 حضرة العم الحبيب(1)، حضرة الأمين الجزيل الاحترام
اكتب لك بعد نيّف وعشرين عاماً من غيابك وفي القلب دمعة وفي العين دموع.
تسنى لي ان اجتمع بك في البرازيل في منزلك، او في جريدة "الانباء" التي تسنى لي ان أكون مديراً للتحرير فيها.
خبرتك جيداً ليس فقط عبر كتابك "على دروب النهضة" حيث انت مارد في النضال الحقيقي انما في كل ساعات الليل والنهار رجلاً، مارداً، عنيداً، صلباً تتابع عملك في النهار وتقرأ في الليالي.
كم استيقظت ليلاً لأجدك ساهراً تقرأ وتقرأ وتقرأ. في كتب التاريخ باللغات الفرنسية والإنكليزية والبورتغالية والاسبانية وتكتب وتكتب. ثم وجدتك تترجم كتابك "أبناء المنفي"(2) الى اللغة البرتغالية فتدقق بالترجمة الأستاذة الجامعية السيدة ديرسي Dirce لتدفعها الى دار النشر "اديكون"(3) حتى اذا عدت الى لبنان دفعت الكثير مما تمكنتَ من كتابته الى عدد من دور النشر لتطبع لك تلك الكتب حتى تصبح بمتناول الآلاف من متابعي كتاباتك القيمة. ثم انهمكت بتأسيس عصبة للادب العربي، بعد ان كنت أسست رابطة مماثلة في البرازيل، وتابعت اهتمامك بإصدار الكتب(4) وتنظيم حفلات التوقيع.
طيلة تلك السنوات يا أمين نواف، كنتُ لصيقاً بك إلا اني كنتُ اسيراً للعمل الحزبي المتنوع في البرازيل: مندوباً مركزياً وفي لبنان أكثر من مهمة مركزية، هذا كان على حساب جلوسي معك لتسجيل الكثير من تاريخ الحزب، من تاريخ مناضليه في الوطن والاغتراب. حتى اذا مضت السنوات فتراجعت صحتك ثم خسرناك، شعرت بالخيبة الكبيرة وبالخسارة العظيمة اذ اني لم اتمكن طيلة تلك السنوات من التفرغ لك، فإذا بك وقد رحلت ورحل معك الكثير.. الكثير.. من المعلومات الحزبية ومن الكتب المتعلقة بتاريخ الادب السوري.
اليوم يا حضرة الأمين، اشعر مثلك بالخيبة. فمنذ ان انصرفتُ الى موضوع تاريخ الحزب، لم اجد على أهميته من يحمل معي هذا العبء المقدس ولولا عدد قليل جداً من الرفقاء لشعرت اني في كون آخر.
كم كتبتُ يا حضرة الأمين. كم ناشدتُ. كم رجوتُ من هم فوق فوق، الى الأدنى ثم الأدنى ثم الأدنى فلا اجد الدعم المرجو او الاهتمام المطلوب.
آلاف من الرسائل والكتابات تؤرخ لهذه المرحلة.
شكرا لعدد قليل من الرفقاء الذين وقفوا معي في هذه المهمة، مترقباً في المستقبل ان ينضم أمناء ورفقاء لحمل أعباء مسؤولية تاريخ الحزب.
كم هو بشع ان ينصرف رفقاء كثر الى أجواء التنابذ وتناول البعض الآخر فيما المواضيع الهامة بعيدة عن الاهتمام.
اليوم اشعر بكثير من الألم بفداحة خسارتك، ان الكثير الكثير مما تحمله في عقلك وقلبك وذاكرتك قد رحل معك، فلم يدوّن ولم يُطبع. اشعر أيضا كم ان اهتمامك الكبير بكثير من الأمور الحزبية على أهميتها(5) قد ضغط على ابداعاتك الكبيرة في الكتب الروائية في كتب التاريخ، في مذكراتك، التي لم تصل الينا الا نتفاً.
أقول ذلك يا حضرة الأمين الحبيب، وانا أرى اني اسير مثلك على دربك، فعلى أهمية تاريخ الحزب وما يجدر ان نتابعه على مدى الوطن والمهاجر، رغم المتابعة الملحاحة والمديدة لم اجد مع الألم الكبير من يحمل معي هذه المسؤولية.
عندما رحلتَ انت شعرنا بالخسارة الكبيرة، وتيقّنا كم كان واجبا ان نهتم كثيرا كثيرا بك عندما كنت تنبض بالحياة بيننا، هذا ما اشعر به اليوم، اذ اكثر ما يخيفني ان ابارح هذه الدنيا تاركا الكثير الكثير من الكتابات والمعلومات والمذكرات التي كان يجب ان انهيها. كم ارجو ان تنير هذه الكلمات درب الرفقاء الأحباء المحيطين بلجنة تاريخ الحزب فيصبح همهم الوحيد الحفاظ على ما انتج والاهتمام بالكثير الباقي بما يجب ان ينجز فهذه مسؤولية لن تتكرر.
هوامش:
(1) هو والد زوجي الامينة اخلاص .
(2) أبناء المنفي: رواية تاريخية للكاتب الاسباني فرناندو كونساليز عربها بتصرف الأمين نواف حردان.
(3) "اديكون": من اكبر دور النشر في سان باولو .
(4) صدر له بعد "أبناء المنفي"، "زنوبيا العظيمة -قضية وسيف وكتاب"، "التوراة باطل وخطر"، "هانيبعل رسول حضارة"، "صانعو تراثنا الثقافي الحضاري"، "على طريق النهضة-مذكرات ورسائل"، "اسد بابل"، "سيف سنحاريب".
(5) من بين المسؤوليات عضو لجنة منح رتبة الأمانة.
|