إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

القوة والتغيير في التاريخ

د. وسام جواد

نسخة للطباعة 2009-03-06

الارشيف

تعتمد التغييرات المادية الحاصلة في الطبيعة على القوة اللازمة لإحداثها من الناحيتين الكمية والنوعية. واذا أسلمنا بتباين قوى الطبيعة وما لها من تأثيرات على الكائنات الحية وغيرها, فإن الفضل في تحديد كيفية مجابهتها أو التكيف معها أو تسخيرها يعود الى تثبيتها وتحليلها في العقل البشري,الذي تنعكس عليه الضواهر وتؤثر فيه بشكل يدفعه الى التأمل والتفكير في كيفية التعامل معها. ومن البديهي أن يتخبط الإنسان في بداية صراعه مع قوى الطبيعة ويلجأ بعد استحالة الاعتماد على نفسه الى الكفاح الجماعي لدرء الأخطار وتنظيم العلاقات بين الأفراد في نظام إجتماعي بدائي عرف بالمشاعية البدائية.

إن فهم الإنسان في الماضي السحيق,لضرورة الاتحاد في مجاميع, تطلب الإعتراف والخضوع للأقوى, وهيأ المناخ تدريجيا, لظهور التسلط وبناء علاقات جديدة في نظام إستغلالي يفرض القوي فيه إرادته على الضعيف. وقد وُلِدَ هذا النظام في مرحلة الاقطاعية وترعرع في مرحلة البرجوازية ونضج في الرأسمالية وهرم في مرحلة الإمبريالية, المتمثلة حاليا بالولايات الصهيونية المتحدة. ولعل ما عانت منه البشرية خلال هذه المراحل بسبب الصراعات, يفوق بكثير ما عانته من كوارث وغضب الطبيعة. فقد كانت الحروب العدوانية تحصد عشرات وربما مئات الألوف من الضحايا في مرحلتي الاقطاعية والبرجوازية, بينما بلغت عشرات الملايين في ظل النظام الرأسمالي, وباتت تهدد مصير البشرية والطبيعة بالفناء التام في حال إشتعالها, بسبب حماقات النظام الإمبريالي .

لقد أدى التنافس بين دول النظام البرجوازي الى نشوب نزاعات وحروب عديدة في أوروبا, بلغت ذروتها باندلاع الحرب العالمية الاولى ( 1914- 1918 ) الأكثرها دموية والأشدها فتكا, والتي كان من بين نتائجها الاتفاق على توزيع الحصص, والسيطرة على الدول الضعيفة, ووضع الحد لهيمنة السلالات الحاكمة, ذات الأصول الممتدة جذورها الى الاقطاعية, وقائدة الحملات الصليبية آنذاك . وعلى الرغم من أن عدد ضحايا الحرب العالمية الاولى قد تجاوز العشرين مليون بين قتيل وجريح ومشوه, ورغم تغيير الواقع السياسي في أوروبا وانتشار الأيديولوجيات المختلفة,الا أن ذلك لم يحل دون استمرار الصراعات,التي أدت في النهاية الى إشعال فتيل الحرب العالمية الثانية .

لم تغفر المانيا وقوف فرنسا وانجلترا وروسيا القيصرية الى جانب صربيا في الحرب العالمية الاولى , وما فرض من تعويضات وترتب عليها من ديون, فسلمت أمرها لرجل إستطاع انتشالها و تخليصها من ديونها ( أدولف هتلر) وبناء ماكنة عسكرية ضخمة, لم تكن خشية أوروبا منها عبثية, حيث بدت ملامح أعنف صراع عرفته البشرية تلوح في الأفق, والذي بدأ فعلا في 7 تموز 1937 في آسيا, واتسع ليشمل أوروبا في 1 أيلول 1939, ولم يتوقف إلا في بداية مايس 1945 بسقوط برلين, مخلفا خسائر بشرية جسيمة, قدرت بـ 70 مليون بعد معارك رهيبة في البحر والبر والجو, شاركت فيها سبعون دولة.

أما بالنسبة لشعوب الدول المُستعمَرة, فلم يكن بوسعها سوى الكفاح لنيل حريتها والتخلص من السيطرة الأجنبية, فنالت ما أرادت بعد نضال طويل, ولكن بطرق ونتائج مختلفة, حيث نجح البعض في التحرر وبسط كامل السيادة الوطنية ( كالصين وفيتنام مثلا ) وحصل بعضها على استقلال شكلي , بينما بقي في الواقع, تحت سيطرة ونفوذ الدول المُستعمِرة, كما هو الحال مع معظم الأقطار العربية والدول النامية .

إن ما يُطيل أمد العلاقة وبقاء الارتباط بالدول الاستعمارية هو مصالح الطبقة الحاكمة,المتعاونة مع الاحتلال, وتفضيل الدول المُستعمِرة لإسلوب الإحتلال غير المباشر للأسباب التالية :

- تجنب الخسائر البشرية والمادية في صفوف قوات الاحتلال .

- جعل الصراع داخليا, بين الأجهزة القمعية للحكومات العميلة والقوى الوطنية الرافضة لها .

- الإبتعاد عن النموذج المقيت للاحتلال المباشر,غير المقبول وطنيا ودوليا.

- تحقيق الأهداف والغايات عن طريق العملاء وأعوان الاحتلال, وشراء ذمم ضعاف النفوس في القيادات العسكرية والسياسية والدينية .

يبين التاريخ في مختلف مراحل التكوينات البشرية أن القوة كانت ولا تزال الوسيلة, لفرض إرادة وسيطرة الأقوياء, وإحداث التغييرات داخل المجتمعات, وشن الحروب لأهداف توسعية خارجها . وكان القادة الأقوياء يدركون تماما, حقيقة أن لا قوة بدون الوحدة,التي إن تحققت, قد تقلق وتثير حفيظة منافسيهم وتدفع بهم الى تحطيمها. ويمكن في هذا الصدد, أن نتذكر ما قام به بسمارك من جهود لتوحيد الإمارات في الرايخ الألماني الثاني أو المملكة الألمانية في الداخل, ودوره في تحجيم روسيا القيصرية وإهانة فرنسا وضرب النمسا في الخارج, وفق مبدئه المعروف"إن الحق مع القوة, وطالما لدينا القوة, إذن لدينا الحق".

لم يكن العراق بعيدا عن هذا الواقع, مع أخذ الفوارق المتعلقة بالقيادتين العسكرية والسياسية بنظر الإعتبار. فقد توفرت للعراق فرص النهوض الاقتصادي والعلمي ( رغم الخلل في الاوضاع السياسية ) لم تتوفر لغيره آنذاك, وقد تجلت بوضوح في منتصف سبعينيات القرن الماضي فاثارت مخاوف الامبريالية الأمريكية والصهيونية والرجعية العربية, ودفعتها الى تقييم أخطارها المستقبلية على مصالحها بوجود عراق قوي اقتصاديا وعسكريا في المنطقة, وكان لا بد من إزالة هذا الخطر المحتمل, فتم إضعاف العراق في الحرب العراقية – الإيرانية الضروس,التي استغلتها اسرائيل لضرب المفاعل النووي, وحرب الخليج الثانية, وفرض الحصار, والتدخل السافر,الذي قاد الى سقوط القيادة العسكرية والسياسية,التي حكمت العراق الداخل بقبضة حديدية, بدت ورقية أمام الخطر الخارجي, بعد أن انهكتها حروب مدمرة, تخللها التفرد والتسلط وغياب الوحدة الوطنية .

الخلاصة :

لا تردع القوة الا القوة, ولا تمنع الأخلاقيات ولا القوانين الدولية الإمبريالية الأمريكية والصهيونية من ارتكاب الجرائم بحق الشعوب ما لم توجه لها صفعات قوية, توقضها من أحلام الهيمنة والسيطرة على العالم. وهذا لا, ولن يحدث إلا بيقظة ووحدة القوى الوطنية المناهضة للإحتلال, ووقوفها صفا واحدا في وجه العدو المشترك. وبقوة الوحدة الوطنية فقط , يمكن تغيير الموازين وهزيمة قوى العدوان .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017