين كامل.
نورد ادناه ما بعض مما سطره الامين كامل ابو كامل من مذكرات آملين من كل من عرف الامين كامل ابو كامل ان يكتبوا عنه، بدورنا سنتابع الاهتمام، رافعين يدنا بالتحية للامين كامل ابو كامل لما تمتع به طيلة سنوات عمله الحزبي من حضور مميز.
*
وجهت الزميلة "الرابطة" الى بعض الشخصيات الاسئلة الثلاثة التالية:
1. ما رأيكم في هذه الازمة التي تتخبط بها البلاد؟
2. هل تظنون انه من أهم اسبابها الادارة التي يمثلها بعض النواب من ارتكابات مخالفة القانون
3. هل تعتقدون ان حل المجلس النيابي الحاضر يضع حدا للازمات المتوالية.
وقد نشرت صدى النهضة في العدد 127 تاريخ 23 أغسطس 1946 جواب الاستاذ كامل ابو كامل منفذ عام الغرب للحزب القومي. وهذه هي الاجوبة على الاسئلة بالترتيب.
1- ان الازمة الموجودة الان هي بلا شك وليدة عدم الشعور بالمسؤولية من قبل الهيئات اللبنانية اولاً والنظام الطائفي القائم او القائمة عليه سياسة المسؤولين في الدولة. واعتقد ان هذه الازمة او الازمات الكثيرة تحتاج الى تغيير وتبديل عقلية افراد الامة واتجاههم نحو اهداف سامية ومرام نبيلة وقصد شريف.
فعندما يصلح الفرد يصلح المجموع. والاصلاح لا يتم الا عن طريق الاخلاق فهي كل شيء بنظري، واخلاقنا نحن في هذه البلاد الجميلة يجب ان تكون اخلاقاً ناضجة كاملة لا شائبة تشوبها.
2- ان اللوم في الدرجة الاولى يأتي على النظام المعمول به حالياً هذا النظام المعوج الذي تقوم عليه سياسة الدولة وسياسة بعض الجماعات. وعلى الاشخاص او قل على أفراد الامة ان يتعودوا على وضع المصالح العامة في الدرجة الاولى فوق مصالحهم الشخصية الفردية التي تحفظ استمرار سيادة افراد معينين.
3- ليس حل مجلس النواب الطريقة العلمية الصحيحة لانقاذ الموقف بل في انتقاء الاشخاص الذين يحسنون صيانة مصالح الامة والدولة وهذا الشيء يطلب من جميع افراد الامة. ولذلك يجب على هؤلاء الافراد ان يحسنوا اختيار ممثلين يمثلونهم التمثيل الصحيح الكامل.
واعتقد ان بتغيير الافراد فقط لا نحصل على النتيجة المطلوبة، النتيجة العملية الكبرى التي نتمناها للوطن، ولكن في تطور هؤلاء الافراد وفقاً للمصالح القومية العامة هو الذي يعطي البلاد النتيجة الموفقة لصيانة الامة والوطن وحفظ هذا الاستقلال من كل خطر يهدده.
وان حل المجلس النيابي الحالي هو تجربة اولى للعقلية اللبنانية ولذلك ارى ان حله في الوقت الحاضر يمكن ان يعطي نتيجة مبدئية تكون اساساً طيباً للمستقبل.
*
ومن مذكراته ما سطره عن الحقبة الواقعة بعد سنة 1947 اي بعد قدوم حضرة الزعيم من المهجر
الفرح يعم جميع القوميين الاجتماعيين ومؤيديهم، فزعيم الحزب السوري القومي عائد الى وطنه بعد اغتراب قسري دام عشر سنوات والحكومة اللبنانية في حيرة، فهي غير قادرة ان تمنعه بواسطة القانون، فانطون سعاده لبناني وقد حصل على الاوراق القانونية التي تخوله من دخول لبنان. فما كان من رياض الصلح الذي كان رئيساً للحكومة الا ان يلجأ الى المسؤولين عن الحزب في غياب الزعيم ويبحث معهم مدى الخطورة على حياة الزعيم اذا هو دخل لبنان ويكون من الافضل له ولحزبه البقاء خارج البلاد. والمسؤولون آنذاك، كان رئيسهم نعمة ثابت يلازمه مأمون اياس واسد الاشقر.
وتمكن رياض الصلح وكميل شمعون من اقناع نعمة ثابت بأفضلية اقناع الزعيم لبقائه خارج البلاد. والذي اذكره ذهب وفد حزبي مؤلف من الرئيس نعمة ثابت يرافقه اسد الاشقر للبحث مع الزعيم بالقناعة التي تشكلت عندهم خوفاً على حياة الزعيم، الذي يحتاجه حزبه ان يبقى حياً.
وفي القاهرة حيث نزل الزعيم بعد عودته من المهجر كشف نعمة ثابت عن نوايا الدولة اللبنانية تجاه الحزب وتجاه الزعيم بصورة خاصة، وجرب اقناعه مع رفاقه بالبقاء خارج لبنان وبعد جدال طويل تكشّف لحضرة الزعيم بان القادة القوميين لم يستوعبوا بعد حقيقة هذه النهضة الجبارة ولم يفهموها فهماً عميقاً. والوثيقة التي جعلت الزعيم يشتبه بتصرف القادة هو ما كان قد وصله من رسائل حول خطاب السيد نعمة ثابت في اجتماع بعقلين بعنوان الواقع اللبناني وما كان قد اخذه على فايز صايغ مما كان يجد في نشرة عمدة الثقافة. لذلك اصرّ حضرة الزعيم رغم كل العقبات على القدوم الى الوطن، وعاد الوفد من القاهرة وبدأ يحضرّ القوميين لاستقبال زعيمهم على المطار ساعة وصوله. وفي اليوم المحدد امتلأت ساحة المطار بالقادمين كما غصّت الشوارع المؤدية الى المطار بصفوف القوميين الذين حظروا لاستقبال الزعيم(2) وما ان حطت الطائرة حتى دوت الهتافات وبانت الافراح على وجوه القوميين فتقدم لاستقباله اعضاء المجلس الاعلى وبقي القوميون في صفوفهم البديعة النظام حتى بدأ الموكب بالتحرك وكانت المعلومات قد أذيعت بان اجتماع سيعقد في الغبيري يلقي الزعيم فيه خطاباً.
اتجه الجميع الى الغبيري تتقدمهم سيارة الزعيم يسوقها عثمان اضرملي وخلفه سيارات تقلّ اعضاء المجلس الاعلى. وفي الغبيري القى الزعيم كلمته الشهيرة التي اذكر منها قوله: "صحيح اننا اخذنا الاستقلال لكننا لم نتحرر بعد، لقد خرجنا من السجن الكبير الى الساحة لكننا لم نزل داخل الاسوار".
وبعد الخطاب انتقلنا الى قصر السيد نعمة ثابت وجاء مصور ليأخذ صوراً للزعيم، واراد الزعيم ان تؤخذ صورة له مع المجلس الاعلى الذي كنت احد اعضائه، ومع الامناء الباقين. واذكر ان الامين انيس فاخوري(3) كان الزعيم قد فصله وأوقف رتبة الامانة عنه، وعند بدء المصور ترتيبنا لمح الزعيم الامين أنيس فاخوري واقفاً بعيداً، فناداه وأمره بان يقف ويأخذ الصورة معنا وأعتبرنا هذا الامر بأنه اعاد االرتبة إليه وذلك استناداً للمعلومات التي كانت قد وصلت للزعيم بمسلكية أنيس فاخوري الممتازة اثناء غيابه.
ولم يمر اكثر من ثلاثة ايام على وصول الزعيم حتى يفاجئنا الامن العام بإصدار مذكرة احضار بحق الزعيم متذرعاً انها الاستجوابة واستيضاح بعض كلمات وردت في خطابه الشهير.
فدرس المسؤولون هذه المذكرة، ورأوا فيها ما يشير الى اثارة المشاكل مع الحزب. لذلك انتقل الزعيم من مركزه في بيروت الى قرية عين عنوب حيث نزل في بيت الامين حسن ريدان(4).
طلب الزعيم من رئيس المجلس الاعلى نعمة ثابت الذي كان يشغل منصب رئاسة المجلس الاعلى ورئاسة مجلس العمد في ذاك الوقت، قبل اتخاذ قرار بفصل السلطات، ان يعقد اجتماع للمجلس الاعلى يحضره الزعيم، وقد لبى الرئيس دعوة المجلس وتعيّن ان يعقد الجلسة في عالية في بيت السيدة معزز روضة. وفي الموعد المحدد حضر جميع اعضاء المجلس كما حضر حضرة الزعيم.
وفتحت الجلسة رسمياً فطلب الزعيم الكلام بملاحظات ان هذا المجلس غير دستوري لانه يضم بين اعضائه اعضاء لا يحملون رتبة الامانة، كالرفقاء عبد الله سعادة والدكتور كريم عزقول وفريد مبارك. ولذلك يعلن حلّ هذا المجلس رغم ما قام به من نشاط ورغم محافظته الكاملة على المؤسسات القومية واخلاقية القوميين العالية.
قبل هذا التاريخ لم يكن احداً من الامناء يدرك هذا الموضوع، لانه لم يكن يوجد اي نص عليه في الدستور القديم، ولذلك ارتكب المجلس الاعلى المذكور هذه الغلطة عن نيّة طيبة، وذلك بقصد ضم الامكانيات الحزبية الفاعلة الى مؤسسة المجلس الاعلى. ثم وجه المسؤولون سؤالات كثيرة استفسارية الى حضرة الزعيم التي أجاب عليها كلها، وبعدها تم درس مدى ابعاد مذكرة الامن العام، وتقرر بالتالي ان يبقى الزعيم بعيداً عن العاصمة الى ان تدبر الامور مع السلطة.
انفض الاجتماع وذهب اعضاء المجلس كل الى بيته، باستثناء جورج عبد المسيح وانا وصاحبة البيت السيدة معزز روضة التي أعدّت عشاء خفيفاً للزعيم وقضينا السهرة امام النار المستعرة في المدفأة.
بقي الزعيم في عين عنوب مدة طويلة حيث كان يستقبل يومياً المسؤولين الحزبيين بعد ان اصدر قراراً بحل المجلس الاعلى الغير دستوري. وبعد مقابلات عديدة مع السيد نعمة - واكثرها كان يكون مغلقاً – محاولاً ان يقنع السيد نعمة ثابت في فهم العقيدة الصحيح، والسيد نعمة التلميذ الشاطر والذي كان الزعيم يعلّق الامال عليه، لا من ما طبعه عامل الخوف من السلطات اللبنانية وما يمكن ان تقدم عليه من اعمال بحق الزعيم، الا انه أصرّ على موقفه المعروف بلبننة الحزب وكان يجاريه في هذا التفكير الرفيق مأمون اياس ولحد ما الرفيق أسد الاشقر.
اتخذ الزعيم قراره بطرد السيدين نعمة ثابت ومأمون اياس وقرار بفصل الرفيق اسد الاشقر وذلك بعد ان قطع الأمل بوضعهما في خط العقيدة السليم.
واثناء وجوده في عين عنوب زار المديريات القريبة كبشامون وشملان وعيتات وسرحمول الذي ارتاح فيها كثيراً، وبعدها انتقل الى بعقلين حيث نزل في بيت الامين حسن الطويل مستطلعاً اوضاع منفذية الشوف. وكنت انقله في سيارات مسلّحة تسليحاً كاملاً وبرفقة ستة من الرفقاء الاشداء وعلى رأسهم الرفيق توفيق نور الدين(5) وخلال وجوده في المنطقة منح رتبة الامانة للرفقاء فريد صباغ(6)، اديب قدورة(7)، الدكتور عبدالله سعادة(8) وحسن الطويل(9).
قرر الزعيم العودة الى منفذية الغرب بعد انتهاء عمله في الشوف، فارسل من يبلّغني ذلك واخذ مني موعداً. وفي الموعد المعين ذهبت والرفيق فؤاد زحلان بسيارة دودج مررت بقبر شمون حيث مخفر الجندرمة فيها وكان الآمر صديقي وابن بلدتي وسبق له واقسم يمين الولاء للحزب الرفيق رفيق صلاح الدين. قلت له باننا سنمر ولدينا سلاح ولا نقبل ان يفتشونا او يعترضوا طريقنا. قلّي سمعاً وطاعة وأكملت طريقي الى كفرحيم حيث وصلنا بالوقت المحدد تماماً. اوقفنا السيارة على جانب الطريق المحاذية لطريق المناصف القديمة، وتقع بين كفرحيم ودير القمر وكان الوقت ليلا فلم نرى اي نور لسيارة قادمة من بعقلين، فما كان علينا سوى الانتظار.
وبعد انتظار دام ساعة تقريباً بدأ فؤاد زحلان يصرخ بصوت عال: يا كامل ابو كامل! اجابه صوت من الوادي: ايوه.. ايوه.. عندها علمنا بان الزعيم قادم مشياً على الاقدام. وبعد نصف ساعة من الانتظار فاذا بالشباب يصلون متقدمين الزعيم وقد رافقه من بعقلين الرفيقان حسن الطويل وخليل الطويل. ركبنا السيارة وكنا تسعة، الزعيم وانا وفؤاد زحلان والحراس الستة وقد عاد كل من حسن الطويل وخليل الطويل الى بعقلين.
قطعنا طريقنا دون اي حادث. وعندما وصلنا الى قبر شمول قلت لحضرة الزعيم ارجو ان اكون انا الآمر الوحيد هنا. أجاب الزعيم نعم، إنت الآمر وانت منفذ المنطقة. طلبت ذلك احتياطاً اذ كنت اخاف ان يكون صديقنا آمر المخفر أهمل اخذ الاحتياطات في تجنبنا التفتيش.
مررنا بالمخفر بسلام اذ لا دورية بالطريق ولا احد اعترض طريقنا. وصلنا الى شملان ونزل الزعيم في بيت الرفيق نجيب المقدم(5) حيث كان بانتظاره.
وفي اليوم الثاني جاءه الرفيق فريد صباغ وأقنعه بالانتقال الى ضهور الشوير. ابلغني الزعيم رغبته بالانتقال على ان ادبّر الخطة. قلت أمهلني ليوم واحد. قال ليكن.
في اليوم التالي جئت بأربع سيارات. انا اسير في المقدمة، ويكون الرفيق فؤاد زحلان في السيارة الثانية اي ورائي تماماً، وعندما تتوقف السيارتان فعلى السيارة الثالثة التي يركبها الزعيم ان تعدو وتتبعها سيارة الحرس، وهكذا كان. ركبنا في أربع سيارات وسلكنا الخط الرئيسي اي الفياضية، جسر الباشا، طريق بيت مري ضهور الشوير. سرنا الطريق كلها دون ان تشتبه بنا أية دورية اذ كان سلوكنا طبيعياً والشوير بلدة الزعيم وهو خبير بطبيعتها وطبعها. أزقتها وأحراجها. وكان يرافقنا في هذه الرحلة الرفيق فريد صباغ.
نزل الزعيم في بيت كان أعدّ له وهو يقع في وسط حرج صنوبر بين الضهور وبلدة الشوير. ودعّت الزعيم وعدت الى عالية وتركت معه الرفيق توفيق نور الدين الذي سلّمه قيادة الحرس مع الامين وديع الياس الذي كان لا يغيب نظره عن الزعيم لحظة واحدة والرفيق جوزف حداد.
انتشر القوميون انتشاراً مدروساً في دوائر الدولة، فما كانت تخلو دائرة من دوائر الدولة منهم. فشكلوا بذلك درعاً منيعاً امام إمكان رجال الأمن من مداهمة الزعيم على حين غرّة. فما من حملة كانت تدبر لمداهمته حتى تكون أخبارها قد سبقتها ويكون الزعيم قد أخذ الاحتياطات الكافية ليكون بعيداً عن خطر المداهمة.
بقي الزعيم حراً يمارس جميع صلاحياته طيلة مدة وجوده مطارداً من السلطة. كنت ازور الزعيم يومياً تقريباً مستطلعاً عن حالته وعن حاجاته وكثيراً ما كان يستقبلني ساعات يسألني فيها ان اقص عليه ما جرى اثناء غيابه. ومرة كنت معه في العرزال وشعر بأنني ارغب في الانصراف اذ كان عندي موعد شخصي فبدأ يغني لي "يا غزالي كيف عني ابعدوك".
عرفت بأنه يغمز من قناتي، قلت له: هل انا على خطأ فيما أفعل؟
قال لا ما تفعله هو حقوقك بشرط ان لا يكون فعلك سبباً لخراب عائلة، او ان تأتي شكوى بحقك (بهذا المعنى).
وبدأ موسم الانتخابات النيابية فخفّت وطأة الملاحقة وبدأت سيارات المرشحين تزحف الى ظهور الشوير للحصول على رضى الزعيم ودعمه لها.
لم يكن للحزب مرشحون سوى الرفيق حافظ المنذر(10) الذي امره الزعيم بالانسحاب لمصلحة غبريال المر، وذلك لان على فرضية نجاح النائب القومي الواحد لا يوازي خسارة الحزب لانصاره النواب الذين كانوا ينفذون ما يطلب منهم لخدمة القوميين ولاغراض سياسية.
دعم الحزب لائحة الشيخ سليم الخوري ونتيجة هذا الدعم كانت الغاء المذكرة ووقف الملاحقة للزعيم، وقبل انتهاء الملاحقة بمدة وجيزة، جاءني الرفيق جوزف حداد آتياً من قبل الزعيم، وقال لي: خذ سيارة وأذهب للزعيم فهو بحاجة إليك،
فاتصلت بالرفيق فؤاد زحلان رفيق أسفاري، قال من اين السيارة؟ قلت سأتدبر الامر. وخطر لي خاطر بأن أقصد بيصور وأطلب سيارة الرفيق شكيب الداقور (البلايموت الجديدة)، إذ اننا الاثنين بحالة طفر وخزينة الحزب لا تتحمل ان يكبدها سيارة بالاجرة.
قصدت بيصور وطلبت السيارة من الرفيق شكيب، فكان كريماً وقال حباًَ وكرامة.
ذهبنا الى ظهور الشوير وكان الزعيم بانتظارنا. ركب السيارة وركب بجانبه الامين الياس جرجي والرفيق عبدالله محسن (اذ لم يكن صار أميناً بعد). وقال الى دمشق.
سرنا الى دمشق وعند وصولنا الى مخفر الدرك في الحدود اللبنانية، قال الزعيم لا تنسَ ان الملاحقة لم تزل قائمة. اوقفنا الدرك، فترجلت فوراً ولشدة ما كانت دهشتي اذ وجدت دركياً رفيقاً لنا من بعقلين وهو رئيس الدورية. فصافحته وقبلته وصار يشدني كي ارتاح في المخفر ونشرب القهوة.
قلت لا قهوة ولا شاي نشربها عند عودتنا وغمزته، شعر بأن هنالك أمراً يجعلني لا أقبل عزيمته وتركته مودعاً، فارتاح الزعيم لهذا التخلص وسرنا الى جديدة يابوس حيث المخفر السوري.
قال الزعيم يللا كامل انزال بوسو، قلت: حضرة الزعيم هنا دور عبدالله محسن.
وفي جديدة يابوس امر الزعيم الامين الياس بالعودة فتركناه ينتظر سيارة تعود به وتابعنا سيرنا الى السويدا مروراً بدمشق. وفي السويداء نزلنا ضيوفاً على السيد علي ابو عسلي احد زعماء الجبل حيث وافانا إليه الرفيق شكيب وهاب. قضينا سهرة جميلة بعد ان أكرم المضيف وفادتنا حسب عاداتهم الجميلة، وفي الصباح انضم إلينا في سفرتنا الرفيقان علي ابو عسلي وشكيب وهاب ورحنا نقطع الطريق منصتين الى تعليقات الزعيم وسرد بعض الوقائع التاريخية عن تاريخ الجبل القديم.
وصلنا الى الحد الفاصل بين الجبل ومملكة عمان فأوقفتنا دورية أردنية وطلبت منا باسبوراتنا ولم يكن احد منا يحمل باسبوره سوى الزعيم ويحمله باسم الامير زيد. بدأ الجدل بين المسؤول وبين السيد أبو عسلي الذي قال هو الامير ونحن الحاشية، وهل يسير الامير بدون حاشية؟ ومع هذا يمكنك ان تتصل بالقصر، وكان الاتصال غير ممكن لذلك سمح لنا بالمرور.
وصلنا عمان ونزلنا في "اوتيل فيكتوريا" على ما اذكر. وبعد اتصال تلفوني جاء الوزير الشنقيطي باشا مرحباً بالزعيم وبعد خلوة قصيرة ذهب وإياه لمقابلة الملك عبدالله، حيث استغرقت المقابلة حوالي ثلاث ساعات. عاد بعدها الى الاوتيل وبعد ان تناولنا الطعام ذهبنا الى السلط حيث نزل ضيوفاً في بيت الرفيق نايف قعوار. وكان علينا ان نعيد السيارة، لهذا تركنا الزعيم يرافقه الرفيق عبدالله محسن (الامين لاحقاً) وعدت والرفيق زحلان نطوي الارض طياً الى ان وصلنا الى السويدا حيث نزلنا في بيت زعيم العائلة محمد ابو عسلي وهو قريبي وقريب الرفيق فؤاد وكانت الساعة ثمانية ليلاً. قدم لنا الطعام وفي هذه الاثناء وصلت برقية مرسلة من عالية تفيد بان ابو شكيب متضايق جداً من غياب السيارة هذا الغياب الطويل وتلّح علينا بالاسراع في العودة.
تركنا السويداء بعد انتهائنا من تناول الطعام وشرب القهوة وكانت الساعة تشير الى التاسعة، الى ان وصلنا بيصور الثانية عشر ليلاً تماماً. طرقنا الباب ففتحه "ابو شكيب" اعتذرنا على هذا التأخير لكنه كجبل الشيخ لم يتفوه بكلمة.
قفلنا عائدين على أمل ان نجد سيارة في بيصور تنقلنا الى عالية بعد هذا السفر الطويل. في بيصور لم نجد سيارة فمشينا الى سوق الغرب، ولما لم نجد أية وسيلة نقل تابعنا سيرنا مشياً على الاقدام فوصلنا في الساعة الثانية بعد نصف الليل.
قمنا في اليوم الثاني نفتش عن سيارة تاكسي ندفع أجرتها شرط ان نسوقها نحن بدون السائق فوقفنا بسيارة السيد فؤاد بركات شميط، الذي أجرّنا سيارته التاكسي بعد إغرائه بأننا سنشتري له جوز دواليب لان دواليب السيارة كانت مهترئة وندفع له فوقها خمسين ليرة.
قفلنا عائدين الى عمان وسلكنا طريق جبل الدروز لاننا لا نحمل بصبورات مرور وكان الوقت في شهر حزيران اول الصيف وفي الطريق وعند وصولنا الى مفرق الاراضي الاردنية انفجر دولاب من الدواليب وكان علي ان أصلحه لان الشرط بيني وبين فؤاد هو يسوق وأنا أتكفل بالباقي.
بعد مشقة أصلحت الدولاب برقعة جيدة وانطلقنا الى عمان وقبل ان نصل الى المدينة بمائتي متر انفخت الدولاب الثاني، وكان العمل شاق لان طول عمري لم أفك دولاب سيارة، وفي عمان اشترينا جوز دواليب. ركبناهم بدلاً من الدولابين المهترئين وانطلقنا الى السلط حيث تركنا الزعيم فيها.
استقبلنا الاخوان بفرح لعودتنا سالمين ومسرعين ونقلوا الخبر الى الزعيم حيث استدعانا لغرفته مرحباً بقدومنا ومشيداً بتقيدنا بالنظام. وبعدها انفردت بالزعيم حيث أسرّ لي مما كان بينه وبين الملك عبد الله وعن نتيجة الاتفاق الذي تمّ بينهما. الزعيم اعطى وعداً للملك عبدالله بقبوله ملكاً على الشام والاردن لقاء تزويد الحزب بالسلاح والمال الذي يفتقر إليه الحزب والذي يحتاجه للقيام بمهمة توحيد الارض بين القطرين. ولما قلت لحضرة الزعيم كيف يجوز ان تقبل بالملك عبدالله ملكاً على سورية ونحن نعمل لخلق نظام جديد ومبادئ توحد الشعب على ضوئها، قال فهمت الى ما ترمي إليه. يجب ان تفهم ان وحدة الارض هي مطلب رئيسي عند الحزب. اما النظام فعلينا العمل على تغييره وسيكون لنا حرية التصرف بما يتعلق بالنظام ولا تنسَ ان الملك عبدالله انسان قد يموت وهو ينزل الدرج ككل انسان اذ ليس له ديمومة الحياة.
هوامش:
(1) معزز روضة: للاطلاع على النبذة المعممة عنها الدخول الى موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية ssnp.info
(2) عودة الزعيم: كما آنفاً
(3) انيس فاخوري: كما آنفا.
(4) حسن ريدان: كما آنفا.
(5) توفيق نور الدين: كما آنفا
(6) فريد صباغ: ذكرته في العديد من النبذات.
(7) اديب قدورة: للاطلاع على النبذة المعممة عنه الدخول الى موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية ssnp.info
(8) عبدالله سعادة: كما آنفا
(9) حسن الطويل: كما آنفا
(10) حافظ المنذر: زوج الامينة جمال ناصيف، والده الاديب والشاعر والنائب ابراهيم المنذر.
|