يخطئ من يعتقد أن تصعيد القتال ضد الدولة ومؤسساتها قد يحقق أي هدف لمصلحة سورية والشعب السوري، كما يخطئ من يظن أن وجود المراقبين الدوليين سيكون ستاراً لأي طرف يسعى لاستجلاب التدخل الخارجي أو حتى لكسب الوقت من أجل تقطيع مرحلة الانتخابات الأمريكية والفرنسية، لكن الصواب كل الصواب في السلوك الرزين لقيادة الجيش العربي السوري الذي يتعامل مع كل التجاوزات بمنطق كبح جماح التطرف وفرملة زج مزيد من القوات في أتون المعركة متعددة الأطراف التي فتحتها قوى البغي والعدوان على الشعب السوري لاستنزاف طاقته وتحويل سورية إلى قائمة ما يسمى البلدان المريضة.
إن ما جرى في سورية الشقيقة بعد بدء عمل لجنة المراقبين ووقف إطلاق النار ينبئ بما كان قد خطط له عربان الخليج وتركيا، وعمليات الاغتيال التي تتم كل يوم لضباط من الجيش والشرطة والكفاءات العلمية، والحديث المغرض والتحريضي لكتاب الصحف الصفراء حول بروز فتنة طائفية وتدخل خارجي لتعزيز الفرز على هذا الأساس بما في ذلك الاتهامات الممجوجة لحزب الله وإيران بالمشاركة في القتال ضد المعارضة والمسلحين (سواء كانوا بلا مرجعية أو هؤلاء الذين تقودهم غرفة العمليات إياها داخل الحدود التركية على بعد بضعة كيلومترات من الحدود السورية).
إن احتجاز السلطات اللبنانية لسفينة الأسلحة قبل أن تصل لهدفها داخل الأراضي السورية يعطي الدليل القاطع لكل من كان يتجاهل العامل الخارجي أو بلغة أدق المؤامرة الخارجية بأن موقف روسيا الاتحادية والصين ودول البر يكس تجاه ما يجري هو موقف صحيح، كما يثبت أن الكثير من المعارك في المدن وكذلك الاغتيالات والتفجيرات تقف وراءها تلك الدول التي أرسلت ولا تزال ترسل الأسلحة لسورية بهدف إدامة الصراع وتصعيده لإنهاء كل الفرص الممكنة للعودة للوراء وإنهاء الحرب الداخلية ومنح السوريين الأمن والأمان للبدء في ترميم الجروح التي أثخنت الجسد السوري كما المؤسسات والأبنية المدمرة.
إن التصعيد الذي كان نموذجه الأسوأ يوم الجمعة الموافق 26 / 4 / 2012 وتمثل في عدة تفجيرات واغتيالات واعتداء على الحرمات والأملاك الخاصة والعامة يبدو متناقضاً مع مهمة كوفي أنان ووجود المراقبين، لكن التمعن في استهدافات هذا الزخم العنيف وواسع الانتشار للعنف ضد الحكومة ورموزها أو الناس العاديين يشي بأن الفاعلين إنما ينفذون خطة مرسومة لهم لدفع الصراع أو السباق إن جاز التعبير لخط النهاية.
وبغض النظر عن أي تبرير يمكن سوقه لتشريع أو فهم هذه التعديات والتصعيد الخطير في عدد وأسلوب القائمين بها وعليها فإن النتائج لهكذا تصرفات وسلوك ستكون وخيمة العواقب، وستدفع الأمور لنهايات دموية لن تكون قطعاً في مصلحة سورية الوطن والشعب.
إن استدراج الجيش للقتال مرة أخرى في المدن (لو نجح) سيكون هذه المرة دموياً وعنيفاً وبلا هوادة، وسيسقط عدد كبير من القتلى وستؤول الأمور إلى نقطة اللاعودة، ولهذا فإن كل العقلاء ومحبي هذا البلد العربي المحوري، البلد الذي وصفه الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر بقلب العروبة النابض معنيون بلعب دور أعلى مما يفعلوه حتى الآن لوقف نزيف الدم ولمنع تدهور الأوضاع أكثر مما هي عليه.
إن الأصوات النشاز حول نهاية مهمة كوفي أنان قبل أن تبدأ يجب أن تتوقف، تماماً كتلك الأصوات التي لا تعرف الحديث عن الشأن السوري إلا مقرونة بطلب التدخل الخارجي تحت البند السابع. إنها أضغاث أحلام يدفع ثمنها الشعب السوري من رزقه وحياة أبنائه، وحين نسمع بكاء ملوك النفط والغاز على الشعب السوري نشعر بالغثيان لأن من يحب الشعب السوري فعلاً ويسعى لخيره وسلامة وطنه عليه أن يثبت ذلك بمد يد العون من أجل وقف العنف واللجوء للحوار للوصول لما يريده الشعب السوري صاحب الحق الحصري في اختيار قادته وطريقة عيشه والأسلوب الديمقراطي الذي يناسبه ويقبل به.
إن هؤلاء المحرضين باتوا مكشوفين للشعب السوري وللعالم كله، وقد أثبت الحصار الذي فرضوه على سورية بحجة دعم المعارضة والتضييق على النظام السوري أنه ضد السوريين كلهم، والجميع يرى الآثار المدمرة التي تركها هذا الحصار على حياة الناس وأرزاقهم، فأي عون هذا الذي يعمم الفقر ويستجلب العنف والجريمة بكل أشكالها.
إنهم يدفعون الأمور إلى حافة الهاوية ولن يسلم منها أحد، ولن تكون الحرب المعلنة في الأيام المقبلة كما كانت عليه في كل الفترة السابقة، ونعيد هنا توجيه نداءنا للأهل قي سورية الشقيقة بأن أهدافكم السامية التي أعلنتموها في بدء الحراك ووجدت تجاوباً من الحكومة رغم البطء في تنفيذها يمكن الوصول لها بأقل الخسائر وبثمن تتحمله سورية والشعب السوري، وهذا يتطلب من الجميع الوقوف قليلاً للتأمل والتفكير قبل أن يستولي الحمقى والغلواء على ميدان العقل فيغيبوه وتصل بلادكم إلى الحائط المسدود. سورية كانت دائماً بلد التسامح والحضارة والعيش المشترك والأمن والأمان فلا تمنحوا الحاقدين والمتربصين ببلدكم فرصة الدخول لملعبكم.
|