بدا الرئيس المصري حسني مبارك كالفراعنة القدماء الذين يصدقون أنهم آلهة ويتعاملون مع رعيتهم على هذا الأساس. ففي خطابه العجيب ليلة الثلاثاء ويحمل الرقم ثلاثة في سلسلة خطاباته للشعب المصري في غضون خمسة أيام أعاد نفس الكلمات حول خدماته التي قدمها للوطن سلماً وحرباً وبأنه باق في مصر وسيموت ويدفن فيها.
لا أحد من المصريين ينكر عليه دوره في حرب تشرين (أكتوبر) من عام 73 ولم يكن لكلامه مغزى على هذا الصعيد سوى التأكيد لنفسه أن صفة الألوهية التي حكم بها مصر ثلاثين عاماً لا زالت تتلبسه وأنها تبرر له موقفه المتعنت من طلب رحيله عن كرسي الرئاسة حقناً لدماء المصريين الشرفاء على حد وصفه لبعض المحتجين على سياساته والراغبين في تنحيته.
الرئيس المصري خلع على أغلبية الثائرين المعتصمين في ميدان التحرير ومعظم ميادين المدن المصرية الكبرى صفات رديئة متهماً إياهم بركوب الموجة واستغلال براءة الشباب الشرفاء من أبناء مصر، مقدماً مقترحات جديدة تحمل بعض التنازلات التي يظن أنها ستقنع هؤلاء بالعدول عن طلب رحيله عن الحكم. إن من استمع لخطاب الرجل أدرك مباشرة أنه يعيش في عالم خاص به، أو أن مستشاريه والمتحلقين حوله لا يقولون له الحقيقة، وربما يصلح لتوضيح هذا الأمر تسليط الضوء على نموذج من الخداع الذي تمارسه بعض الجهات الرسمية وينطبق تماماً على الانفصام الذي يعانيه كل النظام المصري وليس رأس النظام فقط، ففي وصفه للتجمع المليوني بميدان التحرير قال التلفزيون الرسمي أن عدد هؤلاء المواطنين لا يتجاوز بضعة آلاف في الوقت الذي أجمعت كل وسائل الإعلام على بلوغ العدد رقم المليون أو يزيد.
إن الفارق بين بضعة آلاف ومليون هو ذات الفارق بين الواقع والحقيقة وبين ما يعتقده الرئيس المصري، الأمر الذي ظهر بوضوح في تأكيده البقاء في سدة الحكم حتى موعد الانتخابات الرئاسية القادمة بعد ثمانية أشهر، وإصراره على توجيه الأوامر والنواهي لمرؤوسيه كما لمجلسي الشعب والشورى. ويتابع الرجل بأنه غاضب من هؤلاء الذين أشاعوا الفوضى واستغلوا الشباب مشيراً لأحزاب المعارضة المسموح بها وأحزاب المعارضة المحظورة ولم تحصل على ترخيص من حزبه الحاكم، مهدداً بمعاقبة الذين خلقوا الفوضى في البلد وروعوا الناس وأدخلوا الخوف على المجتمع المصري وكأنه بريء مما جرى.
لو افترضنا أنه يعرف الحقيقة ويدرك ما يواجه وهذا ما نرجحه فإن الخطاب الذي استمعنا إليه يمثل أكبر عملية احتيال ومراوغة تستهدف البقاء في الحكم ومن ثم تعديل الميزان بالتدريج لتعود الأمور كما كانت ويعيد سيرته الأولى.
تكلم الرئيس المصري مقدماً مقترحات تعالج جزئياً مشكلة الديمقراطية في مصر وأخطاء الدستور ونواقصه، وطلب من مجلس الشعب تشكيل لجنة يشترك فيها معارضون من أجل تعديل مادتين في الدستور تتعلقان بموقع الرئاسة، وطلب عودة الأجهزة الأمنية، كما أعاد التأكيد على أن باب الحوار لا يزال موارباً لمن أراد. لكن الأهم في خطابه كان تجاهله لكل ما جرى وللمسائل الجوهرية في مطالب الشعب التي تعالج وضعاً معقداً تراكمت سلبياته على مدار عقود من الزمن ولم يعد بالإمكان السكوت عليها. تجاهل عن عمد طلب رحيله عن الحكم، كما تجاهل تشكيل حكومة مؤقتة للتحضير للانتخابات، وسكت عن عمليات القتل التي ارتكبتها أجهزة الأمن والشرطة، ولم يبد أسفه لسقوط الشهداء من هؤلاء الذين أثنى على سويتهم ووصفهم بالشرفاء.
الخطاب خلا كذلك من أي حديث عن حل مجلس الشعب الذي ثبت أنه مزور، وتجاهل طلب حل مجلس الشورى، تماماً كتجاهل إلغاء قانون الطواريء الذي شكل السلاح الأخطر بيد النظام لقمع أي شكل من أشكال المعارضة والهدف الدائم لطلبات المعارضة ومثقفي مصر من أجل إلغائه. اعتمد الرئيس المصري لغة التهديد والوعيد في خطابه محملاً مسؤولية ما جرى وما سيجري للمشاغبين وراكبي الموجة قاصداً أحزاب المعارضة وملمحاً من طرف خفي لمسؤولية الإخوان المسلمين عن الفوضى والحرائق في يوم جمعة الغضب الشهير.
الرئيس مبارك رجل مهم للاستقرار في المنطقة وللحفاظ على مصالح الغرب وإسرائيل ولهذا رأينا تباطؤ هؤلاء في تحديد موقفهم مما يجري باستثناء الكيان الصهيوني الذي أعلن بوضوح دعمه له وطالباً من حلفائه الغربيين مساندته. الأمريكيون تدخلوا بطريقة فظة في مجرى الحدث المصري في محاولة لكبح جماح التغيير المفاجيء في الدولة الأهم بالمنطقة وتأرجح موقفهم بين دعم طلبات الجمهور المصري وبين الحفاظ على النظام كي لا ينهار، لكنهم أدركوا بسرعة أن رهانهم على رئيس فقد قاعدته وشعبه سينعكس سلباً على مصالحهم الحيوية اليوم أو غداً وأن الحكمة تقتضي التخلي عن الشخص لمصلحة النظام، وهكذا ففي الوقت الذي تعلن فيه أنها ترغب في تغيير سريع وآمن ولا تحبذ فرض رئيس من الخارج على المصريين تنادي بالحفاظ على المؤسسة العسكرية ومساندتها وتستمر في كيل المديح لها وكلنا يعلم أن الطبقة الأولى في هذه المؤسسة على علاقة وثيقة بوزارة الدفاع الأمريكية وأن اتفاق كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل بات عقيدة راسخة عند هؤلاء كما الاعتماد على المساعدات الأمريكية والسلاح الأمريكي، وعليه فهي ترى أن استمرار مبارك في موقعه سيجعل التحكم في عملية التغيير المطلوبة والمناسبة غير ممكن الأمر الذي يفسر الانقلاب والطريقة الخشنة في التعامل مع الرجل الذي خدم مصالحهم على مدار عقود.
لعل طريقة الرئيس المصري في إلقاء كلمته ومضمون هذه الكلمة قد تأثرا بفهمه للموقف الأمريكي وأتى للرد عليه، والجميع يعلم أن حسني مبارك موصوف بالعناد الشديد.
يكثر الحديث عن حفظ كرامة الرجل وضرورة إقصائه بطريقة لائقة لأسباب تاريخية، ورغم أنه لم يحفظ كرامة شعبه وعامله كما كان الفراعنة يعاملون عبيدهم إلا أن الضرورة والحكمة تقتضي أن تفتح له دروب المغادرة الآمنة، وتلك مصلحة مصر وشعبها الكريم.
|