إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

مهزلة استقلال لبنان

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1942-08-01

إقرأ ايضاً


بينـّا في العدد الماضي خطل الذين يحاولون القدح في السوريين القوميين اللبنانيين وفي كل سوري مقيم في لبنان ورفض قبول ما تفرضه الارادة الأجنبية في سورية. وأوضحنا فساد ادعاء أولئك المتعيشين ان انكار اختراع "القومية اللبنانية" هو مروق من الوطنية.


نعود الآن الى هذا الموضوع ضمن دائرة النظرة السلبية من "استقلال لبنان". فقد اظهرنا في المقال السابق ان هذا "الاستقلال" انما هو نتيجة فرض الارادة الأجنبية على الشعب السوري في لبنان كما في أماكن أخرى. ولا ينفي هذه الحقيقة وجود عدد من اللبنانيين اعتقدوا بإخلاص ان انفصال لبنان عن جسم الوطن واستقلاله هو الحل الوحيد لمسألة المسيحيين التي كانت موجودة في الماضي بشكل لم يعد لها الآن، خصوصاً بعد نشوء الفكرة القومية الصحيحة التي أوجدها الحزب السوري القومي الاجتماعي. فقولنا ان "استقلال لبنان" الذي أعلنه القائد الفرنسي لجيش الاحتلال غورو والذي أعلنه القائد الفرنسي لجيش الاحتلال الجديد كترو هو مهزلة لا يعني شيئاً من التهكم على القائلين بوجوب هذا الاستقلال، لأننا لسنا من أصحاب فلسفة الاستهزاء، بل يعني اعطاء الواقع اسمه الحقيقي.


استقلال لبنان ليس سوى مهزلة مهينة لجميع اللبنانيين، سواء الذين يريدون الانفصال والذين يأبونه، لأن الارادة الأجنبية قررته ضاربة بحقوق الشعب السياسية عرض الحائط. ولا جدال في أن الذين قبلوا هذا التقرير الأجنبي شجعوا تلك الارادة على تنفيذ مراميها. وسببه ضعف ثقافتهم الاجتماعية – السياسية وجهلهم مبادئ الحقوق المدنية. ولولا تدخل الارادة الاجنبية في الأمر لكان له وجه آخر.


إن اللبنانيين يجب أن يرفضوا هذه المهزلة الماسة بشرفهم القومي، حتى ولو كانوا يريدون الانفصال عن بكرة أبيهم. فتقرير الارادة الأجنبية امورهم يعني الغاء ارادتهم ووضع الارادة الأجنبية محلها وهو أمر يلغي كل أثر للسيادة القومية التي تعني ارادة الشعب.


الذين يقولون بالانفصال اللبناني يمكنهم أن ينشئوا حزباً منظماً لهذه الغاية أو أن يعملوا على بث دعوتهم بين اللبنانيين لاستمالة الأكثرية اليهم ثم اعلان الاستقلال بإرادة لبنانية مستقلة يلفظها مجلس يمثل اللبنانيين في هذه الحالة لا يكون هنالك مهزلة وتصبح المسألة مسألة غلط أو صواب لا مساس فيه بكرامة الشعب. أما أن يقف قائد جيش محتل ويقول "اني أعلن استقلال لبنان الكبير" أو "اني اعلن الجمهورية اللبنانية المستقلة" فهو شر البلية وأكبر العار. لذلك يجب أن يكون هذا الاعلان مرفوضاً وأن يشترك في مقاومته طلاب الانفصال مع طلاب الوحدة لأنه تهجم على كرامة الشعب واحتقار ارادته.


ان الفرنسيين والبريطانيين أبوا استفتاء السوريين في أية مسألة سياسية من المسائل التي بقوا فيها ظلماً وعدواناً لسببين: الأول انهم حسبوا أنفسهم أصحاب السيادة على البلاد بالفعل، بواسطة قواتهم الاحتلالية، وبالحق بواسطة معاهدة الصلح الماضية وصك الانتداب. الثاني انهم لم يكونوا واثقين من موافقة الشعب على نياتهم السيئة. فجزأوا البلاد كما أرادوا. مسألة "استقلال لبنان" من أهم مسائل التجزئة التي أجراها الأجانب في وطننا، نظراً لأهمية هذه المنطقة من الوجهة الداخلية ومن الوجهة الاستراتيجية وقد رأى الفرنسيون أنه يمكن، بعد فرض هذا الاستقلال فرضاً على الشعب، تسميم عقول الناشئة وانشاء جيل جديد يقبل هذه الأحداث الغريبة. ولهم وسائل لهذه الغاية أهمها: برامج المدارس ورشوة الصحافة وتشويق أصحاب المطامع في كراسي الحكم والقضاء والمناصب والرواتب. والبراطيل تنصر الأباطيل.


أصاب المستعبدون بعض النجاح وبثوا الفجور السياسي والاجتماعي في جميع الأوساط الشعبية خصوصاً في الأوساط التي تدعي أنها علية الشعب فدغدغوا شهواتهم وداعبوا مطامعها بالنيابة والوزارة والرئاسة وما اليها. وظنوا انهم بلغوا غايتهم وأن الأمة سقطت كلها في حبائل الفجور وفيما هم ينعمون بهذا الظن الأثيم إذا بالرماد ينكشف عن نار نهضة رائعة ما لبثت أن تحولت الى كابوس أقض مضاجع المستعبدين وأنابهم فلم يعد لهم هم غير اخماد هذه النار واطفاء نورها.


ان النجاح الذي ادركه المستعمرون لم يكن كاملاً ولكنه أوجد حالة تكثر فيها المصاعب للعمل القومي. وهذا يكفي لتنبيه النفوس التي لم يمت ولم يشل وجدانها الى الخطر المحدق لعلها تستفيق قبل فوات الأوان. وقد قيض الله لهذه الأمة الكريمة دعوة حق تجد فيها ثوابتها ويكون بها انقاذها من الانحلال والفناء.


نشأت النهضة السورية القومية الاجتماعية لتقرب النفوس وتوحد الشعور والارادة ولتعلن ابتداء عهد جديد يحل فيه الاتحاد محل الافتراق وتحظى النفوس بالخير والسعادة والطمأنينة. فيا كرام انفضوا رماد التواكل واللامبالاة وتعالوا نتفاهم على مصيرنا تجدوا ما كان مغلقاً قد انفتح وما كان معمى قد اتضح فليس قليلاً ما يمكن التفاهم تحقيقه لمن يبغون الحق والخير.



الزوبعة – العدد 50 شهر آب 1942.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2023