إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الرفيق الشهيد فؤاد الشمالي بقلم الرفيق حليم رزوق

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2015-11-18

إقرأ ايضاً


نشرت "البناء" في عددها يوم الاثنين 9 الجاري تغطية واسعة للندوة التي نظمتها "جمعية حق وخير وجمال" و "دار نلسن" حول ديوان الرفيق الشهيد فؤاد الشمالي: "من بحر الموت".

من الكلمات القيّمة التي ألقيت، اخترنا كلمة الرفيق حليم رزوق وفيها إضاءة تعريفية جيدة عن ابن خالته الرفيق الشهيد فؤاد الشمالي.

ل. ن.

*

"لا تقولوا مات صوت الشاعر الحر الغريب

قبل ان ينشر في الارض حريقه

لا تقولوا مات لم يكمل طريقه

ها رفاقي حملوا عني الصليب"

انىّ لي ان اكتب عن فؤاد شمالي. بل انىّ لي ان اخوض غمار هذا البحر العميق والمترامي . انها مهمة تقارب الاستحالة.

ولكن، لأن لفؤاد عليّ حق، هو حق على جيل باكمله عاش وتربى على مواقف ونضالات فؤاد، ولأن فؤاد عنى لي الكثير، ليس فقط بسبب صلة القربى التي قد تكون الاضعف بين الحلقات، بل بسبب من وهجه وشخصيته الآسرة وروحه الساخرة والمحببة ،ذلك ما جعلني اتجرأ واقبل خوض هذه المغامرة بعد ما كنت مترددا عندما فاتحني الامين الصديق سركيس ابو زيد بالامر.

من زواج تخطى التقاليد في اوائل القرن الماضي، بين ماروني من كسروان، اي قلب لبنان، هو المحامي اسعد منصور شمالي، وبروتستنتية من مرجعيون، احد الاطراف الجنوبية لدولة لبنان الكبير، هي سمية سليم مسلم ولد خمسة ابناء وبنتان، وكان فؤاد الثالث بين الابناء.

ولد فؤاد في السويداء في العام 1936 اذ كان والده يشغل حينها منصب مدعي عام جبل الدروز. اتم دروسه الثانوية في الجامعة الوطنية في عالية واجيز في الحقوق من الجامعة اليسوعية في بيروت. انتمى الى الحزب السوري القومي الاجتماعي في العام 1951 وتولى مسؤوليات قيادية فيه. وعند انطلاقة حركة "فتح" انضم اليها وكان من ابرز القياديين الذين ساهموا في تعريف الرأي العام العالمي على الثورة الفلسطينية.

ولاستكمال الصورة عن مسيرة حياته الشخصية والحزبية نرى انه, اثر مشاركته في انقلاب الحزب ليل 31/12/1961، وكان من ضمن المجموعة المكلفة اعتقال رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك فؤاد شهاب. حكم عليه بالسجن فظل متخفيا لفترة قبل ان ينتقل الى الاردن مع من انتقل من القوميين، ومن ثم الى باريس حيث اقام فيها حوالي اربع سنوات، ومن ثم راح يتنقل بين باريس وغيرها من العواصم الاوروبية مثل جنيف ولوزان بحسب ظروف عمله كما ظروفه الصحية لاحقا. وقد بدأ عمله، الى جانب تسجيله في السوربون لنيل شهادة الدكتوراه التي حالت الظروف دون انجازها، في اتحادات الطلبة العرب قبل ان يلتحق بالثورة الفلسطينية. وهنا لا بد من الاشارة الى ان عمله في هذا المجال لم يقتصر على جانب العنف الثوري الذي جرى التركيز عليه اعلاميا، لان نشاطه في ايجاد مراكز لفتح في اوروبا والقاءه المحاضرات وعقده الندوات واللقاءات مع شخصيات ثقافية وعلمية دعما للمسألة الفلسطينية لا يقل شأنا عن النشاط الذي اتخذ صفة العمل الكفاحي المسلح. بعد ذلك تزوح من الامينة (الرفيقة آنذاك) اليسار سعادة عام 1963 وكان تعّرف اليها من قبل في لبنان يوم كان منفذ عام للطلبة عام 1961 .

اصيب فؤاد بالسرطان في العام 1966. ولكنه واصل النضال بجميع اشكاله حتى الساعة الاخيرة من حياته. كان، على ما كتب عنه الشاعر الشهيد كمال خير بك "يستشهد كل يوم وكل دقيقة. كان تحت وطأة السرطان، ينحني مرتين: " مرة على آلامه الهائلة ومرة على جراح وطنه" يمسك احشاءه بيد وباليد الاخرى يخطب ويكتب ويقاتل"، " ومن اجل هذه الآلام الكبيرة رأيناه يعمل ليل نهار بصبر الابطال الصامتين المجهولين حتى الساعة الاخيرة من حياته" .

ديوان "من بحر الموت" للرفيق الشاعر الشهيد فؤاد الشمالي

ويتابع كمال خير بك: " كان فؤاد شمالي، الذي عايش موته طوال هذه الاعوام، ينتصر على جسده كل الدقائق وكل الساعات التي ملأها، بلا رياء ولا جهد مسرحي، بالنضال والحب والشعر والمرح "

وتحضرني في هذا الصدد، كما اقراني من اقرباء فؤاد، كيف كنا نشعر كأنما هو ينظر باستخفاف الى مرضه، الذي عنى ولا يزال يعني للكثيرين الرعب بذاته.

لقد استمر فؤاد في النضال رغم مرضه حتى الثالث من شهر آب 1972 تاريخ وفاته. وقد تم نقل جثمانه لاحقا حيث جرت له جنازة حاشدة ودفن في مقبرة الشهداء. وطبعا هناك العديد من المقالات والبيانات الحزبية والفلسطينية التي نعت الشهيد وكتبت عنه وعما كان يمثل في حقيقة الصراع الدائر في امتنا.

والى ذلك، كان فؤاد، كما قرأنا في الابيات الشعرية التي تصدرت مقدمة ديوانه، شاعراً حراً وغريباً. وكل شاعر حقيقي، في رأيي، هو حر وغريب. بل قد تكون الحرية والغربة من صفات الشاعر الشاعر، فالحرية التي تنطوي على التمرد الخلاق تقود حكماً الى غربة الشاعر. وهو، وان كان مُقلاً في نصوصه المكتوبة، فأن القليل الذي تركه يؤكد على شاعريته.

الامران الهامان اللذان اود الاضاءة عليهما في هذه المناسبة هما اولا: ان مسيرة فؤاد النضالية لم تبدأ عند التحاقه بفتح او تحديداً اثر ايلول الاسود. فبامكاننا هنا ان نتحدث عن نهج صراعي نضالي مغاير عرف به منذ يفاعته الاولى "ففي الثانية عشرة من عمره كان منتميا"، يقول الامين هنري حاماتي. ويكمل " سنوات قبل اداءنا قسم العضوية في تشرين 1951، كنا قد بدأنا تحركاتنا الاولى في اوساط الطلبة في طرابلس. " فنراه في سنة 1957 منفذاً عاماً في طرابلس وكما علمت من رفقاء لنا في مرجعيون انه ذهب الى هناك كمندوب مركزي اواخر الخمسينيات او اوائل الستينيات، وفي عام 1961 منفذاً عاماً للطلبة. وفي جميع هذه المسؤوليات كان فؤاد دائم الاصطدام بالادارة الحزبية اذ كانوا، يتذرعون بضعف الامكانيات وهو يواجههم باجتراح المعجزات من اجل ان ينتظم العمل الحزبي ويستمر. الامر الثاني هو انه كان يؤمن بنهج الكفاح المسلح منذ البدايات، فجاء عمله لاحقاً في اوساط الثورة الفلسطينية تطبيقاً عملياً لايمانه ذاك والذي لم يجد سبيلا الى ترجمته عملياً قبل ذلك. وفي مقالة له بمناسبة 8 تموز 1957 يوم كان منفذاً عاماً لطرابلس يقول فؤاد : "بالعمل الصامت المستمر تحت طبقة الضجيج والفوضى .... بالصراع الواعي المؤيد بصحة العقيدة ....في صميم الشعب ... باستمرار المفهوم الجديد للبطولة البسيطة وبتحقيقه لن تبقى هناك مزة في مجتمعنا. وكلمة للتاريخ: الويل الويل لامة يصبح الفداء فيها مجرد ذكرى " ونسأل، او لم يصبح كذلك؟!

من اروع ما قرأت في وصف مسيرة حياة فؤاد ما قاله كمال خير بك في مقدمته لمجموعة الاشعار التي جمعت بعد رحيله في كتاب "من بحر الموت" : " ان طاقته الشعرية كانت، بحجم طاقته الانسانية، ينبوعاً عظيماً من الامكانيات رفضت ان تسجن نفسها في جليد الورق وهجمت على الحياة بعنف وكثافة نادرتين لتقتنص الزمن الهارب، "كحفنة الرمل" منا، من بلادنا، ومن العالم".

ولنرى ماذا يقول عنه احد مجايليه وواحد من اقرب رفقائه، عنيت الامين هنري حاماتي اذ يكتب: " كان فؤاد متوقد الذكاء، منفتح النفس، واضح الرؤية، شجاعاً، حاسم القرار، عنيداً، مجابهاً، صادق الانتماء، صارم الروح "

الا ان ابرز ما يميز فؤاد، والكلام ما زال للامين هنري حاماتي " ثلاثة هي عقله المتوقد وانتماؤه الصادق وموقفه الصارم ".

ويتابع حاماتي: " عظمة فؤاد شمالي، هذا الشاب الضامر الجسم، الواسع الجبهة، الثاقب العينين، الكبير النفس، انه كان قادراً على احتضان "اسرائيل" وسعادة في كيانه احتضاناً عبقرياً جعله رمزاً للانتماء الثوري العنيف" فقد " كانت طفولة فؤاد كما طفولتنا كلها "يقول حاماتي" متكونة من مادتين هائلتين متناقضتين هما قيام "اسرائيل" وموت سعادة. يعني "السرطان والخلاص، الموت والحياة، يوحدهما انتماء كياني لا يقبل الاجتزاء، ايمان وجودي صارم لا يقبل الخداع ".

لقد كان فؤاد بطلا من ابطال الحركة السورية القومية الاجتماعية كما كان بطلا من ابطال الكفاح المسلح اعتبر المسألة الفلسطينية قضيته الاولى والمركزية واعتبر الكفاح المسلح الطريق الوحيد للتحرير والتغيير. وتأتي الاحداث المتتالية في امتنا وعالمها العربي مصداقاً لنظرته ورؤيته المستمدة من نظرة سعادة العظيم والمتوائمة مع نهجه الفكري والنضالي. ففؤاد، كما يقول حاماتي " ليس مارونياً من كسروان دخل المقاومة الفلسطينية، بل هو سوري قومي اجتماعي نقل صراعنا القومي صفعات الى وجه العالم ".

ويمكنني ان اقول، وربما يوافقني سواي من اقراني اقرباء فؤاد، ان فؤاد كان يمثل لنا، وانا شخصياً الاصغر منه بعشر سنوات، مزيجاً محبباً من شاب مندفع متحرك متوقد الذكاء على سرعة بديهة وروح مرحة. كان لي، ولما يزل، مثالاً للمناضل المبدئي والشجاع كما هو مثال للمثقف الثوري الحقيقي غير المزيف. واحفظ له شخصياً انه زودني في فترة ما بجميع مجلات شعر الاولى كما زودني لاحقا بكراسات عن فتح. وكنت اطلب منه دائما، كما من خالي الامين فيليب مسلم، ان يزودني، وانا ما زلت ربما في العاشرة من عمري، بقصائد لالقيها في ندوة خطابية كانت مدرسة مرجعيون تقيمها كل نهار جمعة على ما اذكر. ولا زلت احفظ مطلع قصيدة ارسلها لي فؤاد وهي للشاعر الشهيد كمال خير بك "قدموس" :

حطم اسارك يا غد لي في جبينك موعد

ويبقى اننا مهما قلنا عن فؤاد فنحن لا نستطيع ان نفيه حقه، فانت لا تستطيع ان تحبس البحر في قمقم ولا ان تختصر الحياة، حياة فؤاد وشخصيته، في كلمات. حسبك ان تحاول تلمس هذه وتلك لمقاربة الصورة التي كانها هذا الشاعر المناضل الشهيد من بلادي.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2024