إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

شيئان لا حدود لهما ..

د. وسام جواد

نسخة للطباعة 2009-10-15

الارشيف

الكون والغباء شيئان لا حدود لهما,غير أني مازلت أشك بخصوص الأول. هذا ما قاله ألبرت آينشتاين, ولا اخال ان أحدا يساوره الشك في صحة ما قاله. فقد انشغل العلماء في البحث عن حدود الكون, بينما انشغل العقلاء والحكماء في البحث عن حدود الغباء فلم يجدوها . وليس الغباء الوراثي أو المكتسب ما يعنينا هنا, وانما الغباء السياسي, لما له من تأثير على واقع ومصير المجتمع .

واذا كان لبعض الظواهر الطبيعية كالزلازل والحرارة والرطوبة مقاييس دقيقة, تحدد قوتها ودرجاتها, فإن قياس الظواهر المتعلقة بالنشاط البشري كالحروب والتطور والتخلف إلخ.. يظل نسبيا, ومعتمدا على ما تنجزه الأمم والشعوب بفضل قيادات حكيمة وذكية, وما تفشل في تحقيقه بسبب قيادات غبية .

كيف لغبي ان يكون قائدا..؟

ان ما يميز القائد الذكي عن القائد الغبي هو قدرة الأول على اتخاذ القرارات الصائبة في الأوقات الصعبة بناءا على عمق استيعابه للظروف المحيطة به, وانطلاقا من تقييمه السليم للامكانيات المتاحة لديه. أما الثاني فهو الأخرق أجتماعيا, والأحمق سياسيا, ممن تخدمهم الظروف وتفرضهم عوامل داخلية وخارجية إستثنائية, تتطلب وجود حمقى وأغبياء, يُضخم حجمهم وتُسلم لهم المناصب لضمان نجاح مخططات, وتحقيق أهداف تضعها أطراف خارجية, تعتمد على القوة في صنع وفرض القادة, كما حصل في العراق وأفغانستان, وعلى دفع الأموال, كما هو الحال مع بعض القادة العرب, الذين لو قيل ان حضيرة خنزير أطهر من أطهرهم لكان قليلا بحقهم .

يُبين التاريخ ان من صقلتهم الحياة وتخرجوا من مدرستها بتفوق كقادة حقيقيين, كانوا قلة, اختارهم الناس وآمنوا بقدراتهم ومواهبهم وخبراتهم. أما الأكثرية,فلم تتوفر فيهم شروط ومواصفات الشخصية القيادية. وقد ذكرت في مقال سابق ان هؤلاء إذ يحكمون, لا لأنهم موهوبون, ولا لأنهم متميزون, وإنما لكونهم يتوارثون, وفقا لأحكام قانون, لا يقبله سوى مجنون . وقد تصل الى السلطة قيادات,عن طريق الانقلابات, أو بعد فوز في انتخابات, ما هي الا مسرحيات, كتب لها سيناريوات, تُرجمت الى كل اللغات, ونُطقت بمعظم اللهجات, ليحفظ نصوصها الحثالات, من ملوك ورؤساء وقيادات, وزمر الخيانة والعمالات, ويرددوا ما حفظوه كالببغاوات, بأنهم ضد الدكتاتوريات, ومع بناء الديمقراطيات,التي أتت بها الولايات, ومن باع شرفه ببارق الدولارات, وقبض التومان والدرهم والريالات, وجاء على ظهور الدبابات, محملا بأصناف القذارات, من عنصرية أصحاب الشروالات, الى طائفية أهل العمامات. فهل من يشك في هذه الحالات, بعدم وجود نهايات, أو حدود للغباء والحماقات, في عقول تلك القيادات, التي اختارت دروب الخيانات..؟

ما كل قوي ذكي ولا كل ذكي قوي..

شهد تاريخ البشرية منذ إنتهاء مرحلة المشاعية البدائية وحتى وقتنا الحاضر مراحل تطور اقتصادية واجتماعية وسياسية,كان للقوة فيها دورا فاعلا في الاستغلال وحسم الصراعات والنزاعات في الداخل وفرض الهيمنة والسيطرة في الخارج, لنهب وسلب الثروات عن طريق الحروب الهمجية والعدوانية . وقد عرفت في مرحلة الاقطاعية قبل وبعد الميلاد, حروبا همجية عديدة, بينما عانت وتعاني في مرحلة الرأسمالية والامبريالية من حروب عدوانية مدمرة, يقع على عاتق الولايات الصهيونية المتحدة قسطا كبيرا من مسؤولية نشوبها. ويظل القاسم المشترك للحروب الهمجية والعدوانية واحدا متمثلا بالقوة . فحروب الجاهلية والصليبية والمغول والتتر الهمجية كشفت عن دور القوة لا العقل في حسم الصراعات, ورغبة قطع المسافات, لتحقيق فوز وانتصارات, بشن الحروب والغزواة, للاستحواذ على الخيرات. ولا يختلف الأمر من حيث الأهداف والجوهر في الحروب العدوانية,التي شنتها أمريكا وحلفاؤها على العراق وافغانستان, إذ تظل هذه الحروب همجية, مهما حاول قادتها ربطها بالمثل الديمقراطية والحضارية, فالديمقراطية لا تبنيها الجيوش والقوة لا تعني الحضارة ولا تدل على الذكاء.

لا يكمن ضعف الذكي في عدم قدرته على اللجوء الى القوة, بل في مواجهته لِكَم من الموانع الأخلاقية التي تدفعه الى التردد في استخدامها حتى وان دعت الحاجة لذلك. ولعل ما حصل بعد احتجاز كرباتشوف من تردد الحكومة الشيوعية المؤقته في اتخاذ القرارات الحاسمة ضد الزمر,التي حرضتها الولايات المتحدة والصهيونية لقلب نظام الحكم في الاتحاد السوفييتي, دليل على المبالغة في مراعاة الجوانب الاخلاقية مع شرذمة خبيثة وضارة, عملت تحت ستار الاصلاح والتغيير والديمقراطية . فقد فوت التردد في اتخاذ القرارات السريعة والصارمة فرصة لا تعوض لاعادة النظام وكان الثمن باهضا.

على الرغم من الفوارق بين ماحدث للاتحاد السوفييتي والعراق, إلا أن ثمة ما يدعو الى التأمل في أوجه التشابه في النتائج, بعد إنهيار الأول واحتلال الثاني :

في كلا الدولتين تمكنت الامبريالية والصهيونية من إسقاط نظامين قويين, تمسكا بقيادة الحزب الواحد, بمساعدة قوى داخلية عميلة للغرب, وأخرى عنصرية ودينية رجعية .

صدر في روسيا قرار حظر بموجبه نشاط الحزب الشيوعي بعد نجاح مؤامرة كرباتشوف- يلتسن. وفي العراق صدر قرار مماثل, سمي بقانون اجتثاث البعث, وأعلن حظر نشاط حزب البعث .

رفع الحزب الشيوعي الروسي دعوة قضائية, نجح خلالها في استصدار قرار من المحكمة العليا يقضي بعدم شرعية منع نشاط الحزب. وفي العراق عارضت أطراف عديدة (غير بعثية) قانون اجتثاث البعث, وحصلت بعض التغييرات,التي تستثني البعثيين,غير المدانين بارتكاب الجرائم .

حدث تدهور خطير في الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بعد انهيار الاتحاد الشوفييتي وتسلم بوريس يلتسن مقاليد السلطة كأول رئيس لروسيا. وقد حدث مثل هذا التدهور في العراق بعد الاحتلال واستلام مجلس الصم والبكم للسلطة .

تفجرت النعرات القومية والعنصرية وأدت دعوات الانفصال عن روسيا الى إشعال فتيل الحروب, وهذا ما لوحظ في العراق بعد الاحتلال حين استغلت المشايخ الكردية في الشمال الظروف غير العادية, فبدأت تطالب بما يفوق حجمها وحقوقها .

تحولت روسيا بعد انهيار النظام السوفييتي من بلد صناعي ذو اقتصاد قوي الى دولة استهلاكية, بعد ان أقفلت أبواب العديد من المصانع والمعامل المنتجة, وبيعت المهمة منها باسعار رمزية لرجال أعمال جلهم من اليهود. ولولا الحرب على العراق وتأزم الأوضاع في الخليج, التي أدت الى زيادة كبيرة في أسعار النفط ,لما تمكنت روسيا من استعادة عافيتها الاقتصادية والتوجه نحو تنشيط الصناعة وتقديم الحوافز لتطويرها. أما في العراق, فقد دمر الاحتلال الأمريكي النازي البنية الصناعية والاقتصادية تماما, ليظل البلد الى أجل غير مسمى تحت قيادة الأغبياء ورحمة الدول العدوة,التي ساهمت في العدوان الغادر عليه.

تشكلت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عدة أحزاب أثبتت الأيام أنها لا في العير ولا في النفير, ولا يتعدى حدود نشاطها عن تحصيل المكاسب المادية لقياداتها بالدرجة الأولى ورمزية حضورها في البرلمان الروسي . وفي العراق تشكلت أيضا,أحزاب ومنظمات سياسية ودينية عديدة, أسسها شعيط ومعيط ودخلها من هب ودب, ولا هدف لمعظمها سوى الحصول على المنافع الشخصية.

لو سألت في روسيا عن أسباب عدم الرد على ما فعله قادة خونة وأغبياء ككرباتشوف ويلتسن ببلدهم, وتكاثر القادة الأغبياء بعد انهيارالاتحاد السوفييتي,واختفاء القادة الأذكياء (وما أكثرهم فيها), وسألت في العراق ما الذي يجعل عقلاء البعث يسكتون على ما يكتبه بعض الحمقى والأغبياء حين يكذبون ويحرضون ويدعون كما يحلو لهم, وسألت الشيوعي عن أسباب عدم أخذ زمام المبادرة لتصحيح مسار الحزب بعد ان أساءت القيادة الحالية وأضرت بسمعتة, وسألت الكردي الواعي عن سبب السكوت على سلوك القيادات الرعناء في الشمال, وسألت المصري والفلسطيني وغيرهم عن أسباب عدم التحرك في عالمنا العربي لتغيير الأنظمة الفاسدة, لشكى كل واحد منهم من الجهل وغياب الوعي في صفوف الأغلبية, وانعدام الثقة في امكانية تحريكها وصعوبة أمر قيادتها, وكأن لسان الحال يقول : من الأفضل أن تكون فردا بين الجنود من أن تكون قائدا للقرود..


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017