التفجيرات التي وقعت صباح السبت في السابع عشر من آذار (مارس) بمنطقتي القصاع والجمارك في دمشق وأوقعت عشرات القتلى والجرحى من المدنيين ورجال الأمن والشرطة لم تكن مفاجئة بعد التصريحات المتتالية من مسؤولين عرب وأجانب حول ضرورة سحب سفراء دولهم لأسباب أمنية تتعلق بعدم توفر الحماية الكافية لرعاياهم على حد زعمهم.
أتت التفجيرات الإجرامية غداة سحب سفراء مجلس "التعاون" الخليجي وإغلاق سفاراته بسورية انصياعاً لأوامر أمريكية سمعناها سابقاً وأدت لإغلاق سفارات أغلبية الدول الأوروبية بالإضافة لذات السلوك من الولايات المتحدة التي تقود حرباً دولية ضد سورية تحت عنوان الضغط على القيادة السورية لإرغامها على السير في ركب القطيع العربي الخاضع للإملاءات الأجنبية والأجندة الصهيونية وليس حرصاً على حياة السوريين كما تدعي.
لقد اتخذت هذه الحرب بعدها العالمي منذ بعض الوقت واشتدت وتيرتها مع اقتراب الذكرى السنوية لاندلاع الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح ودرء الفساد في الشارع السوري. وما سمعناه من تصريحات للسيد أردوغان رئيس وزراء تركيا وعربان الخليج حول نواياهم في تأجيج الصراع ورفع وتيرة العنف عبر تسليح المعارضة والمحتجين والممرات الآمنة كان المقدمة المنطقية والمفهومة، أو الضوء الأخضر لهكذا عمليات إرهاب روعت المواطنين وقلبت حياة بعضهم إلى جحيم، كما أتت في نفس السياق تصريحات قادة تنظيم القاعدة كالظواهري وغيره لتصب في ذات الاتجاه والهدف، أما الأحزاب والتنظيمات السلفية المتطرفة ذات الخلفية الوهابية وتتلقى دعماً كبيراً من السعودية ودول النفط العربية سواء كانت في العراق أو في غيرها من الدول المجاورة فقد كانت إعلاناتها وتوجهاتها واضحة كالشمس حول استهداف سورية بغطاء كاذب وفاسد اسمه مواجهة بطش الدولة والقيادة السورية ل "أهل السنة"، والحال أن استهداف الدولة أنتج ما شاهدناه جميعاً من قتل ودمار ألحقته يد الغدر لكل هؤلاء بالشعب السوري الذي يحرصون باستمرار على التحدث باسمه والتباكي على قتلاه. التفجيرات الإجرامية التي وقعت في منطقتين تكثر فيهما السيارات ومرور الناس المدنيين لا يمكن تفسيرها إلا من خلال فهم الصورة العامة للحرب الدائرة اليوم بين معسكري السلام والمصالحة والإصلاحات وبين دعاة القتل والتدمير والتدخل الخارجي بقيادة أمريكا وعملائها في السعودية وقطر.
المرجح أن هذه الحرب ستستمر وتأخذ أبعاداً أكبر وأوسع نطاقاً وعلى المعنيين في معسكر السلام أن يضعوا هذا في عين الاعتبار، كما أن الدولة السورية وحكومتها وقيادتها معنيين باتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بتأمين المدن السورية والحفاظ على أرواح الناس وممتلكاتها فهذه مهمتهم بالدرجة الأولى، وهذا لا يكون باتخاذ إجراءات تزيد من معاناة الناس وخوفهم من المجهول، بل بالمزيد من الرقابة والانفتاح في نفس الوقت على الناس وتبيان الحقيقة التي تجعلهم يشاركون في التصدي للخروق الأمنية ومساعدة الحكومة في تنفيذ برامجها الإصلاحية.
اللافت في سياق البحث عن جوانب متعددة لما يجري من وقائع والتقصي عن خلفياتها ومفاعيلها أن وتيرة العنف القادم من الخارج وحجم التدخل السياسي والأمني من معسكر العدو يزداد حجماً ونوعاً كلما خفت وتيرة الصراع الداخلي وقلت المواجهات المسلحة بين الدولة والمحتجين المسلحين وغيرهم من الذين ركبوا الموجة للتغطية على جرائمهم.
إن الطريقة التي تتعامل بها دول المحور الرجعي العربي مع الأزمة السورية والإعلام الموجه من جانبها نحو تأجيج العنف والقتال في سورية وتساوق دول غربية معها بهدف إلهاء شعوبها بأحداث خارج بلدانهم ستنتج إجراماً كالذي وقع في دمشق، وقبلها في نفس العاصمة وحلب ودرعا وغيرها من المدن والبلدات السورية أدت لقتل مئات المدنيين وتدمير ممتلكات عامة وخاصة هي من رصيد الشعب السوري. لقد عبر العديد من المفكرين والكتاب العرب عن استيائهم وإدانتهم للدول الممولة لأبواق الفتنة والتحريض من فضائيات وغيرها ونبهوا في بيانات معلنة وواضحة عن خشيتهم من وقوع عمليات قتل نتيجة الدعاية الرخيصة والمغرضة لهذه الأبواق ولهذه الدول.
على ما يبدو في سلوك معسكر الحرب على سورية فإن اتجاه الرأي العام الدولي نحو الحل السلمي للازمة السورية وبدء الحوار مع القيادة السورية من جانب الأمم المتحدة للبحث عن حل يرضي كل الأطراف قد خيب آمالهم في تخريب الداخل السوري وإيصاله للحرب الأهلية أو تشريع التدخل العسكري الخارجي الذي كان بكل أسف عنوان الجمعة الأخيرة لتحرك المعارضة السورية في بعض المناطق والتي لا نعرف كيف يتم اختيار هذه العناوين ومن يقف وراءها حيث من المؤكد أن واضع هكذا شعارات لا يعرف معناها أو نتائجها ويشك المراقب أن يكون واضعها سورياً أو عربياً من الأساس.
ما وقع من تفجيرات وما يجري ويقع في سورية وعلى وجه الخصوص سحب السفراء وإغلاق السفارات يعطي المؤشر على مسألتين الأولى أن العدو المتربص بسورية ويعمل على إفشال الحل السلمي للأزمة قد أفلس فآثر الهروب للأمام، والثانية أننا على أعتاب مرحلة جديدة قاسية ومريرة يحضر لها هؤلاء وأن التفجيرات مجرد بداية لها وعلينا الاستعداد والتنبه.
في الحالتين لابد من اتخاذ ما يلزم لمواجهتها والاستفادة من الارتباك الحاصل في المعسكر المعادي لبعض الوقت من أجل لملمة الوضع الداخلي وفتح الطريق للحوار والمصالحة عبر إجراءات ملموسة في مقدمتها الإفراج عن المعتقلين السياسيين كلهم وإجراء ما يلزم لتحويل الحل الأمني لمعالجات أمنية موضعية لمصلحة حل سياسي يفضي لإحداث التغيير المطلوب وتلبية مطالب الشعب بدون تأخير.
|