 عرفت الرفيقة راغدة على مرحلتين: الأولى عندما كانت ناشطة مع رفقاء في ضهور الشوير بعد حادثة الانقلاب القومي الاجتماعي، اذ تميّزت بنشاط كل من الأمين ايلي عون والرفقاء غيث جديد، والمرحومين غانم خنيصر وجوزف قربان، وغيرهم..
في تلك الفترة كنت مسؤولاً في التنظيم السري الحزبي، وكنت أتابع ما يجري في ضهور الشوير من وقفات عز، من مواقف الرفقاء المذكورين أعلاه والرفقاء رئيف قربان، وهيب أبو صعب، والأمين جبرايل عون.
ننقل الكلمة التي نشرها الأمين ايلي عون على صفحته الفايسبوك، آملين منه ان يتوسّع في الكتابة عن تلك الفترة المضيئة بمواقف نضالية جريئة كما الرفقاء الذين واكبوا تلك المرحلة، وفاءً للرفقاء وقدوة لتاريخنا الحزبي.
" انه صيف عام 1963 بعد خروج الأشبال الذين زينوا تلال ضهور الشوير، ليلة الأول من آذار عام 62 من السجن، وكان جيش المكتب الثاني يملأ الساحات والتلال، قررت مجموعة بعداد رفيقين حباهما الايمان العقائدي والشجاعة والرجولة قوة عزيمة وصلابة عز نظيرها هما الرفيقان الراحلان غانم خنيصر وجوزيف قربان، أن نتابع العمل بوتيرة عالية فيممنا وجهنا صوب بيت سعادة الذي عبث المكتب الثاني بمحتوياته وصادر مكتبة الزعيم وسرق وهدم بعض جدرانه فاذ بنا نتعرف الى الأمينة ديانا المير وكانت راغدة في عهدتها.
أصبح بيت سعادة مقصدنا اليومي. تسارعت وتيرة لم الشمل وإقامة الحلقات الاذاعية وقمنا بما يمكن من أعمال ترميم شارك فيها رفقاء كثيرون منهم نعيم صوايا، رئيس بلدية الشوير وعين السنديانة الحالي والرفيق الراحل سمير أبو نادر والرفيق توفيق الحايك وعدد غير قليل من الأشبال.
تولت الرفيقة راغدة مسؤولية الزهرات ونحن تولينا مسؤولية الأشبال. استمر هذا العمل بشكل نام خاصة أيام الصيف. بعد خروج الأمين عصام محايري من السجن قمنا بزيارات متكررة له برفقة الرفيقة راغدة والرفيقين غانم وجوزيف وكان يقلنا الرفيق الراحل جوزيف الهاشم من بيت شباب. وكان الأمين عصام في كل مرة يزودنا بنقل رسائل الى الأمين الراحل عبدالله محسن وكان في الأمر بعض الخطورة خاصة وأن اسمها على الحدود الشامية واللبنانية ملفت للنظر. وصادف أن تعرفت الرفيقة راغدة، من ضمن عملها الإذاعي، على الفتاة ناديا نعمة وهي من بكفيا ومن عائلة ذات ميول كتائبية غير أن وعيها العقائدي أشعل في صدرها شعلة حماس واندفاع يعلو فوق العصبيات العائلية والطائفية فدعت الرفيقة راغدة للمبيت عندها في بكفيا واتفقتا على التعريف عنها، أمام أهلها، باسم آخر.
وفي عتمة الليل وبعد النوم قرر أحد أهل ناديا التأكد من اسم الضيفة ففتحوا حقيبتها وقرؤوا الاسم الحقيقي فتهيبوا وحاولوا، لاحقا، ثنيها عن ركوب هذا المركب المحفوف بالمخاطر الا أنها زادت ايمانا واصرارا على النشاط وتم تكليفها بنقل الرسائل من لبنان الى الشام وبالعكس. وكان يقوم بتغطية العمل الإذاعي الموكلة به الرفيقان الراحلان هنيبعل عطية وجان دايه.
بعد مجيء الأمينة الأولى بطلتها البهية وابتسامتها المشرقة تضاعفت اعداد المقبلين على الدعوة من كافة المناطق وكان الجلوس أمام البيت فتنظر الأمينة الأولى الى القرى المقابلة باضوائها المشعة يعلوه سكون وتهيب فتقول: "لهذا لا يثورون" وبسمتها الجميلة تزين محياها.
سنوات ثمان قضيتها برفقة لفيف من المناضلين والمناضلات والرفيقة راغدة في مقدمتهم. ما كانت أجملها وأزهاها أيام.
تعازينا للرفيقة الدكتورة صفية وعائلتها وللأمينة اليسار وعائلتها والتحية الخالدة للرفيقة الراحلة راغدة."
*
توطدت علاقتي مع الرفيقة راغدة خاصة في الفترة التي استضافتها فيها الرفيقة ماري بربر(1) للإقامة فترة في منزلها في منطقة القريطم.
كانت الرفيقة ماري بربر زوجة الأمين العملاق جبران جريج بمثابة الأخت. قالت لي اكثر من مرّة: "عندي اخ الدكتور حسيب بربر في بتعبورة واخ آخر في بيروت هو أنت".
كنت في فترة الأسر التي أمضاها الأمين جبران اتردد الى منزل العائلة. كانت علاقتي بالأمين جبران أكثر من عادية احتراماً ومودة وعرفاناً بنضاله الحزبي الرائع. شدّتني الى كل عائلته مودة واحترام. كم ترددت الى المنزل. كم صحبت أبناءه: وسيم، ايمان وهنيّ في رحلات كان يقيمها مكتب الطلبة الى مناطق مختلفة من لبنان.
أصرّح اني كنت اهتم بها كرفيقة قومية اجتماعية واعتبر نفسي كمسؤول حزبي معني بالاطمئنان عنها.
كانت شديدة الذكاء عميقة جداً في تفكيرها وفي متابعتها للامور. لطيفة. حساسة في تعاطيها مع الجميع. تعي قضية الحزب بكل عمق.
كانت الرفيقة راغدة في تلك الفترة تتابع دراستها في الجامعة الأميركية الى جانب الرفقاء الذين تميّزوا نضالاً وثقافةً، أمثال: فريد نبتي، باسم المعلم، نظام الأشقر، فداء جديد، صلاح زهر، رمزي اسطفان، أديب صعب، حنا سعادة، وغيرهم مما ذكرتهم سابقاً او سأذكرهم لاحقاً.
كانت علاقتها بالجميع تتسم بالذكاء الحاد، بالطيبة وبالمحبة. وأؤكد وقد عرفتها جيداً انها كانت تتمتع بالكفاءة العالية التي كانت تؤهلها للقيام بدور ريادي في حزبنا.
اذكرها اليوم وسأذكرها دائماً بالكثير من الاسى ومن تذكار فضائلها التي لا أنساها.
عندما أتذكر تلك الحقبة من تاريخنا الحزبي لا يمكنني ان انسَ الرفيقات العزيزات نهلا نعمة، ماغي عازوري، جيزيل رزق الله وغيرهن.
(1) ماري بربر: عرفت بلدة بتعبورة (القويطع، الكورة) الحزب منذ ثلاثينات القرن الماضي، وفيها عائلة بربر التي انتمى من ابنائها العديد من القوميين الاجتماعيين والقوميات الاجتماعيات منهم اديب، د. حسيب،
فؤاد، هولندا صعب، نازك صوايا وليلى حريق. عن بتعبورة التي تحولت الى مركز للحزب في اوائل اربعينات القرن الماضي عندما انتقل اليها على مرحلتين المسؤولون المركزيون في حينه: جبران جريج، مـأمون اياس، عبدالله قبرصي، جورج عبد المسيح ونهاد ملحم حنا. يصح ان يُكتب تاريخها، ونحن نعمل على ذلك.
|