إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

نسر الزعامة السورية القومية ووحل تكمان وذبابها < الباب الأول جزء 3 >

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1945-01-22

الارشيف

ليس هذا التناقض الوحيد في دفاع المذنب جبران مسوح، بل هنالك تناقض آخر. يقول جبران مسوح أن الزعيم أضاع مال ابن حميه جورج المير بتبذيره وسوء تصرفه. ثم يقول أن الزعيم "ما كان يجب أن ينغمس في تجارة، وما وقوع النسر في حومة من الوحل" وقال في مكان آخر أن مال الزعيم صار يحوم عليه النفعيون "كما يحوم الذباب على قطعة لحم مهملة".

قد يعجب القارىء كيف ان من غلط الأمين الدكتور فخري معلوف بتسميته "مفكراً كبيراً" يعمى عن هذه المتناقضات الكبيرة. ولكن الذين يحبون تكليف أنفسهم عناء بحث الأسباب يجدون أن نقائص جبران مسوح النفسي، من فكرية وشعورية، هي مشابهة لنقائصه الفيزيائية. فكما أن جبران مسوح حصر تأتأة وأعمى اللون، أي أنه لا يميز بين ألوان وألوان كذلك هو حصر الفكر وأعمى المنطق من الوجهة النفسية. وهو قد ظن، لعماوة منطقه، ان هذا الكلام يتفق مع اللون والنتيجة مع ذاك الكلام.

ويمكن أن يكون جبران مسوح ظن أنه أتى بآية من آيات الخداع الذي تمرن طويلاً عليه فقال في آخر دفاعه عن أنطون سعاده ما هو ضمن الحقيقة المشهورة عنه ليوهم الناس أن الذي يعترف هذا الاعتراف بحقيقة أنطون سعاده التي أنشأت أمة جديدة وعصراً جديداً لا يمكن أن يكون ذاك الثعبان الخبيث الذي حاول نهشه والمنافق الكبير الذي بدل الواقع وشوهه في ما جرى لنسر الزعامة في تكمان – في وحولها وذبابها!

وفي بلادنا يقولون: اقتل القتيل وامش في جنازته!

وجبران مسوح ولد وترعرع في أحضان تلك العقلية المنحطة ورأى في حماه، بلده، أشخاصاً عرفهم بعينهم يقتلون القتيل ويقبضون ثمنه ويقتسمون الغنيمة مع الوالي ويسيرون في الجنازة ويحييهم الناس بخشية وتهيب. أما تعاليم سعاده المنشئة حياة جديدة فقد أدركت جبران مسوح كبيراً ودروس أنطون سعاده قد أعطت قلم جبران مسوح كل المواد التي بنى بها مقالاته القومية وغيّرت كل أدبه الكتابي ولكن داخلية قلب ذاك الشخص لم تتغير وبقيت في نفسه زوايا مظلمة مقفلة لا يدخلها نور الحياة الجديدة.

كتاباته كانت صناعة حياكة اتخذ أفكار الزعيم أقواله وأحاديثه خيوطاً لها أما نفسه فكانت الحياة القديمة – حياة المثالب والانحطاط والمفاسد – قد مدت جذوراً عميقة فيها لم يعد من الممكن استئصالها.

ان نفسية أقتل القتيل وامشِ في جنازته لم تمت في جبران مسوح ولكنها كانت كامنة حتى ثارت ثورة شهوانية وبدت نواجذ شرهة نهمة فعادت تلك النفسية تسري في عروقه. وقد حذر الزعيم من ثمة شخص قال فيه جبران مسوح أنه مجنون وآخرون قالوا فيه أنه ثرثار واسم هذا الشخص بشارة عواد وهو يصدر مجلة اسمها "الوداد".

من مدة نحو سنتين أصدر صاحب "الوداد" عدداً أثبت فيه مقالة بعنوان "الزوبعة وبقية الصحافيين" واننا نرى أن نثبتها هنا لأنها أعلنت حقيقة جبران مسوح وكان كأنها نبؤة لما سيأتيه جبران مسوح ضد الزعيم. والمثل يقول " مجنون يتكلم وعاقل يفهم".

اننا ننشر المقالة المذكورة آنفاً فيما يلي بحروفها وأغلاطها الصرفية والنحوية لتبقى بالصفة التي صدرت فيها واليكمها:

"الزوبعة وبقية الصحافيين

"يسألوني الناس عن حضرة الاستاذ انطون سعاده رئيس الحزب السوري.

"وهل نقدر ننكر مقدرة الزعيم وذكائه بفن الأدب.

"فنحن السوريين بحاجة ماسة إلى رجل قدير من أمثال الزعيم انطونيو سعاده كي يعلمنا على الأدب ويرفع تلك الغباشة عن عيوننا لأن هؤلاء الصحافيون كتاباتهم لا تفيدنا شيا لكون أنهم عميان وهل أعمى يقدر أن يقود أعمى ويهديه على الطريق.

"نعم حضرة الزعيم انطونيو سعاده رجل فطين عنده الفهم الكافي لم يوجد من أمثاله بين الأدباء لأنه عالم قدير على حسب المواضيع التي سمعناها منه والأبواب التي طرقها والبراهين التي جابها والتعبير الجميل عندما بدأ يشرح لنا عن الديانات في امضاء هاني بعل.

" لا أظن عالم أو فياسوف يقدر أن يضرب على ذلك الوتر الصافي ويخوض في بحور ديانة الاسلامية والمسيحية ويشرح لنا عن آيات المصحف حرفياً فهذه الأبواب لا يقدر عليها حتى ولا أبلغ الكتـّاب.

"انما يجب على كل عاقل أن يحترم أفكار انطونيو سعاده نظراً بما في دماغه من النور الساطع الذي يشع إلى كل الجهات.

"بل انما رأيت العجب كيف حضرة الزعيم يصحب رجل خائن بلا ضمير مثل جبران مسوح.

"ومن البلية دايما يذكر اسمه على صفحات الزوبعة ويفتخر به.

"إعلم انه لا يوافق ولا بوجه من الوجوه أن تجعل أول مسطرة من بضاعتك رجل خائن بلا ضمير مثل جبران مسوح حفظاً إلى وظيفتك التي أنت فيها لكون تضر نفسك ولا أحد يصدق بما تقول طالما تتكل على جبران مسوح وتصدق كلامه.

"اياك تعتقد في مديحه لك لأن مديحه سم قاتل.

"واذا لم ترفضه من الحزب تضر نفسك.

"لأن هذا الرجل مثل الحية تماماً تغشك في نعومتها ولكن متى صار لها وقت لا تقصر عن لسعك".

لسنا ندري هل صاحب المقالة المتقدمة مجنون كما يقول جبران مسوح ولكننا نعلم الآن انه قال حقيقة تشبه الحقيقة التي قالها مجنون آخر عرف في الروايات التي كتبت في مقتل القائد الرومي يوليوس قيصر، اذ اعترض قيصر وهو في طريقه إلى الكافتول وأخذ يحذره من منتصف مارس فلم يعبأ قيصر بتحذيره ولكن الحقيقة كانت في ما قاله ذاك الأبله. ففي منتصف مارس غدر بروتوس وكاسيوس وكسكا وأعوانهم وطعن بروتوس يوليوس قيصر، الذي أحبه وأعزه وأكرمه، الطعنة القاضية.

واذا كان يجوز أن نأتي بذكر المجنون الرومي الذي حذر قيصر من يوم شؤم للمقارنة مع من يسميه جبران مسوح مجنوناً فلا يجوز ذكر بروتوس للمقارنة مع جبران مسوح لأن ذاك كان ذا عقيدة وعمل بدافع عقيدته في ما هو أفضل لرومة أما جبران مسوح فقد عمل بدافع الطمع ومن أجل كمية مالية حقيرة، على ما لها من الأهمية في المحل التجاري المنشأ حديثاً.

ويجب الالتفات إلى نعت الخيانة الذي يصف به بشارة عواد جبران مسوح. فالظاهر أن بشارة عواد كان يعلم أشياء عن مسوح ويعرف من زمان أنه كان في عداد المأجورين لتحبيذ احتلال فرنسة سورية كما سنبين ذلك. وقوله فيه أنه "بلا ضمير" يجد في فضيحة جبران مسوح أكبر مصداق له. وقوله أيضاً بعدم تصديق مديح مسوح وأن مديحه "سم قاتل، وان هذا الشخص هو مثل الحية تماماً تغشك في نعومتها ولكن متى صار لها وقت لا تقصر عن لسعك"، كل ذلك أقوال أصابت كبد الحقيقة.

ولا ننسى أن بشارة عواد هو حموي، أي ابن بلد جبران مسوح، ولا بد أن يكون يعرف أموراً كثيرة لا يعرفها الذين عرفوا جبران مسوح في الارجنتين.

أتى جبران مسوح في دفاعه التحاملي ببعض حقائق دس بينها كل الافتراءات والأكاذيب التي خطر له أنها تفيده وتحول نظر التحقيق عنه. وبين الحقائق القليلة التي ذكرها جبران مسوح من غير أن يشعر بمقدار ما تشهد على كذبه وتأويلاته الملتوية اعترافه بـأن "ذباب" تكمان أخذ يحوم حول مال الزعيم وان نزول الزعيم ميدان التجارة لم يكن إلا وقوع النسر في حومة من الوحل. فما هي هذه التجارة التي لم تكن إلا حومة من الوحل اعدت ليسقط فيها نسر الزعامة وما هو ذاك الذباب الذي أخذ يحوم حول مال الزعيم ليمتصه؟.

اننا سنبين كل ذلك بتفصيل لا يدع مجالاً لشبهة او التباس. ولكننا سنبدأ من أول علاقة لجبران مسوح بالحركة السورية القومية الاجتماعية لأنه هو قد شاء ذلك:

....


للبحث صلة


الزوبعة، العدد 83 في 22 كانون الثاني 1945


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017