إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الموارنة سريان سوريون

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1948-01-01

الارشيف

يحاول الجاهلون, الذين لم يدرسوا التاريخ ولا العلم الأتني , ايهام الناس أنه يوجد في لبنان شعب خاصّ ليس جزءآ من الأمّة السورية القائمة شعبآ واحدآ في جميع سورية الطبيعية.

في اوّل عهد نغمة " استقلال لبنان " الذي اعلنه قائد الجيش الفرنسي المحتل , لجأ المهتمّون بتأمين مصير الجماعة المسيحية في لبنان الى فكرة ايجاد " قومية لبنانية " خاصة , متخذين المدن الكنعانية البحرية التي قامت على الساحل أمام جبل لبنان , كصور وصيدا وجبيل , أساسآ لهذه الخرافة.

ولو افترضنا غير الواقع , وسلمنا بهذا " الأصل الفينيقي ", أي من الكنعاني , لوجب القول انّ الشعب اللبناني مربوط من الواجهة الأنتوغرافية بالشعب الفلسطيني أشدّ الارتباط . أي أنه والشعب الفلسطيني شعب واحد , لأن أساس الفينيقيين , الذين سمّاهم اليونان بهذا الاسم واشتهروا به في تاريخ المتوسط والتمدن المدتراني الذي نشأ في سورية , هو في فلسطين التي عرفت " بأرض كنعان " والتي هي مقر " جسم " الكنعانيين وحافظة بقيتهم .

ولكن التحقيقات العلمية أثبتت, بما لا يقبل الجدل , اختلاط الأقوام الرئيسية الثلاثة التي انتشرت في سورية الطبيعية كلها , أي الكنعانية ( الفينيقية ) والارامية-الكلدانية والحثية , وامتزاجها واندماجها بعضها ببعض حتى نشأت فيها شخصية واحدة جديدة واضحة هي الشخصية السورية .

ومن هذه التحقيقات العلمية الأكيدة ما اختصّ بالناحية الانتربولوجية المحض التي تدرس الأجناس من الواجهة الفيزيائية الخالصة . وقد اثبتت هذه التحقيقات , خصوصآ التي قام بها الهولندي " كفرس " الذي خصّص قسمآ من وقته , حين كان يدرّس في الجامعة الأميركية في بيروت , لبحث السلالات الممثلة في سورية , ودرس كثيرآ الأجناس في الجبال السورية وسهولها وجنوبها وشمالها , ووضع بذلك تقريرآ قدّمه الى الأكاديمية الهولندية .

خلاصة تقرير هذا العالم المذكور أنّ معظم سكان جبل لبنان هم من سلالة المفلطحي الرؤوس الممثلة بشكلين هما الشكل الآرامي- السرياني والشكل الحثي .

وقد لاحظ العالم المذكور , وغيره , أنّ الشكل الحثي منتشر كثيرآ في لبنان , وهو الشكل الذي يجمع الى تفلطحه , أنّه لا قحف بارز في مؤحرة الرأس , وان انفه في الغالب نسريّ معقوف .

اما الفينيقيون فهم بخلاف ذلك , أي أنّ سلالتهم هي مستطيلة الرأس ( شموطية ) ورؤوسهم ذات قحوف بارزة في المؤخّرة . ووجود متحدّرين من هذه السلالة في جبل لبنان نادر جدآ اذا لم يكن معدوما مطلقا .

والموارنة خاصّة , الذين فيهم كثيرمن الشكل الحثي أيضآ , هم آراميون أصلا ولغة , أي سريان ( سوريون ). ومجيئهم كان من الداخلية وقصّة دير رهبان مار مارون , قرب حمص , وهرب الموارنة من ذلك المكان الى لبنان حقيقة ثابتة , حتى أن المطران مبارك رأى أن يذكرها , من أيّام معدودة , في خطبة له .

فالموارنة , الذين هم من الشعب السوري , الذي هو داخل سورية , هم سريانيو اللسان لا فينيقيوه . وهم ثقافة ودمآ , سوريون كغيرهم . وأدبهم الديني والاجتماعي هو بعض الأدب السوري السرياني عامة , الذي كان له ازدهار عظيم في ما بين النهرين : الفرات ودجلة , كما أروفة ( أديسّة ) وغيرها .

واذا عدنا الى الاساس الفينيقي , وجدنا أنّ الفينيقيين امتدّوا من فلسطين على طول الساحل السوري . وأعظم الآثار الفينيقية التي اكتشقت مؤخرآ , بين سنة 1929 و 1932 , كان في رأس شمرا قرب اللاذقية , وليس على الساحل أمام فم الميزاب او صنّين والكنيسة .

ان الأقوام السورية الرئيسية قد امتزجت بعضها ببعض مع مرور الزمن . وكان شعورها بوحدة مصيرها , قبل امتزاجها , يدفعها الى التحالف الجزئي أو الكلي فيما بينها ضدّ الغزوات المصرية التي تلت الفتح السوري لمصر وسيادة السوريين على مصر مدّة غير يسيرة من الزمن .

ونشأ من الامتزاج المذكور الشكل السوري الخاصّ , الذي يختلف لونآ ونوعآ عن الشكل المصري , الذي هو نتيجة أقوام مختلفة . وهو شكل واضح يجمعهم كلهم تجاه الأشكال الأخرى . فالجنس الاجتماعي السوري يجمع اللبنانيين والساحليين والشاميين والفلسطينيين , وجميع أبناء المناطق السورية , في شكل واحد يميزهم عن غيرهم من الأشكال . فحيثما اجتمع أفراد من هذا الجنس في الخارج , جمعهم شكلهم ومزاجهم وميّزهم عن غيرهم كالمصريين والفرنسيين والانكليز والألمان والروس وغيرهم .

واذا عدنا الى الموارنة , خاصّة , وجدنا أنهم الذين يحتفظون ببقيّة التقاليد السورية القديمة , ويشترك معهم بعض جماعات الداخلية وما بين النهرين . فلغتهم الكنائسية هي السريانية , أي السورية عامّة , التي عمّت سورية كلها وكانت مدّة من الزمن اللغة الرسمية في المعاملات الأنترنسيونية , حتى أنّ معاهدات بين الفرس ومصر عقدت باللغة الأرامية ( السريانية ) .

والبطريرك الماروني ليس بطريركآ لكرسيّ لبناني بل لكرسي سوري عامّ , فهو " بطريرك انطاكية وسائر المشرق " . وانطاكية في شمال سورية وكانت عاصمة الامبرطورية السورية في العهد السلوقي الذي كانت العائلة المالكة فيه من اليونان ولكنّ الدولة كانت سورية .

وفينيقية نفسها كانت تعرف أنّها سورية وليست " لبنانية " وقد خصّها بالسورية ( 1 ) الانجيل المقدّس , فقد ورد فيه في وصف انتقال يسوع الناصري الى الجليل ونواحي صور وصيدا .

وقبل الحرب العالمية الأولى كان جميع اللبنانيين يعدّون أنفسهم سوريين , ولا يعرف أحدهم نفسه بأنّه لبناني الا تعريف المنطقة , وليس تعريف القومية , كقولك " بطرس البستاني اللبناني " و " يوحنا الدمشقي " و " ديك الجن الحمصي " الخ...

ان الموارنة , خاصّة , يحملون تراثا سوريأ وتاريخ طائفنهم مندمج في تاريخ سورية كلها , ومنهم ننتظر المساهمة في حفظ هذا التراث , وكلّ فكرة تقصد عزلهم عن مجرى هذا التاريخ هي فكرة مقوّضة لأساسهم ومعطلة لمستقبلهم .

المسألة اللبنانية لم تكن قط مسألة امّة خاصّة أو جنس خاصّ أو بلاد خاصّة, بل مسألة جماعة دينية دفعتها الحروب الدينية الماضية, وفقد الحقوق المدنية والسياسية العامة , الى طلب وضع تأمن فيه على معتقداتها الروحية وتقاليدها حفظا للتراث القديم لا تهديمآ له .

حقيقة هذه المسألة معروفة عند المسيحيين والمحمديين على السواء . وتشكيلة " الكتائب اللبنانية " , نفسها , كانت تعترف بعدم وجود " أمّة لبنانية " , اذ هي تقول , في المادّة اللأولى من دستورها التأسيسي , انّ غايتها " السعي المتواصل الى انشاء أمّة لبنانية " . أي أنّ هذه الأمّة ليست موجودة و " الفلانج " تريد ايجادها .

وحتى الآن , لم تصدر " الفلانج " بلاعآ بانتهائها من صنع الأمّة اللبنانية , ولم تدع الناس الى رؤية نتاجها في معرض رسمي.

جبران خليل جبران الماروني , لم يسعه , عندما رأى انشاء الكيان اللبناني السياسي , الا أن يقول في مقالة أنشأها خصيصآ لهذا الموضوع " لكم لبنانكم ولي لبناني " .

المطران الماروني المغفور له الدبس ألف " تاريخ سورية " , وعدّ سورية كلها وطنه , والأمّة السورية أمّته.

سليمان البستاني الماروني , الأديب الكبير , قال , وقد أشرف على الوفاة :

" وأرض سورية محط امل ,

الى حماها يسير الرفات ,

وأهلها تلقى قبيل الممات

بمرتع الرغد وعيش خضل " .

لا تخونوا أرواح آبائكم وأجدادكم ولا تعطلوا خلودكم ان كنتم تعقلون .

ليس الموضوع نقض الكيان اللبناني , فهذا الكيان مسلم به , فلنفرق بين الكيان وسلامته من جهة , والحقائق الاجتماعية من جهة أخرى .

الزوابع العدد الاول 1948

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017