إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

اللعنة عليكِ أيتها السُلطة..

د. وسام جواد

نسخة للطباعة 2010-04-06

الارشيف

يتناسب التحكم بالسلوك وضبط النفس في الحالات الحرجة والصعبة مع ما يملكه الفرد من رصيد التجربة والخبرة والوعي . وكلما كان هذا الرصيد لدى الأفراد مرتفعا, كلما انعكست آثارة الايجابية على مختلف نواحي حياة المجتمع, بينما يظل التهور والحماقة مؤشرا على تغلب الرغبة الغريزية في استخدام القوة, كوسيلة وخيار لحسم الخلافات والنزاعات .

ويبقى التشبث والتمسك, وحب البقاء في السلطة, قويا وجامحا بالنسبة لمن يملكها, وهدفا يحاول المحرومون منها الوصول اليه, وذلك لأن الفرد أو الفئة الحاكمة لا يمكنها التفريط أو التخلي بسهولة عن المكاسب المادية والمعنوية,التي توفرها لها السلطة. أما الطبقات المحكومة, والمحرومة, والمظلومة, فتسعى الى تغيير الأوضاع المجحفة بحقها وتحاول قلبها لصالحها عند اتساع التناقضات وتضارب المصالح مع حاكميها .

إن للسلطة في عالمنا العربي خصوصيات فريدة من نوعها, ولا مثيل لها في أكثر الأنظمة دكتاتوية في العالم, فهي أعتى من أعتاها وأعنف من أعنفها, ولا علاقة لها مطلقا بما يسمى "الديمقرطية". فالملوك والرؤساء, لا لسنوات يحكمون, بل لعقود يظلون, واذا اقتربت يد المنون, تراهم للحظ يندبون, ولتوريث السلطة يُسرعون .

ولا يختلف الحال مع معظم قادة الأحزاب اليسارية واليمينية, فهم حين يجلسون, بالكراسي يلتصقون, وبعروتها يتمسكون, وعنها لا ينهضون, وبتركها لا يفكرون, لأنهم ببساطة فاشلون.. أما القادة المخلصون فطويلا لا يمكثون, لأنهم بغير حق يُعدمون ( فهد, سلام عادل, عبد الكريم قاسم, هاشم العطا, عبد الخالق محجوب, الشفيع احمد ) وبرصاص الغدر يُقتلون ( جورج حاوي, حسين مروة ) لأنهم قادة مناضلون, بعدالة قضيتهم واثقون, ولكرسي السلطة كارهون, وبالطغاة وجلاديهم هازئون, واذا استشهدوا فإنهم خالدون .

ولعل أحد أكثر الظواهر سلبية في السلطة, هو استغلالها في فرض ارادة, ونمط تفكير "الرئيس القائد" أو "الحزب القائد" على مكونات المجتمع, مما يؤدي الى نتائج, تمهد لحتمية الصِدام وتجعل التغيير أمرا مستعصيا, ان لم يكن مستحيلا, دون اللجوء الى العنف عن طريق الانتفاضات وحرب العصابات والثورات,التي غالبا ما تُقمَع بقسوة في حال فشلها, أو تتعرض لمؤامرات تحيكها قوى خارجية, وتنفذها أجندة داخلية متعاونة معها, كما حصل مع ثورات عديدة, ومنها ثورة 14 تموز 1958 الخالدة .

لقد استنفرت الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية قواها, وحركت أعوانها في الداخل بعد ثورة 14 تموز للاطاحة بأنقى وأنظف زعيم عرفته الأمة في تاريخها المعاصر. وبدأ التنفيذ بمحاولة اغتياله في 1959, وبمؤامرة الشواف في الموصل, وتحريك ناكري الجميل من المشايخ الكردية في الشمال . ولما فشلت هذه المحاولات, جرى الإعداد لانقلاب دموي, نُفِذ صبيحة 14 رمضان المصادف 8 شباط 1963, أعدم في بدايته الزعيم عبد الكريم قاسم صائما مع رفاقه الخالدين في مبنى الاذاعة, لتبدأ بعدها المجازر الوحشية ضد الشيوعيين وانصارهم, التي راح ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء الشعب العراقي على يد جلاوزة الحرس القومي, واعتقل وعذب خلالها عشرات الألوف بدعم سافر من الرجعية الدينية .

لم يكن الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم شيوعيا, ولا قوميا, ولا بعثيا, ولا طائفيا, بل كان قائدا وطنيا, نزيها, متواضعا ومتسامحا, ظلمه المُعممون, وأتعَبه الشيوعيون, وخانه القوميون, واغتاله البعثيون, لكنه سيبقى في ذاكرة الشعب الذي أحبه الى يوم يبعثون .

تمكنت القوى الوطنية اليسارية من استعادة عافيتها في فترة ما بعد انقلاب 8 شباط 1963 وقبل انقلاب 17 تموز 1968, لكنها تلقت ضربة موجعة من الداخل هذه المرة, بإحداث الانشقاق في صفوف الحزب الشيوعي العراقي ,الذي قاده عزيز الحاج, المعروف باضطرابه وخوفه وجبنه ( أثبت ذلك العديد ممن عرفوه, بمن فيهم الأستاذ شوكت خزندار ) وانتهازيته ( أثبتت أحداث ما بعد انهياره في المعتقل, مدى تملقة الرخيص للنظام وانقلابه عليه لاحقا, وترحيبه باحتلال العراق, بحجة ضرورة اسقاط النظام الدكتاتوري ) .

لم يرُق للامبريالية الأمريكية والرجعية العربية,عودة القوى اليسارية الى مواقعها, وكان لابد لها من التحرك السريع لدرء احتمال وصول الشيوعيين الى السلطة في العراق . وكان أصدقاء الأمس من الضباط القوميين والبعثيين, الذين جُربوا قبلا, من بين المرشحين لانجاز المهمة,على ان يقع الانقلاب دون اراقة دماء, خوفا من ردود فعل الشارع السياسي الغاضب من اولئك الذين ارتكبوا المجازر في 8 شباط, ومع التحفظ على اعلان أسماء قادة الانقلاب, الذي وقع في 17 تموز 1968 وأوصل البعثيون الى السلطة للمرة الثانية.

أفاق الشيوعيون, ممن آمنوا بامكانية قيام الجبهة الوطنية مع جزاري الأمس و"رفاق" اليوم من تخدير الكلام, الذي كان يدلي ويثقف به بعض قياديي الحزب حول أهمية التحالف مع البعثيين, ليجدوا انفسهم في غرفة الانعاش السياسي, محرومين من مزاولة النشاط في الجيش والشرطة والنقابات العمالية والفلاحية وقطاع الطلبة. ولكي لا يتحمل حزب البعث مسؤولية موتهم على أسِرّتِه, لذا سمح لهم بمغادرة العراق مع أهلهم وأقاربهم وأصدفائهم في نهاية سبعينات القرن الماضي, ليلقوا مصيرهم المجهول في الغربة, بعد ان تم تصفية العديد من الكوادر الشيوعية القيادية والوسطية النشطة.

قيلَ ان ستالين قد اتبع المبدأ التالي مع خصومه : إذا كان لديك أربعة أعداء, تعاون مع ثلاثة منهم على الرابع, وتعاون مع اثنين على الثالث, وتعاون مع أحد الأثنين ليسهل القضاء على الأخير. ويبدو ان النظام السابق قد اتبع هذا المبدأ أيضا, بتعاونه مع المشايخ الرجعية في الشمال ( عصابات جلال الطالباني ) ضد الشيوعيين, ثم تعاون مع بعض القوى لضرب القيادات الكردية, وتفرغ بعدها لتصفية الحسابات مع بعض الشخصيات والتنظيمات الدينية, دون أن تسلم من بطشه العناصر البعثية الوطنية المثقفة والمؤمنة فعلا بالوحدة الوطنية. وبتفرد النظام بالسلطة, يكون قد بدأ بحفر قبرا لنفسه, بحروبه الكارثية, التي انتهت باحتلال العراق وهزيمة مَن ظن النظام أنهم سيكونون عونا له في المُلمات, فكانوا أول الخاذلين له. وما أكثر الأصحابِ حين تعدهمُ,لكنهم في النائباتِ قليلُ .

لقد بينت أربعة عقود من نشاط وحكم حزب البعث 1963-2003 بأن السلطة كانت الشغل الشاغل لقياداته,التي ظلت متمسكة بكرسي الشؤم ( الحُكم ) الى حد تقديم التنازلات المُذلة, والقبول بالهَوان والإهانة والمهانة في الأوقات الصعبة ( لجان التفتيش, الحصار, حظر الطيران, النفط مقابل الغذاء, تعويض الكويت واسرائيل, فقدان السيطرة على الشمال) . ولعل الأمّر من هذا وذاك, إدعاء بعض أبطال الهزيمة, وزمَر العنتريات اللئيمة, وأصحاب السوابق والجريمة, بأنهم حققوا انتصارات عظيمة.. فيا لهذيان نفوس سقيمة, وحال عقول تفكر كالبهيمة, عادت الى ما كانت تكرره حليمة.

يشاهد العالم ما تبقى من فصول مسرحية "الانتخابات",التي لا يزال عرضها جاريا في صالات السمسرة والخيانة الوطنية, حيث بلغ التنافس المحموم ذروته بين قابضي الدولار والتومان والريال, وحيث السباق من أجل السلطة قد أتعب العَدائين بعد ان خرج منه العديد باكيا وشاكيا حالات التزوير وشراء الأصوات والتلاعب بسيناريو المسرحية, مبررا بذلك فشله ( إلما ينوش العنب بيده, يگول حامض ما أريده ), وراح البعض منهم يستنجد بالأمم الصهيونية المتحدة, لعلها تتخذ قرارا يضاف الى قراراتها الجائرة ضد العراق وشعبة, يقر بعودة من تلطخت أياديهم بدماء أبناء الشعب ومن عرفوا بعلاقاتهم المشبوهة مع المخابرات الأجنبية, لتأدية أدوار رذيلة في المسرحية الهزيلة وفي فصول مسرحيات جديدة قادمة, ينتجها ويخرجها "حليف" و" صديق" خونة الوطن والشعب .

ألخلاصة :

أحد علامات الحماقة والغباء السياسي, هو التصديق بإمكانية إجراء إنتخابات حقيقية في بلد يرزح تحت نير الاحتلال الأجنبي. ووحدهم المغفلون من يصدق بكلام العملاء والحلفاء وأعوان الاحتلال عن الديمقراطية والسيادة الوطنية. وما لم يتم طرد الغزاة من العراق, فإن الحديث عن الانتخابات سيظل دعاية رخيصة, يروج لها اللاهثون وراء أسيادهم المحتلين, لكسب ما يُقذف لهم من فتات موائدهم العامرة نتيجة نهب وسلب خيرات البلاد. وما التهديدات, التي يطلقها البعض بعودة العنف والارهاب في حال عدم مشاركتهم في السلطة, الا الدليل القاطع على ارتباط هؤلاء بالمرتزقة والقتلة, وهو يعكس مدى دونيتهم واستعدادهم لإرتكاب أفضع الجرائم من أجل الوصول الى هدفهم الأول والأخير - السلطة -


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017